السؤال: يرى البعض أنّ نهج البلاغة يبالغ في ذمِّ الدنيا والدعوة إلى الزهد وترك الملذات المادية على نحوٍ يشبه الرهبانية، وهذا يناقض قول النبي (ص): «لا رهبانية في الإسلام».

الجواب:

أوّلًا:

الحديث عن خسّة الدنيا وزوالها لا يختصّ بشريعةٍ دون أخرى؛ فكل الشرائع الإلهية، وشرائع الأنبياء جميعًا، حذّرت أممها من الانغماس في الدنيا ومتاعها الزائل على حساب الآخرة الدائمة.

وقد أكّد الجميع على أنَّ: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ».

وفي الإسلام – بوصفه أكملَ الأديان – ورد التأكيد نفسه على حقارة الدنيا وسرعة فنائها وقلّة شأنها.

وقد صرحت بذلك آياتٌ قرآنية كثيرة وأحاديثُ نبوية ورواياتٌ عن أهل البيت عليهم السلام، وأورد نهج البلاغة أمثلةً مدهشة تعبّر عن هذا المعنى، منها:


(1) في القرآن الكريم

قال تعالى في سورة الحديد (آية ٢٠): ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا…﴾ إلى آخر الآية، موضّحًا أنَّ الحياة الدنيا متاعٌ زائلٌ خادع.


(2) في الحديث النبوي

ورد عن النبيّ ﷺ أنه قال لأبي ذرّ: «يا أبا ذرّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربةَ ماء». (مكارم الأخلاق، ج ٢، ص ٣٦٨)

وقال له أيضًا: «يا أبا ذرّ، الدنيا وما فيها ملعونة، إلا ما ابتُغي به وجهُ الله».

وفي حديثٍ قدسي: «أوحى الله إلى عيسى: يا عيسى، لا تُحبّ الدنيا فإني لا أحبها، وأحبّ الآخرة فإنها دار القرار».


(3) في نهج البلاغة

وردت تعبيراتٌ تشبّه الدنيا بأخطر الصور، منها قول الإمام عليّ عليه السلام: «مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الحَيَّةِ، لَيِّنٌ مَسُّهَا، وَفِي جَوْفِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ؛ يَهْوِي إِلَيْهَا الغِرُّ الجَاهِلُ، وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ العَاقِلُ». (حكمة 119، نهج البلاغة)

وقال أيضًا: «وَاللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ». (حكمة 236)

وقال: «أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ». (حكمة 64)

وغيرها من الخطب التي تبيّن أنّ الدنيا لا تساوي شيئًا عند أولي الألباب، وأنها ظلّ زائل لا بقاء له.


الخلاصة من هذا المحور:

إنّ الإمام عليه السلام إنما حذّر من الدنيا المذمومة نفسها التي وصفها القرآن بأنها لَعِب ولهو وزينة وتفاخر…، ودعا إلى الزهد عنها، لا عن عمارة الحياة أو تحمّل المسؤولية فيها.

فالزهد المطلوب هو الزهدُ عن المتاع الخادع، لا الهروب من الحياة.

قال تعالى أيضًا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ… ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران : 14)

إذن نهج البلاغة لا يدعو إلى العزلة ولا إلى الرهبانية، بل تنسجم كلماته تمامًا مع روح القرآن والإسلام.


ثانيًا:

من حيث البنية الأخلاقية، ولأنّ حبّ الدنيا أكبرُ مانعٍ في طريق سعادة الإنسان، فقد أكّد الإمام في مواضع عديدة من خطبه ورسائله وحِكمه على خطورتها.

ومع ذلك، لم يُطلق حُكمًا واحدًا شاملًا؛ بل حين سمع رجلًا يذمّ الدنيا ذمًّا مطلقًا، عاتبه بشدة وقال: «يا أيها الذامّ للدنيا، المغترُّ بغرورها… أَتَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا؟! إنّ الدنيا دارُ صدقٍ لمن صدقها، ودارُ عافيةٍ لمن فَهِمَ عنها، ودارُ غِنىً لمن تزوّد منها، ودارُ موعظةٍ لمن اتّعظ بها… هي مسجدُ أحباء الله ومصلّى ملائكته ومهبطُ وحيه ومتجرُ أوليائه…». (حكمة 131، نهج البلاغة)

أي إنّ الدنيا من حيث هي وسيلةٌ للعمل والطاعة، دارُ صدقٍ وغنًى، لكنها تُصبح دارَ خداعٍ لمن غفل عنها وجعلها غاية.

فالنتيجة أن الدنيا، في نظر نهج البلاغة، نوعان:

  1. دنيا ممدوحة: يُطلب منها الكفاف وتُستعمل في رضا الله — كالكسب الحلال، والإنفاق على الأهل، وصلة الأرحام، ونصرة الحق.
  2. ودنيا مذمومة: هي التي تُعشق لذاتها ويُعصى الله في سبيلها.

قال عليه السلام: «وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ». (خطبة 82)

فمن نظر إلى الدنيا بها (أي بوصفها مرآةً للعِبرة) بَصُرَ بالحقيقة، ومن نظر إليها (أي عشقها وغفل عن الآخرة) عَمِي عن الصراط.


ثالثًا:

صحيح أنّ الإمام عليه السلام أثنى في بعض المواضع على الزاهدين الذين شبَّههم بـعيسى عليه السلام، فقال: «طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ…، عَلَى مَنَاهِجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.». (حكمة 104)

لكن هذا التشبيه يقتصر وجهُ الشبه فيه على الزهد وعدم التعلّق، لا على الرهبانية أو التبتل والانقطاع عن النساء والأهل؛ فالإمام لم يدعُ قط إلى ترك الزواج أو العزلة عن المجتمع.

ويؤيد ذلك ما جرى حين زار علاءَ بنَ زِيادٍ الحارثي في البصرة بعد حرب الجمل، فرأى سعة داره فقال له: «ما تصنع بهذه الدار الواسعة في الدنيا وأنت إلى مثلها في الآخرة أحوج؟ نعم، إن شئتَ بلغتَ بها الآخرة: تَصِلُ بها الأرحام، وتُكرم فيها الضيف، وتؤدي منها الحقوق…»

ثم شكا علاءُ أخاه عاصمًا الذي لبس العباءة واعتزل الناس، فاستدعاه الإمام وقال له: «أي عدوَّ نفسه! لقد غَرّك الشيطان؛ أترى الله أحلَّ الطيباتِ وهو لا يحب أن تتمتّع بها؟!»

وبيّن له أن هذا النمط من «الزهد السلبي» ليس من الإسلام.


الخاتمة:

من كلّ ما تقدم يتبيَّن بجلاء أن الشبهة مردودة من أساسها:

فـ نهج البلاغة لا يدعو إلى الرهبانية، بل إلى الحرية من عبودية الدنيا.

الدنيا ليست مذمومةً في ذاتها، بل بقدر ما تُلهي عن الله والآخرة؛ وهي ممدوحةٌ حين تكون طريقًا للعمل الصالح وإعمار الأرض وخدمة الخلق.

وهكذا يتّضح أن الزهد في فكر الإمام عليّ عليه السلام ليس انسحابًا من الحياة، بل هو سموٌّ في أسلوب العيش، وفطنةٌ في التعامل مع الدنيا:

العيش فيها لا لها، واستعمالُها للوصول إلى الله لا الارتهانُ لها.


المصدر: كتاب آشنایی با نهج البلاغه امام علی و پاسخ به چند شبهه/ تأليف السيّد جعفر حسيني.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الردّ على ثلاث شبهات شائعة حول الحجاب
السؤال : ارجو التفصيل في سند هذا الحديث أبو علي الأشعري، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي الوشاء قال:
سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة ؟
سورة النمل، آية 47، صفحة 381
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
ماذا تقصد الآية ب " طائركم عند الله "
إذا لم یمکننا طلب العفو والرضی من الناس، فهل هناك دعاء لطلب المغفرة لهم؟ في هذه الحالة، أرجو منکم ذکر ذلك الدعاء.
لماذا يمنح الإسلام للزواج ـ وهو أمرٌ شهوانيّ ـ بُعدًا أخلاقيًّا؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل