*كل هيئة «مجلس المديح والرثاء» هي نواة مقاومة*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٣٦٢، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

دراسة دور مدّاحي أهل البيت (عليهم السلام) في المعركة الثقافية ونشر ثقافة المقاومة في العدد الجديد من #صوت_إيران..

✍️ في الظروف الراهنة، كيف يمكن لظاهرة «المديح والرثاء» الحسيني أن تعزز المفاهيم المرتبطة بفكرة المقاومة والصمود؟
في زمن أصبحت فيه حرب الروايات وصراع الإرادات أكثر من أي وقت مضى عاملًا حاسمًا في تقرير مصير الشعوب، تكتسب العناية بـ«العناصر المؤثرة في العقول والقلوب والرأي العام» أهمية مضاعفة. وقد أكد القائد الشهيد للثورة، في كلمته الموجهة إلى المدّاحين والمنشدين بتاريخ 20 آذر 1404هـ ش (11 ديسمبر 2025)، على ضرورة التعرف إلى هذه العوامل المؤثرة وتعزيزها من منظور استراتيجي، مشيرًا إلى «مديح أهل البيت (ع)» بوصفه أحد العناصر المهمة القادرة على صناعة التيارات والتأثير؛ وهي ظاهرة إذا أُحسن فهمها، يمكن أن تحول كل هيئة عزاء إلى «نواة مقاومة».

▪️ في خضم حرب الروايات، حيث تسعى وسائل الإعلام العالمية ذات النفوذ إلى تغيير هوية الشعوب وإرادتها، ما زالت بعض الظواهر الثقافية المتجذرة تمتلك القدرة على الصمود بل والتقدم. ويُعدّ مديح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) إحدى هذه الظواهر؛ فهو وسيلة إعلامية عميقة التأثير قادرة على إعادة إنتاج ثقافة المقاومة وتعزيزها.
وإذا كان يُظن يومًا أن المقاومة تقتصر على الميدان العسكري، فقد أصبح واضحًا اليوم أن جوهر هذه المعركة ثقافي وإدراكي، وأن الهيئات والمواكب الحسينية تُعد إحدى أهم قواعد هذا الميدان.

▪️ إن «المديح والرثاء» وسيلة إعلامية حية ومتجددة ومتجذرة في تاريخ التشيع؛ نشأت من بين الناس، وتتحدث بلغتهم، وتمتلك قدرة كبيرة على النفاذ إلى مختلف شرائح المجتمع بفضل ارتباطها العاطفي العميق بأهل البيت (عليهم السلام).
وهذه الخصوصية تجعلها أرضية مناسبة لنقل مفاهيم المقاومة والصمود في مواجهة ضغوط الأعداء.

▪️ لقد نشأت مراسم «المديح والرثاء» من قلب التاريخ الشيعي؛ ذلك التاريخ المفعم بمناهضة الظلم، والمطالبة بالعدالة، والإيثار، والثبات.
وهذا الارتباط التاريخي العميق هو ما يمنحها القدرة على إيصال مفاهيم المقاومة عبر العاطفة والمعنى والهوية.

▪️ لكن السؤال الجوهري الأول هو: إلى أي مدى اقتربت مراسم «المديح والرثاء» المعاصرة من هذه الإمكانات التاريخية والحضارية أو ابتعدت عنها؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون تشخيص مواطن الخلل.
فإذا أردنا الحديث عن دور «المديح والرثاء» في نشر ثقافة المقاومة، فلا بد من النظر نقديًا إلى واقعها الحالي.

▪️ العنصر الأول والأساسي في هذه الظاهرة هو المدّاح نفسه. فمدّاح أهل البيت (عليهم السلام) يدّعي المعرفة بهم وينقل رسالتهم وسيرتهم. ومن الطبيعي أنه إذا وُجدت فجوة كبيرة بين أقواله وأفعاله، فإن رسالة «المديح والرثاء» نفسها ستفقد ثباتها.
وكما كان الشهيد مطهري يحذّر، فإن من لا يصلح نفسه ثم يتصدى لإصلاح الآخرين، لا يكون مصلحًا، بل قد يساهم في نشر الفساد.

▪️ في الماضي، كان إعداد المدّاحين يتم عبر مسار تدريجي وعميق؛ إذ كانوا يتربّون غالبًا على أيدي أساتذة عُرفوا بالعبادة والتقوى والمكانة الاجتماعية.
أما اليوم، ومع التوسع الكمي في الهيئات والمنابر، فثمة خطر يتمثل في تهميش التربية الروحية والشخصية للمدّاحين.
فإذا لم يكن المدّاح والرادود قدوة في الحد الأدنى من الأخلاق والسلوك، فكيف يمكنه أن يكون حامل راية لمفاهيم مثل الإيثار والثبات والعدالة ومناهضة الظلم؟

▪️ وبعد شخصية المدّاح يأتي دور فن «المديح والرثاء» نفسه، بما يشمله من اختيار الأسلوب واللحن والشعر.
لقد أثبت التاريخ أن الشعر والموسيقى من أكثر أدوات إيصال الرسائل تأثيرًا. ولهذا السبب كان الشعراء يحظون بمكانة في بلاطات الملوك، لما للكلمة الموزونة من قدرة على النفاذ إلى النفوس. وفي عصرنا الحاضر، رأينا نموذجًا واضحًا لهذا التأثير في أعمال مثل «سلام فرمانده»، وهو نشيد استطاع، مستندًا إلى روح «المديح والرثاء»، أن يتجاوز الحدود واللغات وينقل رسالته، ليتحول إلى ذكرى جماعية مشتركة.

▪️ ومع ذلك، فإن استخدام أي لحن أو أي أسلوب دون مراعاة المكانة الخاصة لمديح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) يُعد خطأً استراتيجيًا. فكما تؤكد النصوص الفقهية، فإن النبرة واللحن يحملان معنى بحد ذاتهما، ولا يمكن نقل رسالة مقدسة من خلال قوالب لا تنسجم معها. كما ينبغي أن يكون الشعر، من حيث المضمون والأدب والعمق، لائقًا بأهل البيت (عليهم السلام).
وتُعد قصائد محتشم الكاشاني مثالًا بارزًا على هذا التوازن؛ فهي مراثٍ تجمع بين ذروة الحزن والبطولة، وتحافظ في الوقت نفسه على مقام الإمام، وتدفع المتلقي إلى التفكير والتأثر معًا.

▪️ لكن العلاقة بين «المديح والرثاء» والمقاومة لا تقتصر على الجانب الجمالي أو العاطفي. فقد طرح قائد الثورة مفهوم «أدب المقاومة الوطنية»، واعتبر «المديح والرثاء» إحدى أهم قواعد هذا الأدب.
فالمقاومة، كما يعرّفها، هي القدرة على الصمود أمام الضغوط التي يمارسها العدو لفرض الاستسلام. وهذا المفهوم لا يقتصر على ساحة الحرب العسكرية، بل يشمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية.

▪️ لقد أظهرت تجربة الحرب العراقية الإيرانية (الدفاع المقدس) كيف استطاعت ظاهرة «المديح والرثاء» أن تغيّر معنويات المقاتلين في ليالي العمليات العسكرية. فقد كانت الأناشيد والمراثي في تلك المرحلة بمنزلة محرك للشجاعة والثبات.
وفي التحولات التي شهدتها السنوات الأخيرة، وحتى في بعض الأزمات القصيرة الأمد، عاد المشهد ليثبت مرة أخرى قدرة «المديح والرثاء» على تحويل الأجواء العامة من القلق إلى الحماسة.

▪️ اليوم لم تعد جبهة المقاومة محصورة في نطاق جغرافي معين. فبعض الرموز، مثل الكوفية الفلسطينية، تجاوزت حدود المنطقة ووصلت إلى الجامعات الغربية. وهذا يعني أن رسالة المقاومة أصبحت ذات بعد عالمي. وفي مثل هذه الظروف، تستطيع ثقافة «المديح والرثاء»، مع الحفاظ على أصالتها، أن تتحول إلى لغة عالمية للدعوة إلى العدالة ومناهضة الظلم؛ لغة تنبع من التاريخ الشيعي، لكنها ترسم آفاق المستقبل.

▪️ وقد تحدث القائد الشهيد للثورة عن الانتقال من «الدفاع الثقافي» إلى «الهجوم الثقافي». أي إن الوقت قد حان للحديث عن نقاط ضعف الخصم، بما في ذلك الفضائح الأخلاقية وما يُنظر إليه على أنه تناقضات أو ادعاءات كاذبة في مجال حقوق الإنسان. ومنابر «المديح والرثاء»، بما تملكه من لغة عاطفية ومعنوية، قادرة على أداء هذا الدور.

إذا تأسست ظاهرة «المديح والرثاء» على شخصية سليمة، وفن أصيل، وشعر رفيع، ورسالة واعية، فإن كل هيئة يمكن أن تصبح نواة للمقاومة.

▪️ وإذا أدركت الهيئات والمجالس رسالتها الحقيقية، فإنها تستطيع أن تؤدي دورًا يفوق كثيرًا من المؤسسات الأخرى في تربية الجيل الشاب وتعزيز الهوية المقاومة. ولهذا وُصفت الهيئات والمجالس بحق بأنها «مصنع لصناعة الإنسان»؛ مكان تجد فيه القلوب المختلفة، حتى أولئك الذين ابتعدوا ظاهريًا عن المظاهر الدينية، فرصة للعودة والنمو.
وإذا اقترنت هذه الإمكانات بالحكمة وسعة الصدر والبصيرة، فإن رثاء ومديح أهل البيت (عليهم السلام) يمكن أن يواصل أداء دوره بوصفه أحد الأعمدة الرئيسية لثقافة المقاومة في المجتمع الإيراني وخارجه.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل