السؤال: يقول صديقي إن الزهد يؤدّي إلى التخلّف الاجتماعي والاقتصادي؛ فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب:

يُقدَّم الإسلام بوصفه الدين الأكمل؛ لأن تعاليمه شاملة، ومصمَّمة على نحو يضمن سعادة الإنسان الدنيوية والأخروية، ويبيّن الطريق الصحيح للتقدّم المادي والروحي معًا. والزهد من أسمى الفضائل الأخلاقية التي أوصى بها الدين، غير أن هذه التوصية لا تعني التخلي عن الحياة أو التراجع عنها، بل تعني تغيير النظرة إلى الدنيا والمادّيات.

لقد فُسِّرت الرهبانية بأنها: «ترك الناس والمجتمع، والعيش الانفرادي في مكان منعزل، والابتعاد عن الشؤون الجنسية حتى المباحة، وترك أكل اللحم واستعمال الطيب، وهو مفهوم استُخدم غالبًا في وصف الزهّاد المسيحيين» (1). ومن البدع الخاطئة التي ظهرت في الرهبانية المسيحية: «تحريم الزواج على الرجال والنساء من تاركي الدنيا، وكذلك العزلة الاجتماعية، والتخلّي عن الواجبات الإنسانية في المجتمع، واختيار الأديرة والصوامع النائية للعبادة والعيش بعيدًا عن الناس» (2).
أما من منظور الإسلام، فإن الرهبانية والانقطاع عن الدنيا ومواهبها مذمومة بشدّة.

النظرة الصحيحة إلى الدنيا

«طُرحت بشأن الدنيا رؤيتان:

1. أن عالم الدنيا بذاته عالم شرّ وفساد وخراب.

2. أن الدنيا في ذاتها حسنة، ولكن التعلّق بها مذموم.

وفق الرأي الأول، فإن من ينظر إلى الدنيا والوجود نظرة تشاؤمية مطلقة، ويعدّ الحياة والوجود شرًّا، لا يملك سبيلًا لسعادة الإنسان وإنقاذه من الشقاء إلا العبثية أو الانتحار.
أما أصحاب الرأي الثاني، الذين قالوا إن الدنيا ليست سيئة، وإنما السيئ هو التعلّق بها، فيرون أن الحلّ لا يكمن في الاستسلام، بل في محاربة هذه التعلّقات واقتلاع جذورها، وعندها يتحرّر الإنسان من قبضة الشرور ويبلغ السعادة.
غير أن هذين الرأيين كلاهما خاطئ.

أولًا: إن التشاؤم من الخلق والوجود يتعارض أساسًا مع التوحيد؛ فالدين الذي يقوم على الإيمان بإله واحد رحمن رحيم عليم حكيم، لا يترك مجالًا لمثل هذه الأفكار.

ثانيًا: هل التعلّق بالدنيا مذموم؟ هذا التفسير شائع، لكنه غير خالٍ من الإشكال، ولا ينسجم مع القرآن. فهل المحبة التي يكنّها الإنسان للأمور الدنيوية ـ مثل حب الوالدين للأبناء، وحب الأبناء لوالديهم ـ محبة فطرية طبيعية أم مصطنعة ناتجة عن سوء التربية؟

لا شك أن هذه المحبّات فطرية وطبيعية، فكيف يمكن أن تكون مذمومة، ويُطلب من الإنسان إزالتها من نفسه؟ وكما لا يمكن اعتبار أيٍّ من الموجودات الخارجية شرًّا، كذلك لا يمكن القول إن في قوى الإنسان وغرائزه وميوله ورغباته الفطرية ما هو بلا حكمة أو بلا غاية. فجميع هذه الميول لها حكم عظيمة؛ فمحبة الأولاد، ومحبة الوالدين، ومحبة الزوجة، ومحبة المال والثروة، والرغبة في التقدّم، وحب الاحترام والمكانة الاجتماعية، كلها تحمل حكمًا كبرى، وبدونها ينهار أساس الحياة الإنسانية» (3).

الزهد

في علم الأخلاق، يُعرَّف الزهد بأنه عدم التعلّق القلبي بالدنيا، مع تحمّل المسؤولية والسعي لتحقيق الأهداف المادية والمعنوية معًا. فالاقتصاد جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان، ولا يمكن للإنسان بطبيعته أن يسعى إلى كماله الروحي من دون تلبية حاجاته المادية.

ويقوم الإسلام على مبدأ الاعتدال؛ ولذلك فإن كل توجيه يقدّمه، وكل أمر يوصي به، يضع له موقعه الأمثل في الوسط والاعتدال. والاقتصاد والسعي لتأمين شؤون الحياة ليسا استثناءً من هذه القاعدة. فالإسلام يشجّع على النشاط الاقتصادي، ثم يقوم بتعديله عبر توصيات أخلاقية مثل الزهد، والتوفير، والقناعة، والإحسان، وغيرها.

وفي حديث معتبر عن الإمام الصادق عليه السلام:
«كان سلمان إذا أخذ عطاؤه من بيت المال، اقتطع منه قوت سنته، واحتفظ به إلى أن يحين عطاؤه في السنة التالية. فقيل له: يا أبا عبد الله، تفعل هذا وأنت زاهد، ولا تدري لعلك تموت اليوم أو غدًا؟ فقال في جوابه: ولماذا لا ترجون لي البقاء كما تخافون عليّ الفناء؟ أما علمتم ـ يا جهلة ـ أن النفس إذا لم تطمئن إلى وجود ما تعتمد عليه في معاشها، اضطربت وقلقت، فإذا أمّنت معيشتها اطمأنت…» (4).

إن الزهد في الإسلام موصى به، لكنه لا يعني أبدًا الانسحاب من المجتمع أو الانعزال عنه. فالزهد الذي يؤدّي إلى الابتعاد عن الناس، أو إنكار الواجبات الاجتماعية، أو إضعاف التعليم والإنتاج، زهد غير مقبول شرعًا، بل هو مذموم.
وقد أقرّ القرآن الكريم الانتفاع بالدنيا، فقال تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (5).

«أحيانًا يُتَّخذ الزهد ذريعة للانقطاع عن الدنيا على نحو يُشوَّه فيه حتى طلب الرزق الحلال لتلبية الحاجات الواجبة، ويُسمّى ذلك طلبًا للدنيا؛ في حين أن الإسلام أكّد بشدّة على العمل والكسب والسعي لتحصيل الرزق الحلال» (6).

الإسلام ليس دينًا أحاديّ البعد؛ بل الإنسان فيه مكلّف تجاه نفسه، وربه، والعالم، والمجتمع. وجميع التوصيات الدينية صيغت في إطار أداء هذه المسؤوليات؛ وعليه، فإن أي توصية بالقناعة أو الزهد لا يمكن أن تتعارض مع تحمّل المسؤولية، وإلا كانت توصية ناقصة. فالزهد الذي يُبعد الإنسان عن واجباته الاجتماعية والاقتصادية يتنافى مع الرؤية المتعدّدة الأبعاد للدين.
وفي رواية موثوقة عن الإمام الكاظم عليه السلام:
«من طلب الرزق من حِلّه لينفقه على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله» (7).

إن تعزيز رأس المال الاجتماعي أصلٌ معتبر في الإسلام؛ ولذلك فإن كل توجيه يعرّض هذا الرصيد للخطر غير مقبول دينيًا. ومن هنا، عُدَّ الزهد الذي يقود إلى العزلة والانكفاء مذمومًا. فالرياضة القاسية والانزواء مرفوضان دينيًا؛ لأنهما يعيقان العدالة الاجتماعية، ويضيّعان حقوق الأسرة، ويُضعفان الدور الاقتصادي. كما أن الابتعاد عن الاقتصاد والمجتمع قد يفضي إلى القلق والاكتئاب، في حين أن التوصيات الدينية تهدف إلى بناء مجتمع سليم، لا مجتمع يعاني من الاضطرابات.

التوصيات المادية

من تعاليم الإسلام ما يدعو صراحة إلى الانتفاع بالمادّيات، ومنها:

أولًا: التوصية بسعة المسكن:
«سعة المنزل من أسباب السعادة» (8).

ثانيًا: التوصية بامتلاك وسيلة ركوب:
«من سعادة المؤمن أن تكون له دابة يركبها في حوائجه، ويقضي عليها حقوق إخوانه» (9).

وقد ورد في تحليل هذه الروايات:
«إن الروايات الواردة في سعة المسكن وامتلاك المركب روايات معتبرة، وتكمن عللها في أمور، منها: أن الضيق والمشقة في الحاجات اليومية تصرف الإنسان عن شؤونه الأساسية والأخروية. فإذا كان ضيق المسكن أو فقدان وسيلة النقل يعوق أداء الواجبات، وكان بالإمكان تأمينهما، فإن العقل لا يمنع من ذلك. على أن لا يكون هناك تعلّق قلبي، ولا إسراف، ولا تجاوز للحدّ المعقول.
كما أن الأخلاق في الإسلام ليست أحادية؛ فكما أن الزهد مطلوب، فإن صلة الرحم مطلوبة، وإقامة مجالس الذكر والدعاء مطلوبة، وإكرام الضيف مطلوب أيضًا. وبناءً على ذلك، قد يكون المسكن الواسع نعمة يُنال بها الثواب الأخروي» (10).

النتيجة:

إن الزهد ـ أي عدم التعلّق القلبي بالمال والثروة والشهرة وغيرها ـ من أهم الوصايا الأخلاقية في الإسلام. غير أن مقصود الإسلام من الزهد ليس الانسحاب من المجتمع أو السياسة أو الاقتصاد. بل إن المشاركة الجماعية، والانخراط في النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ما دامت منسجمة مع تعاليم الدين، موصى بها.

فالزهد الذي يضعف دافعية العمل، والتعليم، والاستثمار، والإنتاج، وأداء الواجبات الاجتماعية، هو زهد معيق للنمو؛ بينما يؤكد الإسلام على النمو الفردي والاجتماعي.

بل إن تشريع الزهد إنما جاء لمنع الإنسان من الخضوع للمادّيات؛ وهذا التحرر يقلل من الفساد في المجتمع، ومع انخفاض الفساد الاقتصادي، يسلك المجتمع طريق التقدّم.

وعليه، فالزهد ليس ضد الاقتصاد والمجتمع، بل هو وسيلة لدعمهما. فالزهد يزيل العوائق النفسية أمام الإنفاق، والإنفاق بدوره يحيي المجتمع؛ ومن هنا فإن الزهد طريق لتجديد حياة المجتمع، لا عائقًا أمام الاقتصاد والاجتماع.

الحواشي

(1) الرُّهْبانُ جمعُ راهب، وهو الذي يظهر عليه لباس الخشية، وقد كثر استعمال الراهب في متنسكي النصارى. والرهبانية: ترهّبهم في الجبال والصوامع وانفرادهم عن الجماعة للعبادة، ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الراهب، وهو الخائف».
فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، طهران: انتشارات مرتضوي، د.ت، ج 2، ص 75.

(2) علي أنصاريان‌پور، وسيد عباس ديانت‌مقدم، تحليل الأسئلة الأخلاقية عن المعصومين (ع) بالمنهج الاجتهادي (الدفتر الأول)، حوزة قم العلمية، مشهد: مكتب الدعاية الإسلامية – فرع خراسان الرضوية، المركز الوطني للإجابة عن الأسئلة الدينية، ص 166.

(3) المصدر نفسه، ص 167–168.

(4) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي، الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 5، ص 68.

(5) القرآن الكريم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ سورة القصص: الآية 77.

(6) علي أنصاريان‌پور، وسيد عباس ديانت‌مقدم، تحليل الأسئلة الأخلاقية عن المعصومين (ع) بالمنهج الاجتهادي (الدفتر الأول)، ص 169.

(7) محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، تصحيح وتحقيق: عبد الرحيم رباني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت، ج 13، ص 80.

(8) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 6، ص 525.

(9) المصدر نفسه، ج 6، ص 536.

(10) علي أنصاريان‌پور، وسيد عباس ديانت‌مقدم، تحليل الأسئلة الأخلاقية عن المعصومين (ع) بالمنهج الاجتهادي (الدفتر الأول)، ص 171.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: ما هي الأدلّة النّقليّة (قرآن ورواية) على انتفاع الأموات بعمل الأحياء، مع اعتقادي بعدم وجود مانع عقليّ لتوصيل النّفع من الحيّ للميّت، وهل يمكن لأيّ إنسان أن يستأجر إنساناً آخر للقيام بعبادات من أجل الميّت أم لا بدّ من كون الحيّ إبناً للميّت؟
السؤال/ هل صحيح ان جبرائيل عليه السلام قال في يوم معركة أحد لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار؟
هل هذه الرواية صحيحة:سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن تأويل " لا حول ولا قوة إلا بالله "هل هذه الرواية صحيحة:فأجاب بالتالي: " لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بعونه "؟هل هذه الرواية صحيحة:سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن تأويل " لا حول ولا قوة إلا بالله "هل هذه الرواية صحيحة:
لماذا استجاب الحسين (ع) لأهل الكوفة وأرسل إليهم سفيره مسلمَ بن عقيل مع علمه بحالهم ومع نصح بعض أصحابه له بعدم التوجُّه إلى هناك؟
السٶال/ سورة يوسف، آية 83، صفحة 245 (( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )) ....

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل