صدر مؤخرا بيان لجامعة الأزهر يدين فيه إيران بسبب هجماتها على القواعد الأمريكية والصهيونية في الدول العربية الواقعة في منطقة الخليج العربي، بل وحتى أبعد من ذلك في أذربيجان وتركيا. على الرغم من أن جامعة الأزهر، وبفضل جهود كبار الحوزة العلمية الشيعية قبل ستة عقود، مثل آية الله البروجردي، قد انتهجت نهجاً تقريبياً تجاه المذهب الشيعي واعترفت بالمذهب الفقهي للشيعة كأحد المذاهب الفقهية الإسلامية، إلا أننا نشهد اليوم تحولاً في نهج الأزهر تجاه إيران والتشيع، وقد كشفت حرب رمضان عن هذا التحول جلياً.
ما يكتسي أهمية اليوم هو إعادة التعرف على نهج جامعة الأزهر تجاه التشيع بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولا سيما في المرحلة التاريخية الفاصلة المتمثلة في حرب رمضان. والآن، تستحق هذه التساؤلات التأمل والإجابة: ما هي التأثيرات التي أحدثتها حرب رمضان التي خاضتها إيران في النهج التقريبي السابق لجامعة الأزهر تجاه التشيع؟ إننا نشهد، استناداً إلى الشواهد التالية، تشكل تحول استراتيجي في نظرة الأزهر إلى المذهب الشيعي.
أولاً: بيان الأزهر الصادر اليوم، وبغض النظر عن جوانبه وأهدافه السياسية، قد كشف عن حقيقة خفية ومستترة تتغلغل في نسيج فكر بعض مشايخ هذه الجامعة. هذه الحقيقة التي تتجذر في الفكر السياسي لهذه الجامعة، هي خوف الأزهر من تزايد الإقبال على الفكر السياسي الشيعي في العالم الإسلامي، والذي يتطور بشكل متزايد. إن الإمكانيات المتميزة للإسلام الشيعي في مجال السياسة والحكم مقارنة بالإسلام السني، والمكانة الرفيعة لمكافحة الظلم ونشر العدالة، والنفي النظري والعملي لهيمنة الكفر والاستكبار في الفكر السياسي الشيعي، والاهتمام بتحقيق ذلك عملياً، كما تجلى في حدث الثورة الإسلامية الإيرانية وحرب رمضان، كل ذلك قد أظهر تفوق المذهب الشيعي في الميدان العملي. بالطبع، لرهاب الشيعة من قبل مشايخ الأزهر أسباب أخرى أيضاً، مثل نقد صحيح البخاري من قبل الكتاب الشيعة (1).
ثانياً: يدرك مشايخ الأزهر جيداً أن الدفاع في وجه الظالم والظلم هو حق مشروع للشعب الإيراني، وأن هذا الحق متجذر في أسس ومبادئ الفقه الإسلامي. وعليه، فإن أي إجراء تقوم به إيران في حرب رمضان يندرج تحت حق الدفاع المشروع ولا يخرج عن ضوابط المذاهب الفقهية؛ فليس هناك مذهب فقهي واحد يعتبر هذا الحق غير مشروع. إن إنكار حق الدفاع المشروع لإيران هو بمثابة نفي لأصول ومعايير الفقه الإسلامي.
إن إدانة دفاع إيران في مواجهة هجمات أمريكا وإسرائيل ما هو إلا تغيير في النهج التقريبي لجامعة الأزهر تجاه التشيع. لا ينبغي أن نتصور أن جامعة الأزهر لا تزال متمسكة بالتقارب مع التشيع كما كان شأن مشايخها السابقين. هذا البيان هو نفي للتقريب، وروحه هي تهديد للتشيع؛ على الرغم من أنه لا ينبغي اعتبار هذا البيان رأياً لجميع مشايخ الأزهر أو كبار علماء أهل السنة في العالم، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نغفل عن هذه النقطة المهمة أيضاً، وهي أن الأزهر يسيء استخدام مكانته المؤثرة في إضعاف وتهديد إيران. إن دور وتأثير جامعة الأزهر المصرية في تشكيل نظرة العالم السني إلى التشيع أمر لا يمكن إنكاره. لقد أظهر هذا البيان كيف يمكن للسياسة أن تذبح المذهب على مذبحها، وأن تقلب الحقيقة رأساً على عقب، وتحول التقريب إلى تهديد!
الهوامش:
(1) تأمل في رهاب الشيعة عند الأزهر بسبب نقد البخاري:
إن كتاب عادل عزازي الموسوم بـ “طعون وشبهات الشيعة الإمامية حول صحيح البخاري والرد عليها” يؤدي مهمة ووظيفة خاصة في تأجيج رهاب الشيعة السلفي. فـ عزازي، في امتداد فكر السلفيين المتطرفين، يدرج المذهب الشيعي في عداد أعداء الإسلام لمجرد نقده للبخاري. إنه يكفر ناقدي البخاري من الشيعة، ويسخر من أسس وتعاليم المذهب الشيعي الاعتقادية، ويدعي انقطاع وانفصال التشيع عن القرآن والسنة، ويضع الشيعة في مواجهة مع المذاهب الإسلامية الأخرى، ويقدم صورة مشوهة ومنتقاة وخاطئة عن التشيع ليوحي بأن نقد الشيعة للبخاري نابع من تطرفهم المذهبي.
لقد حظي كتاب عزازي بموافقة جامعة الأزهر في مصر باعتباره بحثاً حديثياً متميزاً. تُعتبر جامعة الأزهر أهم مؤسسة للدراسات الدينية في العالم السني منذ تأسيسها وحتى الآن، وفتاويها وبياناتها هي أساس عمل المسلمين السنة، ولها نفوذها في الثقافة العامة وحتى في مؤسسات الحكم في الدول السنية.
مشروع “أسطورة بخارى” البحثي: نقد الصورة المبالغ فيها للبخاري في كتابات السلفيين
يتناول مشروع “أسطورة بخارى” مسألة الصورة المبالغ فيها للبخاري في كتابات السلفيين المعاصرين، وذلك من خلال نقد كتاب عزازي الذي تصدى بدوره لنقد الكتاب الشيعة للبخاري. يُعد نقد الصورة المبالغ فيها للمكانة العلمية للبخاري في نظرة السلفيين من المسائل المهملة في خطاب الدراسات الحديثية المعاصرة، كما أنه لم يُنشر كتاب يتناول هذا الموضوع بمنهج “نقد النقد” أيضاً. وعليه، فإن مشروع “أسطورة بخارى” يتمتع بالميزة اللازمة بناءً على معايير تقييم الأهمية في الأبحاث الحديثية، وهذا المقدار كان كافياً لتبرير ضرورة تأليفه. لكن ما ضاعف من ضرورة تأليف كتاب “أسطورة بخارى” أكثر من ذلك هو المساعي الجادة للأزهر والسلفيين المعاصرين في كتاب عزازي لتفاقم الأزمة ضد التشيع من خلال توسيع رقعة نيران رهاب الشيعة المستعرة في العالم الإسلامي.
مشروع “أسطورة بخارى” البحثي يوشك على الانتهاء بعد أربع سنوات من البحث والكتابة، ويُرجى أن يصدر قريباً -بفضل الله- عن منشورات مكتبة علوم الحديث التخصصية في قم.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل




