مقدمة: التساؤلات حول دور الدول المضيفة
أثار استخدام القوات الأمريكية للقواعد العسكرية الموجودة في الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي للهجوم على إيران تساؤلات مهمة في الأوساط العامة حول دور هذه الدول في العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فهل لا يزال بإمكان هذه الدول التمسك بمبدأ الحياد؟ وفي هذا السياق، كشف احتجاج الحكومة الكويتية على استخدام الولايات المتحدة لمجالها الجوي، ورد الرئيس الأمريكي السخيف عليها بـ”اخرسي”، عن غموض هذه المسألة ووضح طبيعة الالتزامات والمسؤوليات الدولية.
مسؤولية الدولة عن استخدام أراضيها
وفقًا للقانون الدولي العرفي، تلتزم الدول باستخدام أراضيها بطريقة لا تشكل تهديداً أو ضرراً على الدول الأخرى، وهو التزام ترسخ في إطار “مبدأ الاستخدام غير الضار للأراضي”. وقد أُشير إلى هذا المبدأ في الحكم التاريخي لمحكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو (Corfu Channel, ICJ Reports 1949)، حيث أكدت المحكمة: “على كل دولة واجب منع استخدام أراضيها عن علم في أعمال تتعارض مع حقوق الدول الأخرى”.
تكرر هذا المبدأ أيضًا في إعلان مبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودية (قرار الجمعية العامة 2625، 1970) وفي القرار 3314 (تعريف العدوان، الفقرة 3(f))، خصوصًا فيما يتعلق باستخدام أراضي دولة لشن هجوم على دولة أخرى باعتباره مثالاً على “العمل العدواني”. وبالتالي، فإن الدولة التي تسمح باستخدام أراضيها في عمليات عدائية ضد طرف ثالث تكون قد انتهكت التزاماتها الأساسية في القانون الدولي.
الدولة العاجزة أو غير الراغبة
في حال شن هجمات من أراضي دولة ضد دولة أخرى، ولا تتمكن الدولة المضيفة من احتواء هذا التهديد أو لا ترغب في ذلك، يطرح مفهوم “الدولة العاجزة” أو مبدأ “عاجزة أو غير راغبة” (Unable or Unwilling). وقد ظهر هذا المبدأ في العقود الأخيرة ضمن ممارسات الدول، وتقارير الأمين العام، والأدبيات القانونية، ويتوافق مع منطق المسؤولية السيادية. إن عجز الدولة المضيفة عن منع العدوان، وفق القواعد العرفية الراسخة وتفسير موسع للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لا يحرم الدولة المستهدفة من حقها الأصيل في الدفاع المشروع.
رد الدولة المستهدفة وأطر الضرورة والتناسب
لا يعني الرد الدفاعي للدولة المستهدفة بالضرورة الدخول أو احتلال أراضي الدولة الثالثة، بل يمكن أن يتخذ شكل ضربات محدودة ودقيقة ضد الأهداف العدوانية في أراضي الدولة الثالثة.
إن شرعية هذا الإجراء تستند إلى معيارين عرفيين مستمدين من قضية كارولين (Caroline Affair, 1837)، وهما “الضرورة الفورية” و”التناسب”. وقد انعكست هذه المعايير لاحقًا في عدة وثائق دولية، منها تقرير الأمين العام حول مكافحة الإرهاب (A/59/565، 2004)، وكذلك في تقييمات مجلس الأمن ضمن القرارات المتعلقة بالتهديدات عبر الحدود (مثل القرار 1373، 2001).
وبناءً عليه، يمكن للدولة المستهدفة أن تجادل بأن استهداف المواقع العدوانية في أراضي الدولة الثالثة، في حال استحالة استخدام خيارات أخرى، يعد إجراءً ضروريًا ومتناسبًا لمواجهة التهديد، دون أي قصد لإضعاف سيادة الدولة المضيفة.
دور مجلس الأمن في إطار الدفاع المشروع
يبقى دور مجلس الأمن في هذا المجال مهمًا، لكنه لا يلغي الحق في الدفاع المشروع. وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، يظل الدفاع المشروع قائمًا حتى يتخذ مجلس الأمن “التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين”. وقد تجلى هذا الفهم بوضوح في أحكام محكمة العدل الدولية وممارسات الدول بعد أحداث 2001.
لذلك، إذا لم يتخذ مجلس الأمن إجراءات فعالة وفورية لوقف العدوان، تظل الدولة المستهدفة تملك الحق في استهداف الأهداف العدوانية حتى في أراضي دولة ثالثة، لحماية نفسها من الهجوم ومنع التهديد المستمر، مع مراعاة معايير الضرورة والتناسب. وحين يتدخل مجلس الأمن ويتخذ إجراءات عملية وإلزامية لاحتواء العدوان، يجب أن يُنسق تقييم مشروعية استمرار الدفاع المشروع الأحادي مع قرارات المجلس.
الخاتمة
يشير هذا البحث إلى أن القانون الدولي العرفي يوازن بين سيادة الدولة وحق الدولة المستهدفة في الدفاع المشروع، مع التأكيد على أن عجز الدولة المضيفة عن منع العدوان لا يسلب الدولة المستهدفة حقها المشروع. كما يوضح أن استهداف مواقع عدوانية بدقة في أراضي الدولة الثالثة، عند استحالة الخيارات الأخرى، يظل حقًا مشروعًا، مع مراعاة الضرورة والتناسب والتنسيق مع مجلس الأمن عند التدخل.
بقلم: حجة الإسلام السيد صادق الموسوي نجاد
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





