قال “الشیخ صالح وزيري زاده”: “إن استخدام المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية، والأدوات الرقمية، والذكاء الاصطناعي في الدراسات القرآنية، يُسهم في تحديد وتحليل القضايا الإنسانية بدقة أكبر، شريطة أن يستند البحث إلى منهجية واضحة، ومراجعة شاملة للأدلة، والالتزام بمبادئ التفسير الصحيحة.”
وأشار إلى ذلك، الأستاذ في الحوزة العلمية والجامعة حجة الإسلام والمسلمين “الشيخ صالح وزيري زاده” في حديث لوكالة “إكنا” للأنباء القرآنية الدولية لدى حديثه عن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم كأحد أهم الركائز لتطوير الدراسات العلمية.
وقال: “إن هذه المنهجية تُمكّن من الدراسة المنهجية للقضايا الإنسانية بالرجوع إلى آيات القرآن الكريم.”
وأضاف: “في هذا المنهج بدلاً من دراسة الآيات بحسب ترتيبها في السور، يجمع الباحث مجموعة من الآيات المتعلقة بموضوع محدد، ويحلل مضمونها في ضوء علاقتها ببعضها البعض”.
وأردف مبيناً: “إن استخدام هذه الطريقة إلى جانب مناهج البحث الأكاديمي الشائعة، يتطلب تعريفاً دقيقاً للموضوع، وتحديداً شاملاً للآيات ذات الصلة، وتقييماً للنتائج استناداً إلى الأدلة النصية، والدراسات اللغوية والأدبية، ومصادر التفسير الموثوقة.”
واستطرد الشيخ وزيري زادة مبيناً: “بما أن الآيات المتعلقة بموضوع ما قد تكون متناثرة في أجزاء مختلفة من القرآن، فعلى الباحث دراستها جنباً إلى جنب، مع مراعاة سياق كل آية ومضمونها، للوصول إلى صورة متكاملة للموضوع.”
وتابع موضحاً: “إن الاهتمام الموضوعي بالآيات القرآنية له تاريخ في التراث التفسيري، ولا ينبغي اعتبار التفسير الموضوعي منهجاً جديداً وغير مسبوق، وما حظي باهتمام أكبر في الآونة الأخيرة هو تطوير مناهج البحث الموضوعي، وشرح مراحله بدقة أكبر، واستخدام قدرات جديدة لتحديد وتحليل الآيات ذات الصلة.”
مساران أساسيان لاختيار الموضوع في التفسير الموضوعي
وأشار الشيخ وزيري زاده إلى الفرق بين مسارين رئيسيين لاختيار موضوع في التفسير الموضوعي، وقال: “في أحد المسارين، يختار الباحث موضوعه من نصّ القرآن الكريم أو غيره من النصوص الدينية، فعلى سبيل المثال عند مواجهة مفهوم الصبر في آية ما، يبحث في كيفية عرض هذا المفهوم في آيات أخرى، وما هي أبعاده ومعانيه الأخرى.”
وشرح المسار الثاني بالقول: “من جهة أخرى، يمكن أن تنطلق البحوث من قضية خارجة عن نصّ القرآن، قضية تُثار في حياة الفرد، أو العلاقات الاجتماعية، أو البيئة الأسرية، أو البنى الثقافية للمجتمع؛ وفي هذه الحالة، يُحدّد الباحث القضية ويُصيغها أولاً، ثم يلجأ إلى القرآن لدراسة أبعادها.”
واستطرد الأستاذ في الحوزة العلمية والجامعة قائلاً: “عندما يواجه المجتمع سلوكيات ضارة بين المراهقين، يمكن تحويل هذه القضية إلى سؤال بحثي، ودراسة قدرة آيات القرآن على دراسة أبعادها الأخلاقية والتربوية والإنسانية.”
وأكدّ الشيخ وزيري زاده: “يمكن لهذا النوع من الدراسات أن يُدخل قضايا إنسانية معاصرة، وقضايا ثقافية وتعليمية، وقضايا متعلقة بالعلاقات الأسرية والاجتماعية، ضمن نطاق الدراسة المنهجية للقرآن، إلا أن الإجابات الدقيقة لهذه القضايا تتطلب دراسةً متخصصةً واهتماماً بتعقيدات كل قضية على حدة.”
دور الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية في الدراسات القرآنية
وردّاً على سؤال حول إمكانية استخدام مناهج البحث العلمي المعاصر في الدراسات القرآنية، قال الشيخ وزيري زاده: “إن استخدام مختلف المناهج العلمية لدراسة القرآن والأحاديث لا ينطوي في حدّ ذاته على أي مشكلة، ويمكن للباحثين استخدام مناهج مناسبة لموضوع البحث، وأدوات تحليل البيانات الحديثة، والتقنيات الجديدة لدراسة النصوص الدينية، شريطة أن تكون هذه المناهج ملائمة لطبيعة النص وأهداف البحث.”
وأشار إلى إمكانيات الأدوات الرقمية قائلاً: “يمكن للبرمجيات وأدوات الحوسبة مساعدة الباحث في البحث عن المفردات، وتحديد الاستخدامات المختلفة للكلمة الواحدة، وتصنيف البيانات النصية، ودراسة الارتباط بين المفاهيم، كما يمكن استخدام الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي في بعض المراحل الأولية للبحث، بما في ذلك اقتراح المفردات المرتبطة أو تنظيم المعلومات”.
وأشار الشيخ وزیریزاده إلى أهمية التحليل اللغوي في الدراسات القرآنية قائلاً: “إن دراسة معاني الكلمات تتطلب الرجوع إلى المصادر اللغوية، والاستخدامات اللغوية، وكيفية استخدام الكلمة في النص، وفي الدراسات القرآنية، وبالإضافة إلى المعنى اللغوي، يجب الاهتمام بالاستخدام القرآني للكلمة، وبنية الجملة، وسياق الآية، والأدلة التفسيرية، فإذا كان للكلمة في القرآن استخدام أو دلالة خاصة، فيجب إثبات هذا المعنى من خلال دراسة الأدلة القرآنية واللغوية”.
وأكد الشيخ وزیري زاده أهمية الرجوع إلى المصادر التفسيرية، مبيناً أنه “لاينبغي أن يقتصر البحث الموضوعي للقرآن على الاستنباط المباشر للباحث من الآيات، لأن دراسة الروايات التفسيرية المعتبرة وقراءة آراء المفسرين البارزين يمكن أن تساعد في استكمال البحث وتحديد نقاط لم يتم الانتباه إليها في الفحص الأولي”.
وأكد هذا الأستاذ في جامعة “فردوسی” بمدينة مشهد المقدسة على قدرة الدراسات الموضوعية للقرآن على تطوير البحوث الأكاديمية، مبيناً: “يمكن للتفسير الموضوعي أن يوفر إمكانية طرح أسئلة جديدة ودراسة قضايا إنسانية متنوعة، خاصة عندما يستخدم الباحث أساليب علمية دقيقة، وأدوات حديثة، وتعاوناً بين المتخصصين في المجالات المختلفة، ومع ذلك فإن مصداقية هذه الدراسات تعتمد على التعريف الصحيح لسؤال البحث، والدراسة الشاملة للآيات المرتبطة، والاستنتاج القائم على أدلة معتبرة”.
واختتم حديثه قائلاً: إن التعاون بين باحثي علوم القرآن والمتخصصين في مجالات مثل الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم التربوية يمكن أن يساعد في الدراسة الدقيقة للقضايا وتطوير الدراسات البينية، وفي هذا المسار يعدّ الحفاظ على الاستقلال المنهجي للتخصصات، والاهتمام بالأدلة، وتجنب فرض المعنى على النص من المتطلبات الأساسية للوصول إلى نتائج قابلة للتقييم وعلمية.