Search
Close this search box.

ما الفرق بين سكرة الموت والاحتضـار؟

قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19).

* معنى “السكرة”
السكرة كلمة مأخوذة من مادّة “سكر”، وهي حالة تحول بين الإنسان وعقله، و”غالباً ما تُستعمل في موارد شرب الخمر، وقد استُخدمت تارةً في الحالات الناجمة عن شدّة الغضب، أو الحالات الناجمة عن شدَّة الحبّ الملتهب”(1).

إنّ ظهور حالة تشبه حالة السكر عند الاحتضار، إمّا أن تكون بسبب طبيعة الانتقال من عالم إلى عالم آخر مجهول من جهات مختلفة، كما هو الحال في حالة الاضطراب عند المولود، عندما ينتقل من عالم الجنينيّة إلى عالم الدنيا، وإمّا أن تكون بسبب أجواء ما بعد الموت ومواجهة نتائج الأعمال التي صدرت منه في حياته، والخوف من عواقب تلك النتائج.

والوجه في أنَّ سكرة الموت أشدّ على الإنسان من ثلاثمئة ضربة بالسيف –كما ورد في الحديث- “بأنّ المدرك للألم هو النّفس بتوسّط الروح الحيوانيّ، فمهما أصاب العضو الذي فيه الروح، جرح أو قرح، سرى الأثر إلى الأجزاء ولا يصيب الروح إلّا بعض الأثر. وألم النزع يهجم على نفس الروح، ويستغرقها، حتّى لا يبقى جزء من أجزاء الروح المنتشرة في أعماق البدن إلّا وقد حلَّ بها الألم؛ لأنَّه ينزع ويجذب من كلّ عرق وعصب، وجزء ومفصل، ومن أصل كلّ شعرة وبشرة، من القرن إلى القدم، فالكرب يبالغ فيه ويتصاعد على قلبه، ويغلب على كلّ موضع، فلا يترك له قوّة استغاثة. أمّا العقل فيغشيه ويشوّشه، وأمّا اللسان فيبكمه، وأمّا الأطراف فيصفعها، وينتشر الألم في داخله وخارجه، وهو يظنّ أنّ بطنه مُلئت شوكاً، وكأنّما نفسه تخرج من ثقب إبرة، وكأنّما السماء منطبقة على الأرض وهو بينهما”(2).

* هل يحصل الاحتضار لكلّ الناس؟
أخيراً، لا بدّ من أن تحصل السكرة حين الاحتضار، ولكن هل تحصل لكلّ إنسان؟ ذلك أنّ الاحتضار يحتاج إلى بعض الوقت، وهذا لا يتوفّر إلّا في حالات المرض، فالذي يموت بالقتل أو بتعرّضه إلى حادثةٍ ما تؤدّي فوراً إلى موته، لا نرى ظهور حالة الاحتضار عليه، فهل أنّها لا تصيبه عند ذلك؟

يمكن القول بأنّ الله القادر على كلّ شيء، قادر على أن يأمر ملك الموت المكلَّف بقبض الأرواح بأن يقوم بعمليّة نزع الروح بشكل سريع وخاطف، فتحصل له هذه الحالة –حالة الاحتضار- دون أن تظهر للعيان. وليس ذلك ببعيد عن القدرة الإلهيّة، كما هو معلوم، وحتّى على المستوى العقليّ والعلميّ، فإنّ العقل يركن لذلك أو يقرّر ذلك طالما لم يخرج عن قوانين الطبيعة التكوينيّة، التي لا يَعلم كيفيّة إنفاذها على الشكل الأتمّ والواضح إلّا خالقها، وإلّا كيف يمكن تفسير الآيات والروايات الحاكية عن سكرة الموت والاحتضار، وهي بشكل عام مطلقة من هذه الناحية، وليس منها ما يدلّ على عدم وجود هاتين الحالتين؟

1- نفحات القرآن، ناصر مكارم الشيرازي، ج 5، ص 187.
2- عالم ما بعد الموت، الفيض الكاشاني، ص 43.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل