السؤال: لماذا خلق الله إبليس؟

الجواب: لماذا خُلق إبليس من تلك المسائل القديمة التي شغلت أذهان الكثيرين، إذ تنطوي على طبقات خفية لا يُفهم عمقها إلّا إذا تأمّلنا حقيقة الاختيار وطبيعة هذا العالم.

فمجرّد ذكر اسم الشيطان يثير في ذهن الكثيرين سؤالاً أساسياً: إذا كان الله رحماناً حكيماً، فلماذا أذِن بوجود مثل هذا الكائن؟ هل أراد سبحانه أن يوقع الناس في الوسوسة والضلال؟

قد يبدو الجواب سطحيّاً لمن ينظر بغير تدبر، لكن الحقيقة أعمق وأوضح من ذلك: فالله سبحانه يخلق كائناً شريراً بطبيعته، كما أنّ الظلام ليس موجوداً مستقلاً، بل هو غياب النور؛ كذلك الشرّ ليس حقيقة ذاتية، بل ثمرة لاختيار خاطئ يصدر عن موجود مختار.

لقد كان إبليس في بدايته مخلوقاً طاهراً عابداً، عاش دهوراً في صفوف المقرّبين، لكنّه بكامل إرادته اختار الكِبر والعناد، فكان ما كان. لم يخلق الله الشرّ، بل خلق مخلوقاً مختاراً، ثمّ كان الشرّ نتيجةً لاختياره هو.

لكن قد يقال: لماذا جُعلت إمكانية الوسوسة والانحراف موجودة أصلاً في عالم الوجود؟

والجواب: لأنّ عالماً لا طريق فيه إلّا الخير لا يتيح للإنسان أن يختبر الحرية ولا أن يحمل قيمةً أخلاقية حقيقية لأعماله.

فالإيمان لا يكتسب قيمته إلّا حين يستطيع الإنسان أن يترك طريق الضلال طواعية، والطهارة لا تصبح ذات قيمة إلّا حين يكون التلوّث ممكناً، والمقاومة لا معنى لها من دون ما يُقاوَم. في هذا السياق، لم يُجعل الشيطان ليهدم، بل ليظهر قيمة الاختيار، ويفتح للإنسان باب النموّ الروحي؛ أشبه بوزنٍ يرفعُه الرياضي كي يقوى، فالوسوسة تكشف قوة النفس وتزيدها صلابة.

ثمّ إنّ الشيطان لا يسلب أحداً اختيارَه؛ دوره محصور في الدعوة لا الإجبار. لا يستطيع أن يجرّ أحداً قسراً، وكل ما يملك هو الإغواء والوسوسة. ومع العقل الذي منحنا الله إيّاه وهدايته، إضافة إلى إرسال الأنبياء والأوصياء وإنزال الكتب والتعاليم السماوية، يقدر الإنسان على ردّ هذا الإغواء ومقاومته.

ولأنّ الله يعلم كل شيء، فذلك لا يعني أنّه يجبر الإنسان على أفعاله؛ فكما أنّك إذا رأيت سائقاً متهوّراً وعلمت أنّه سيتعرّض لحادث، لا يكون علمك سبباً في وقوع الحادث، كذلك علم الله لا يلغي حرية الإنسان.

وفي النهاية تتضح الحكمة من وجود إبليس: ليس لخلق الشرّ، بل لإظهار قيمة الاختيار وامتحان الإنسان. فمن دون إمكانية الوسوسة لا تكون للتقوى حقيقة، ومن دون قابلية الخطأ لا تظهر عبودية واعية، وكما أنّ النور لا يُعرف إلّا بالظلمة، ولا تُدرك حقيقة السعادة إلا بوجود الألم، فإنّ رشد الإنسان لا يبرز إلّا في مواجهة ما يعوقه.

لم يخلق الله شرّاً مطلقاً، بل منح المخلوقات حريةً مطلقة؛ وفي هذه الحرية تكمن إمكانية الخير كما تكمن إمكانية الشرّ. والإنسان هو الذي، باختياره الواعي، يسلك طريق النموّ والكمال والنور الإلهي.

وبهذا يتّضح أنّ وجود الشيطان جزء من التدبير الإلهي العظيم لنماء الإنسان وكشف قيمته الحقيقية، من خلال منحه القدرة التامة على الإنتقاء والاختيار بين طريقي الهداية والضلال.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: ما هو سبب وجوب الصلاة على محمد وآل محمد في التشهد؟ ما هي الرواية الصحيحة السند التي تدل على ذلك؟
هل يصح التنبؤ بأحداث العالم بناءً على احوال النجوم؟ ما مدى صحة ما في التقويمات الفلكية القديمة، من اختيار اثني عشر حيواناً لتسمية كل عام وادراج خصائص لكل من هذه السنوات (على سبيل المثال، يقولون فی عام الثعبان، حالة المناجم جيدة)؟ وإذا لم يكن هذا صحيحاً، فلماذا يدرج علماء النجوم، الذين غالباً ما يكونون من علماء الدین، هذه المطالب في التقويمات الفلكية؟
السؤال: كيف كان أهلُ البيت عليهم السلام -وهم قمّة الطهارة ومعادن العصمة- يخرّون خشوعاً ويغشى عليهم من خشية اللّٰه، بينما نقف نحن الملوّثون بالذنوب أمام ربّ العالمين بهذا القدر من الجرأة والغفلة؟
الردّ على ثلاث شبهات شائعة حول الحجاب
هل صح أن النبي ص صام يوم عاشوراء؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل