الجواب: يُعَدّ العدلُ في المدرسةِ الاثني عشريّة من أُصولِ الدين لما له من دورٍ حاسمٍ في فَهم أفعالِ الله تعالى، وفي تحديد معالمِ الرؤية الشيعيّة التي تميّزها عن الاتجاهات الكلاميّة التي أنكرت قدرةَ العقل على الحكم في أفعال الله أو على الموازنة بين العدل والظلم فيها.
وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، فإنّ العدلَ في نظر الإماميّة الاثني عشريّة ليس مجرّد صفةٍ خُلُقيّةٍ من صفات الله تعالى أو فرعٍ من فروع صفاته، بل هو ركيزةٌ أساسيّة لفهم التوحيد والمعاد والنبوّة ومسؤوليّة الإنسان فهماً صحيحاً.
صحيحٌ أنّ العدل يُدرَج ـ من الناحية العلميّة ـ ضمن ما يُسمّى بـ«صفاتِ الفعل»، غير أنّ خصوصيّتَه وموقعَه المتميِّز جعلا منه مبحثاً مستقلّاً في الأصول العقديّة للمدرسة الإماميّة.
وترجعُ جذورُ هذا التمييز إلى خلافٍ عميقٍ في تاريخ الفكر الإسلامي؛ فمنذ القرنَين الأوّل والثاني للهجرة، نشأ بين المتكلّمين نزاعٌ جوهريّ حول أفعال الله تعالى.
ففريقٌ عُرِف لاحقاً بـ«الأشاعرة» ذهب إلى أنّ أفعالَ الله لا تُقاس بمقاييس العقل ولا تُوزَن بمفاهيم كالعدل والظلم؛ إذ بحسب رأيهم، كلُّ ما يفعله الله هو عينُ العدل، وإن بدا في ظاهره مناقضاً للعقل أو للوجدان الإنساني.
وبناءً على هذا التصوّر، يجوز عندهم أن يُعاقِبَ اللهُ المحسنَ، أو أن يُثيبَ المسيءَ، إذ لا سُلطانَ للعقل البشريّ في هذا الباب ولا قدرةَ له على الحكم والتمييز.
وفي المقابل، رأت الإماميّة والمعتزلة ـ الذين وُصِفوا معاً بـ«العدليّة» ـ أنّ اللهَ تعالى حكيمٌ عادل، وأنّ صدورَ القبيح أو الظلم أو الفعل الخالي من الحكمة عنه مُحال.
وذهبوا إلى أنّ للعقل الإنسانيّ قدرةً على إدراك حُسنِ الأفعال وقُبْحِها في حدود مجاله، لا على وجه الحُكم على الله، بل من باب أنّ الذّاتَ الإلهيّة الكاملة تأبى أن تقترنَ بالظلم والقبح.
وعلى هذا الأساس، فإنّ معاقبة الأبرياء، أو تكليفَ الإنسان بما لا يُطاق، أو إخلافَ الله وعدَه ـ كلُّها أمورٌ تتنافى مع عدله وحكمته سبحانه.
وهذا الاختلافُ الجوهريّ جعل من العدل حدّاً فاصلًا بين المذهبين، فغدا من أبرز المعالِم العقَديّة التي تميّزت بها الإماميّة عن الأشاعرة، وللحفاظ على هذا التمايُز ودرء الالتباس، جُعل العدلُ أصلاً مستقلّاً من أُصول مذهب الشيعة، إلى جانب الإمامة التي تمثّل المِيزانَ الآخر في البناء العقديّ لهذا المذهب.
من جهةٍ أُخرى، فإنّ كثيراً من صفات الفعل الإلهيّ ترجعُ في حقيقتها إلى العدل وتندرج في معناه العام؛ فالحكمةُ، والرحمةُ، والرَّزّاقيّة، والحاكميّة الإلهيّة ـ كلُّها تجلّياتٌ لمفهوم العدل بمعناه الأشمل: أي وضعُ كلّ شيءٍ في موضعه اللائق به.
بل إنّ الإيمان بالمعاد وبأنّ الله هو مالك يوم الدين يرتكز في أصله على العدل الإلهيّ؛ إذ لا معنى للثواب والعقاب الأخرويَّين إن نُفيَ العدلُ من دائرة الصفات الإلهيّة.
ثمّ إنّ العدل ليس مبدأً نظريّاً فحسب، بل هو ذو آثارٍ واسعةٍ في السلوك الفرديّ والنظام الاجتماعيّ؛ فالإيمانُ بعدل الله يبعثُ الإنسانَ على التحلّي بالعدالة، وتحمُّل المسؤوليّة، ورفضِ الظلم، والإقرارِ بالاختيار والمساءلة.
وبذلك يغدو العدلُ جِسراً بين العقيدة والأخلاق والمجتمع، لا مجرّدَ مسألةٍ كلاميّةٍ صرفة.
وأخيراً، ينبغي التنبيه إلى أنّ أُصول الدين في الإسلام ـ بمعناه العام ـ ثلاثة: التوحيدُ والنبوّةُ والمعادُ؛ غير أنّ مَدرسةَ الإماميّة أضافت العدلَ والإمامةَ إلى هذه الأصول لما لهما من أثرٍ حاسمٍ في تمييز العقيدة وتشكيل الهويّة الفكريّة والاجتماعيّة للمذهب.
ومن ثمّ، فإنّ التشديد على العدل ليس إضافةً عَرَضيّةً أو زيادةً بغير مسوّغ، بل هو استجابةٌ عقلانيّةٌ وتاريخيّة لإحدى أعمق المسائل المتعلّقة بالله تعالى وبأفعاله.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل