السؤال: هل ستُحشر الحيوانات في يوم القيامة؟

هل تشمل رحمة الله وعدالته الكبرى عالم الحيوان، فتحضر الخلائق جميعها –بما فيها الحيوانات– في يوم القيامة أسوةً بالبشر؟ تؤكد النصوص القرآنية والأحاديث النبوية صحة هذا المفهوم، بل وتُشير بوضوح إلى أن القصاص الإلهي سيتحقق حتى بين الحيوانات لرفع الظلم الواقع عليها.

هذا التساؤل العميق: «هل للحيوانات حظ ونصيب في الجنة أو النار؟» هو ما نسعى لتقديم الإجابة عليه استناداً إلى مصادر التشريع الإسلامي.


تباين الآراء حول مآل الحيوانات في الحشر

تتوزع الآراء الفقهية حول مصير الحيوانات يوم القيامة على ثلاث تيارات رئيسية:

  1. مذهب النفي المطلق:

يرفض هذا الفريق فكرة حشر الحيوانات رفضاً كلياً، ويستندون في ذلك إلى قاعدة مفادها أن الحشر تابع للتكليف، والتكليف متوقف على وجود العقل والإرادة والاختيار. وبما أن الحيوانات تُعدّ فاقدة لهذه المقومات، فإنها تُعفى من التكليف، وبالتالي لا يقع عليها الحشر.

  1. مذهب النفي المقيد (الاستثناء):

يتبنى هذا الفريق نفي الحشر عموماً، لكنه يقبل حشر بعض الأصناف استثنائياً، بناءً على ورود روايات محددة خصّت تلك الحيوانات بالذكر، كالمثال المشهور لكلب أصحاب الكهف.

  1. مذهب الإثبات الكلي:

وهو الفريق الذي يقرّ بثبوت حشر الحيوانات جميعها، لكونها “أُمَمًا أمثالنا” في إطار النظام الكوني الإلهي.

تحليل ونقض دليل المُعارضين (النفي)

إن التعمق في مفهوم “التكليف” يُظهر أنه ليس حالة واحدة، بل مراتب متعددة، وتتطلب كل مرتبة منها مستوى إدراك وعقل يتناسب معها. يمكن تصور مرتبة دنيا وبسيطة من التكليف، يغدو لها مجرد القليل من الفهم والشعور كافياً لتحملها.

لذلك، يصبح من الصعوبة بمكان إنكار هذا الفهم والشعور، وبالتالي التكاليف المناسبة، على الحيوانات إنكاراً مطلقاً. وهذا الموقف يشبه صعوبة إسقاط كافة التكاليف عن الأطفال المُميِّزين أو بعض حالات الجنون الذين يدركون جزئيات معينة.

علاوة على ذلك، يغدو نفي أي قدر من الاختيار أمراً عسيراً، لا سيما عند ملاحظة الأفعال المدبّرة التي تتجاوز مجرد الغريزة لدى كائنات مثل النمل أو النحل. وعليه، لا يوجد محظور عقلي يمنع حشر الحيوانات.

الأدلة الراسخة على الحشر

أولاً: الدليل العقلي (العدل والإحسان)

انطلاقاً من الملاحظة بأن بعض الحيوانات تمارس الظلم على قرينها، بينما يظهر البعض الآخر قدراً من الإحسان، وبما أن الكمال الإلهي يقتضي تحقق العدل المطلق، فإن هذا العدل يستوجب وجود الحشر للحيوانات لإقامة القسط فيما بينها.

ثانياً: الدليل النقلي من الذِكر الحكيم (القرآن الكريم)

تؤكد الآيات القرآنية بوضوح تام على مسألة الحشر:

  1. سورة الأنعام، الآية 38: التي تساوي بين الحيوانات والبشر في مفهوم الأممية، ثم تختتم بالإشارة إلى مصيرها:

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. (تُحشر إلى ربها)

  1. سورة التكوير، الآية 5: التي تصف جزءاً من أهوال يوم القيامة:

﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. (وهنا دلالة مباشرة على جمعها وحشرها)

ثالثاً: الدليل النقلي من السُنّة الشريفة (الروايات)

وردت أحاديث متعددة تبيّن رستاخيز (بعث) الحيوانات وقضاء الله بينها:

  1. حديث أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه):

نُقل عنه قوله: كنا في حضرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فتناطحت شاتان أمامه. فقال النبي: “أتعلمون لِمَ تناطحتا؟” أجاب الحاضرون بالنفي. فقال نبي الرحمة: “ولكن الله يعلم، وسيقضي بينهما قريباً.”

  1. الحديث النبوي الشريف (المروي من طرق أهل السنة):

«إِنَّ اللَّهَ يَحْشُرُ هَذِهِ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَقْتَصُّ مِنْ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ حَتَّى يُقْتَصَّ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ»

(ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى سيبعث جميع هذه الدواب يوم القيامة، وينفذ القصاص بينها، حتى يُقتص للشاة الجماء (التي ليس لها قرون) ممن نطحتها بقرونها ظلماً).


المصدر: “مركز الإجابات في أصفهان”، التابعة لمكتب التبليغات الإسلامية في أصفهان.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

سورة الحشر، آية 18، صفحة 584 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . لماذا تكررت واتقوا الله في نفس الآية؟
السؤال: لماذا خلق الله إبليس؟
السؤال: لماذا خلقني الله؟ أنا لم أُرِد أن أُخلَق فلماذا أوجدني؟ ألكي أُذنب في النهاية ثم أُلقى في جهنّم؟
ما هي الخلفيات التي دعت الإمام الحسين عليه السلام للخروج؟
السؤال: في بعض الروايات أنّ الإمام الحجّة عليه السلام عند ظهوره «يقوم بدين جديد». فكيف يُتصوَّر أن يأتي بدين غير دين النبيّ صلّى الله عليه وآله؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل