مشاهد التشييع ليست رسالة سياسية فحسب

الاسلام الاصيل IslamAsil

في أحد المقاطع المرئية التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر رجلٌ إيرانيٌّ ينضح حزنًا وألمًا، وقال: كنت من غير المحبين للسيّد علي الخامنئي، ولم أكن من مؤيدي النظام، ولكن لحظة استشهاده ساورتني مشاعر الندم العميق.

وأصبح الندم يقضم روحي، ولم أعرف وسيلةً للتغلب على ندمي على موقفي من السيّد، حدّ أنّني فكرت بمسح أحذية القادمين للتشييع برموش عيني، علّني أتغلب بذلك على ندمي الذي يتآكلني.

هذا نموذج لحال المبغضين الرافضين، فكيف يكون حال المحبين المؤيدين؟ بل كيف يكون حال العاشقين للشخصية والنهج؟ وأيّ ألمٍ سيرافق أرواحهم مدى الحياة؟ وكيف سيتعايشون مع جرحٍ نازفٍ لا يلتئم؟ ومتى سيشعرون بانطفاء نار الثأر في قلوبهم؟ وأيّ انتقامٍ سيشفي صدورهم؟ وهذه ليست مجرد أسئلةٍ ستمضي، هذه هي العقيدة التي ستقوم إيران بانتهاجها وتبنّيها، والأمر أصبح محسومًا حكمًا.

لذلك فإنّ مشاهد التشييع المليونية، ليست رسالة سياسية فحسب. إنّها نهجٌ وبداية مسارٍ أو بالأحرى بمثابة انقلاب، حيث تعطي المقاتل الإيراني في الميدان، والمفاوض في أروقة السياسة، على حدٍّ سواء، سيفًا من وقت، وسيفًا من صبر، وسيفًا من صمود، وسيفًا من ثبات، وتمنحهما بطاقة خضراء للتغلب على كل العقبات نحو تحقيق الأهداف، مهما كان الثمن.

وهي رسالة شعبية جليّة، للمقاتل والمفاوض، لا ترتعش يداكما حرصًا على حياتنا ومعاشنا ورفاهنا، وفي مقابل ذلك لن نقبل منكما بأقل من نصرٍ ناجز، نصر نباهي به الأمم على مرّ التاريخ، نصر نستطيع تقديمه لأحفادنا، ليطاولوا بأعناقهم عنان السماء، ويفخروا بأنّهم أحفاد أولئك الذين واجهوا حمم الشيطان الأكبر وزلزال الأبالسة، واجهوا إمبراطورية الشرّ الأعظمّ باللحم الحيّ والبصيرة الحيّة وما استطاعوا من قوة.

فهذه الملايين لم تحتشد لتذرف الدموع فقط، بل لترسم طريقًا استراتيجيًا لمسار الصراع، حيث إنّ الصراعات المصيرية ما هي إلّا التعبير الأكثر خشونة عن إرادة المتحاربين، وما هذا التلاحم الشعبي الذي نشهده، إلّا التعبير الأوضح عن تماسك البيئة الحاضنة لأهداف الجمهورية وسياسات القائد الشهيد.

 وهذا بعكس المحارب على الطرف الآخر من هذا الصراع، وهو ترمب والولايات المتحدة الأمريكية، حيث لا شعبية على الإطلاق لهذا العدوان، هذا فضلًا عن قناعةٍ رسخت في الوعي الجمعي الأميركي، أنّ هذه ليست حربهم، بل جرى توريطهم بها “إسرائيليًا”، وبغضّ النظر عن صحة هذه القناعة، فإنّ تأثيرها كبيرٌ على شعبية الحرب، هذا بالإضافة إلى أنّ القوة الأميركية اصطدمت بالاقتدار الإيراني، ما جعل النصر السهل مستحيلًا.

والجموع التي فاجأت ترمب بحضورها قبل بكائها، تزيد الحصول على نصرٍ سهلٍ استحالةً، بل تزيد الحصول على مجرد صورة نصرٍ عُسرًا، وتفاجؤ ترمب هذا يزيد نقمة الأميركيين على “إسرائيل”، لأنّه يُعمق قناعتهم بأنّها هي من ورطت بلادهم في حربٍ ليست حربهم، رغم أنّ هذه ليست الحقيقة، إنّما يحاول ترمب تحميل نتنياهو تبعات الفشل والهزيمة، من خلال الإثبات للأميركيين أنّه فهِمَ اللعبة، ولن يسمح بتكرارها، خصوصًا حين قال: “نتنياهو يعرف من الزعيم”.

 كذلك لم يكن ترمب وحده من تفاجأ، بل “إسرائيل” عبّرت عن مفاجأتها بهذه الحشود، حيث إنّها تفاجأت من قصور قدرتها على تحليل ما تجمعه من معلومات، وقد كان تصورها أنّ لديها عداء مع “النظام” في إيران حصرًا، لكنها مع هذه الحشود اكتشفت أنّ أعداءها عشرات الملايين في إيران، ما يجعل من القول إنّ الشعب الإيراني يعاديها قولًا وجيهًا، والأسوأ بالنسبة لها، أنّ هذا العداء سيصبح ثأريًا انتقاميًا، وليس مجرد صراع في شِقٍ منه تضامنيّ، لأسباب شرعية أخلاقية إنسانية وسياسية، لأنّها السبب المباشر في فقدان القائد الأعلى.

إنّ العالم استفاق بعد رؤية هذه الحشود، على إيران مختلفة تمامًا عن إيران التي عرفها على مدى خمسة عقود، إيران القوة الإقليمية بل العالمية القادرة على تغيير المعادلات، إيران التي جعلت من اقتصاد العالم امتيازًا لحسن السير والسلوك، وليس حقًا إجباريًا لدول الهيمنة، فمن ستمنحه شهادة حسن السير والسلوك، ستمنحه ترخيصًا للمرور بما يحفظ عليه اقتصاده، وهذا ما قد يجعل ترمب يفكر في العدوان مرةً أخرى، ليحصل على مفاجآتٍ أكبر.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل