العلمُ كالمستودع يزولُ بتغيّر الظروف، والعلمُ النابعُ من الداخل باقٍ وحيٌّ

آية الله العظمى جوادي آملي يؤكد أهمية الاعتكاف في شهر رجب المبارك

في درس الأخلاق الذي ألقاه سماحةُ آية الله العظمى جوادي آملي في مسجدِ الأعظم في قم، تناول موضوع «الطريق الثالث في الدين» في مواجهة الأزمات والحوادث غير المتوقعة، مبيّنًا أنّ هذا الطريق يتمثل في الدعاء والمناجاة والصيام والاعتكاف، وهو دستورٌ رسميّ في نهجِ الدين ذاته.

وبحسب مراسل وكالة أنباء الحوزة، انعقد درس الأخلاق اليوم (الأربعاء) في مسجد الأعظم بحضور رئيس هيئة الاعتكاف المركزية وعدد من أعضاء مجلسها العلميّ.

استهلّ سماحته الدرس بتهنئةٍ بمناسبة مولد الإمام الجواد عليه السلام وسائر مواليد أهل البيت عليهم السلام، ثم شرع في شرح جانب من كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام القصيرة في نهج البلاغة.

وفي تفسيره للحكمة ١٩١ من نهج البـلاغة، قال: إنّ الدنيا ميدانُ حوادثٍ لا يمكن التنبؤ بها دائمًا. فبعضُ الظواهر الطبيعية يمكن التوقّعُ الجزئيُّ لها وضبطُها بالعلم والتجربة، ولكن هناك أحداثٌ في هذا العالم لا سبيل إلى معرفتها علميًا ولا إلى معالجتها بجهد البشر؛ وعلاجُ هذه الأمور لا يكون إلا بالارتباط الوثيق بذات الله القدّوس.

وأشار إلى ظروف العالم الراهنة بما فيها من حروب وأزمات متلاحقة، مُبرزًا أنّ الدين ـ إلى جانب التدبير والدفاع ـ يرسم طريقًا ثالثًا هو طريق الدعاء والعبادة والاعتكاف، مضيفًا: إنّ هذا الطريق نفسه تشريعٌ أصيل في الدين؛ فقد كان كبار العلماء كما يدرّسون الفقهَ والأصول، يعقدون أيضًا دروسًا في الدعاء، إذ إنّ فهم مضامين بعض الأدعية أعقدُ من كثير من المسائل العلمية الدقيقة.

ثمّ أكّد على مكانة شهر رجب المبارك، قائلاً: إنّه شهرٌ عظيمُ البركة، وأهلُ رجب («الرجبیّون») ينالون من فيضٍ خاصّ. في هذا الشهر وردت مجموعةٌ وافرةٌ من الأدعية، بعضها يُقرأ بعد الصلاة، وبعضها تُوصي الروايات بتلاوته يوميًا؛ وهناك أدعية تَضمّنَتها التوقيعات المباركة للإمام المهدي عجل الله فرجه التي وصلت عبر النواب الخاصّين، وهي بمثابة مراسيمَ إلهيةٍ توجيهيّة ترشد المؤمن كيف يسير في طريق الارتباط بالله، ومن يعدّ نفسه من المنتظرين عليه أن يعتني بها أشدّ الاعتناء.

وأضاف سماحته: إنّ بعضَ عبارات تلك الأدعية عميقةٌ جدًا، ويصعب فهمها أكثرَ من المسائل العقليّة أو النّقليّة الكبرى؛ وهنا يدرك الإنسان أنّ عليه أن يُفوّض العلمَ لأهله. والدستورُ الوارد يُرشدنا إلى قراءة الأدعية يوميًا طوال شهر رجب، لكنّ حلّ الأزمات الكبرى ـ سواء كانت متوقّعة أو غير متوقعة ـ لا يعتمد على العلم وحده، بل يحتاج إلى القيام في الأسحار، والمناجاة، والاعتكاف، والأنين الصادق، والاتصال الدائم بالله.

وتطرّق سماحة آية الله جوادي آملي إلى التمييز بين علم الذاكرة والعلم الجيّاش (المتفجّر من الداخل)، قائلاً: كثيرٌ منّا في الحوزة والجامعة يشبه عملُه إنشاءَ حوضِ ماءٍ أو «حوض سباحة»؛ نجمع المعلومات ونخزّنها في الذاكرة، وهذه المعارف كالماء المجمَّع في الحوض، تتناقص بمرور الزمان، لا سيّما في الشيخوخة، وقد تزول كلّيةً من الذهن.

ثمّ أردف: الإنسان ينبغي أن يكون عينًا متدفّقة، منبعًا حيًّا ومعينًا للعلم؛ أي أن يمتلك علمًا ينبع من أعماقه لا يُستعار من الخارج. إنّ الله سبحانه يجعل بعض عباده عيونًا للمعرفة في المجتمع، تتفجّر منهم المعارف الإلهية من باطن وجودهم. وهذا المقام لا يُنال بالقراءة والتحصيل فحسب، بل عبر الاعتكاف، والصيام في شهر رجب، والأدعية النورانية، والقيام في الأسحار، والتواصل العميق مع الله.

وشدّد على أنّ العلم الذي يُكتسب ويُخزَّن فقط لا يدوم، قائلاً: نحن مضطرون في الحوزة والجامعة إلى التحصيل والتعلّم، ولكن إن لم يتحوّل هذا العلم إلى نبع داخليّ فسوف يذوي مع الزمن. فـالعلم المستودع كحوضٍ راكد يزول بتغيّر الظروف، وأمّا العلم النابع من الداخل فحيٌّ دائم الجريان.

وختم آية الله العظمى جوادي آملي بالدعاء لحفظ النظام والمجتمع والحوزات والجامعات في ظلّ القرآن والعترة وتحت رعاية أهل البيت عليهم السلام، مؤكّدًا ضرورة اغتنام عبادة الاعتكاف وشهر رجب، متمنيًا أن تُثمر هذه العبادات آثارًا روحيةً عميقة ودائمة في حياة الأمة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل