السيّد... أربعة عقود في قلب التحوّلات: القسم الثامن | الرجل خلف الصورة

في 27 أيلول/سبتمبر 2024، اغتالت يد الإجرام الإسرائيلية- الأميركية السيد حسن نصرالله في غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أكثر من ثلاثة عقود على توليه قيادة الحزب.

أمل شبيب

كان العالم يعرف صورته، العمامة السوداء، اللحية التي اختلط فيها الشيب مع السنوات، النظارة، الصوت الهادئ الذي يتحول، حين تشتد اللحظة، إلى خطاب يملأ الشاشات.
كان العالم كله يعرفه قائداً، وأميناً عاماً، وخطيباً، وشخصية حاضرة في أكثر ملفات المنطقة حساسية.
لكن خلف هذه الصورة، كان هناك رجل آخر. رجل له بيت، وزوجة، وأبناء، وأحفاد، وذاكرة شخصية لا يعرف عنها الجمهور إلا القليل.
وهناك تحديداً، خلف الصورة التي عرفها الملايين، تبدأ حكاية مختلفة: حكاية السيد الإنسان.

الرجل الذي اختفى كي يظهر
مع مرور السنوات، أصبح الظهور العلني للسيد حسن نصرالله حدثاً بحد ذاته. لم يكن يستطيع أن يعيش حياة قائد سياسي عادي. فهو كان يعيش تحت تهديد دائم بالاغتيال، ولذلك بقي في السنوات الأخيرة من حياته مختفياً إلى حد كبير، وكانت خطاباته تُنقل إلى الجمهور عبر بث فضائي. وهكذا حدث شيء غريب، فكلما قلّ ظهوره، زادت قيمة ظهوره.
صار الناس ينتظرون الشاشة. متى سيظهر؟ ماذا سيقول؟ هل سيخرج اليوم؟ هل سيعلّق؟ هل يحمل خطابه رسالة جديدة؟
وفي الوقت الذي كان فيه العالم يرى دقائق معدودة من ظهوره، كانت هناك حياة كاملة لا يراها أحد، حياة رجل يعرف أن صورته العلنية قد تكون هي النقطة الأخطر.

السيد الذي عرفه الناس من صوته
ربما لم يكن هناك قائد عربي معاصر ارتبط صوته بصورته بهذا الشكل. ففي زمن السياسة المصورة، حيث يحتاج السياسي إلى كاميرات ومؤتمرات ومهرجانات وظهور يومي، اختار السيد حسن نصرالله مساراً مختلفاً فرضته الظروف الأمنية.

كان يظهر عندما يريد، ويتحدث عندما يرى أن اللحظة تستحق، ثم يختفي، لكن هذا الاختفاء لم يكن فراغاً، كان جزءاً من حياته، وكان جزءاً من صورته أيضاً.
فالصورة التي بقيت أمام الجمهور لم تكن صورة الرجل الذي يتجول في الشوارع أو يدخل المطاعم أو يقف في طوابير الناس.

كانت صورة رجل يظهر من مكان غير معلن، أمام خلفية ثابتة، ثم يتحدث لساعات أحياناً. حتى التفاصيل الصغيرة في كلامه أصبحت مألوفة لجمهوره، توقفه، ابتسامته، مزحته العابرة، مرضه إن سعل، الانتقال من الفصحى إلى اللهجة اللبنانية، وطريقته في مخاطبة الناس وكأنه يعرف تماماً من يجلس خلف كل شاشة. كان السيد يمزج في خطاباته أحياناً بين الجدية والمزاح، ويستخدم اللهجة المحلية في بعض المناسبات، في صورة مختلفة عن الصورة النمطية لقائد عسكري شديد الصرامة.

أبّ قبل أن يكون قائداً

خلف القائد، كان هناك أب، ورب أسرة ولديه عائلة، 4 أبناء، استشهد منهم الشهيد هادي،  وبنت واحدة،  ومحمد علي، وابنة هي زينب، إضافة إلى أحفاد. بقيت عائلته بحكم بحكم الظروف، بعيدة إلى حد كبير عن الإعلام. لم تكن عائلته تعيش حياة العائلة السياسية التقليدية، لا صور يومية، لا مقابلات متكررة، لا حضور مستمر في المناسبات العامة.
كان هناك جدار واضح بين الرجل الذي يعرفه الناس والرجل الذي تعرفه عائلته، وهذا الجدار كان ضرورياً.

هادي… الابن الذي أصبح شهيداً
لكن حتى ذلك الجدار لم يستطع أن يحمي العائلة من الحرب. ففي عام 1997، استشهد هادي، الابن الأكبر للسيد نصرالله، خلال جهاده ضد القوات الإسرائيلية في جبل الرفيع جنوب لبنان.

كان ذلك من أكثر الأحداث الشخصية قسوة في حياة السيد. فهو لم يكن يتحدث عن فقدان بعيد: كان ابنه. ومع ذلك، لم يتعامل مع الحدث كحكاية شخصية منفصلة عن البيئة التي عاش فيها.

وهنا اجتمعت صورتان في رجل واحد: صورة القائد الذي استشهد ابنه في المعارك ضد الإحتلال الإسرائيلي، وصورة الأب الذي فقد ابنه.
وفي تلك اللحظة تحديداً، لم يعد السيد بالنسبة إلى كثير من أنصاره مجرد رجل يتحدث عن الشهداء: صار أباً يعرف معنى أن يُستشهد الابن.

العمامة السوداء… والإنسان الذي خلفها
كانت العمامة السوداء واحدة من أكثر العلامات وضوحاً في صورته. لكن العمامة لم تكن هي الرجل. خلفها كان شخص له عاداته، وذاكرته، ونقاط ضعفه، ولحظات فرحه وحزنه. وكانت هناك تفاصيل صغيرة تظهر أحياناً في خطاباته وتكسر الصورة الرسمية: نكتة، ابتسامة، تعليق عن الحياة اليومية، انتقال مفاجئ إلى لهجة الناس.

وهذه التفاصيل، بالنسبة إلى جمهوره، كانت تجعل القائد أقرب، فالإنسان الذي يتحدث من الشاشة لا يبقى مجرد رمز، يصبح شخصاً يعرفون نبرة صوته، طريقة حديثه، وتعبير وجهه، بل وحتى صمته.

حين يتحول الصوت إلى علاقة
ربما لهذا السبب كانت علاقة السيد حسن نصرالله بجمهوره مختلفة عن علاقة كثير من القادة بجمهورهم. فهو لم يكن يلتقي الناس في الساحات كما يفعل السياسيون عادة، فالوضع الأمني لم يكن يسمح بذلك. لكن العلاقة لم تختفِ، انتقلت إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى البيت، ومن البيت إلى الذاكرة. ومع مرور السنوات، أصبح جمهوره يعرفه من صوته أكثر مما يعرفه من حضوره الجسدي. كان يمكن أن يسمع الناس جملة واحدة فيعرفوا المتحدث. وكان يمكن أن يتغير إيقاع صوته فيعرفوا أن هناك خبراً مهماً.

كانت ابتسامته أحياناً كافية لتغيير أجواء خطاب كامل. وهذا ما جعل الشاشة، بالنسبة إلى السيد، أكثر من وسيلة إعلام. كانت المساحة الوحيدة التي يستطيع من خلالها أن يلتقي جمهوره في ظل الاختفاء الأمني.

الرجل الذي عاش مطارَداً
ربما من الصعب على من لم يعش تلك الظروف أن يتخيل معنى أن تكون ملاحقاً لسنوات.

أن تتغير أماكن الإقامة، أن يكون الظهور العلني مخاطرة، أن تتحول الرحلة العادية إلى احتمال اغتيال، أن يصبح الهاتف والاتصال والمكان مسائل أمنية، وأن يعرف الرجل أن هناك من يبحث عنه باستمرار، وان تُوظّف تكنولوجيا أهم دول في العالم لمعرفة تحركاته، وهذه لم تكن تفاصيل جانبية في حياة نصرالله. كانت جزءاً من حياته اليومية.

ولهذا، عندما كان يظهر، كان ظهوره يحمل معنى إضافياً: أن القائد ما زال هناك.

بين الأب والقائد
في حياة السيد حسن نصرالله، لم يكن الفصل بين الشخصي والسياسي سهلاً، فإبنه هادي كان شهيداً، عائلته كانت تعيش تحت إجراءات أمنية مشددة، وحياته الخاصة كانت محاطة بالسرية.

وفي الوقت نفسه، كان عليه أن يبقى قائداً لحزب، وأن يخاطب جمهوراً واسعاً، وأن يتخذ قرارات تمس حياة آلاف الأشخاص.

كان عليه أن يحمل حزنه في الداخل، ثم يظهر أمام الناس، يتحدث، يشرح، ويواصل. وهذا الجانب تحديداً هو الذي جعل صورته الإنسانية حاضرة في ذاكرة مؤيديه، ليس لأنه كان بعيداً عن الألم، بل لأنهم رأوا فيه، في لحظات كثيرة، رجلاً يعيش الألم نفسه الذي يتحدث عنه.

الرجل الذي لم يعرفه العالم إلا من بعيد
هناك فرق بين أن تعرف شخصية عامة، وأن تعرف الإنسان الذي يقف خلفها. العالم عرف السيد حسن نصرالله من خلال خطاباته، من خلال الحروب، والأخبار، ومواقفه، ومن خلال خصومه وحلفائه، لكن هذه ليست حياة الإنسان كاملة.

وربما لهذا السبب بقيت هناك مساحة من الغموض حول شخصيته الخاصة، من هو عندما تنطفئ الكاميرا؟ كيف يعيش؟ ماذا يحب؟ متى يضحك؟ كيف يتعامل مع اولاده وأحفاده؟ كيف كان يعيش لحظاته العائلية؟

أسئلة كثيرة بقيت خلف الأبواب، ففي عالم يمكن أن تتحول فيه المعلومة الشخصية إلى خطر أمني، يصبح الصمت نوعاً من الحماية.

وحين جاء اليوم الأخير
في 27 أيلول/سبتمبر 2024، اغتالت يد الإجرام الإسرائيلية- الأميركية السيد حسن نصرالله في غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أكثر من ثلاثة عقود على توليه قيادة الحزب.

في ذلك اليوم، لم يكن الخبر يعني غياب قائد سياسي فقط، بل كان الخبر أثقل مما كان العالم يتوقع. فلم يكن مجرد خبر لإستشهاد زوج وأب وجد، ولم يكن أيضاً مجرد خبر لجمهور اعتاد أن ينتظر صوته، وحتى لمن كان يخالفه في السياسة، كان خبر استشهاد السيّد أكبر من الحدث نفسه، وأثقل من 80 طناً افرغتها الطائرات الإسرائيلية على مكان اقامته، كان الخبر اغتيال اعظم شخصية في تاريخ العصر: الكيان المؤقت اغتال السيد… كان هذا الخبر كافياً ليفجع ملايين البشر في جميع أنحاء العالم…

ما يبقى خلف الصورة
ربما لهذا، حين نتحدث عن السيد حسن نصرالله، لا تكفي صورة القائد، ولا صورة الخطيب، ولا صورة من جاء بمعاني التحرير والإنتصار للبنان،  فهناك صورة أخرى، صورة الأب، صورة الزوج، صورة الجد، والد الشهيد، وصورة الإنسان الذي عاش سنوات طويلة وهو يعرف أن الإغتيال وقراره يلاحقه من مكان الى آخر، وهنا، ربما، يصبح فهم الشخصية أكثر اكتمالاً.
فالقائد الذي رأيناه على الشاشة لم يكن يعيش حياة منفصلة عن الرجل الموجود خلف الشاشة.

كان الاثنان شخصاً واحداً. لكن العالم رأى القائد أكثر بكثير مما رأى الإنسان. وربما لهذا بقيت حياته الخاصة، حتى بعد رحيله، واحدة من أكثر المساحات غموضاً في سيرته.
وهناك، بعيداً عن المنصة، كانت تسقط عنه كل الألقاب: ويبقى اسمه فقط: السيد حسن.

لكن حتى هذا العالم الخاص لم يبقَ بعيداً عن الحرب. ففي السنوات الأخيرة، اقتربت الحرب من كل شيء. من الضاحية، والجنوب، والعائلة، ومن الرجل نفسه.
ومع غزة، بدأت آخر مرحلة جديدة من حكاية السيد، مرحلة سيعود فيها السيد إلى الجنوب من جديد، لكن هذه المرة، لم يكن تموز هو المشهد، كانت غزة، وكانت جبهة لبنان، وكانت المنطقة كلها على حافة انفجار أكبر…
ثم جاءت الأيام الأخيرة… الأيام التي ضاق فيها هامش الزمن…وهنا نبدأ جزءاً آخر من الحكاية.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل