الحوزة — لا يمكن تناول مرسوم نزع الحجاب الذي صدر في عهد رضا شاه يوم 17 دي 1314هـ ش (7 كانون الثاني/يناير 1936م) بوصفه إجراءً إداريًا عابرًا أو خطوةً تحديثيةً معزولة، بل هو حلقةٌ متكاملة في سلسلة مشروعٍ غربي طويل الأمد استهدف البنية الدينية والهوية الثقافية للمجتمع الإيراني، وفي مقدّمها موقع المرأة المسلمة. وقد جرى الإعداد لهذا المرسوم في إطار مؤامرةٍ بريطانية سابقة التخطيط، حذّر منها المرجع الشهيد الشيخ فضل الله النوري قبل عقود، وكشف مبكّرًا عن مسارها وغاياتها النهائية.
ومن هنا، فإنّ السياسة التي انتهجها رضا شاه في هذا المضمار لم تكن سوى سياسةٍ معاديةٍ للدين في جوهرها واتجاهها، الأمر الذي واجهه العلماء والمرجعيات الدينية برفضٍ واضح ومقاومةٍ صريحة، كان من أبرز تجلّياتها القيام الدموي في مسجد گوهرشاد (في مشهد) بقيادة المرجع المجاهد آية الله الحاج آقا حسين الطباطبائي القمي، وهو القيام الذي تحوّل -منذ ذلك الحين- إلى رمزٍ تاريخي للمواجهة بين الهوية الإسلامية الأصيلة ومشاريع التغريب القسري وفرض السفور وانتهاك القيم الأخلاقية العامة.
وبحسب ما أفادت به وكالة أنباء الحوزة، فإنّ يوم 17 دي 1314هـ ش (1936م) شكّل محطةً سوداء في تاريخ إيران المعاصر؛ إذ شهد التنفيذ العلني لمرسوم نزع الحجاب، ضمن مخطّطٍ غربي مرسومٍ سلفًا، لم يكن يستهدف الحجاب بوصفه لباسًا فحسب، بل بوصفه رمزًا دينيًا وحضاريًا له دلالته في حفظ العفّة والبنية الأسرية والاستقرار الاجتماعي¹.
من فاجعة گوهرشاد إلى الإعلان الرسمي لفرض السفور
وقبل هذا الإعلان الرسمي، كانت البلاد قد شهدت واحدةً من أبشع الجرائم بحقّ المتديّنين، وذلك في فاجعة مسجد گوهرشاد، التي وقعت يوم 21 تير 1314هـ ش (12 تموز/يوليو 1935م) داخل الحرم الرضوي الشريف. ولم تكن تلك الفاجعة حدثًا منفصلًا، بل مقدّمةً مباشرة لفرض السفور على نطاق الدولة. وبعد نحو ستة أشهر من تلك المجزرة، أقدم رضا خان—في تجاهلٍ تام لمعارضة العلماء وغضب الجماهير—على إعلان قانون نزع حجاب النساء بصورةٍ علنية ورسمية.
وقد جرى هذا الإعلان في 17 دي 1314هـ ش (7 كانون الثاني/يناير 1936م) خلال حفل تخرّج «دار المعلّمات التمهيدية» للبنات في طهران، حيث حضر رضا شاه بنفسه إلى المنصّة برفقة زوجته وبناته وهنّ سافرات، في خطوةٍ مدروسة استُخدمت بوصفها أداةً رمزية لفرض النموذج الغربي بالقوّة، ثم ألقى خطابًا كرّس فيه هذا التوجّه وأعلنه سياسةً إلزامية على المجتمع الإيراني بأسره.
التحذير المبكّر: قراءة الشيخ فضل الله النوري لمسار المشروطة
وإذا ما عُدنا إلى الجذور الفكرية والسياسية لهذا المسار، وجدنا أنّ الشهيد المرجع الشيخ فضل الله النوري كان من أوائل من التفتوا إلى الارتباط العضوي بين المشروطة الغربية وبين المشاريع اللاحقة التي استهدفت الدين والمرأة والأسرة. وقد نقل المرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت (رحمه الله) عن الشيخ النوري قوله إنّ المشروطة ليست سوى مقدّمة تمهيدية لنزع الحجاب، وإنّ نزع الحجاب يُعدّ من لوازمها الحتمية.
وكان الشيخ يرى أنّ الخطر لا يكمن في الشعارات البرّاقة التي رافقت المشروطة، بل في مصادرها الفكرية والسياسية؛ إذ كانت -بحسب تشخيصه الدقيق- مستندة إلى قوى غير مبالية بالدين، بل معادية له في حقيقتها، وفي مقدّمها السفارة البريطانية التي أدّت دور العقل المدبّر والداعم الأساسي لهذا المشروع. ولم يكن موقف الشيخ مبنيًا على الظن أو التخمين، بل على قراءة واعية لمسار الأحداث، وقد أثبتت الوقائع اللاحقة صحّة هذا التحليل².
لقد كان الشيخ فضل الله النوري -بحق- ممّن «رأوا في اللبن ما لم يره الآخرون في المرآة»؛ إذ إنّ كثيرًا ممّن استهانوا بتحذيراته في بدايات المشروطة، لم ينتبهوا إلى خطورة المسار إلا بعد أن تجلّت نتائجه القاسية في عهد رضا شاه، ولا سيّما عند تنفيذ مرسوم نزع الحجاب بالقوّة.
اعتصام عبد العظيم: الإنذار الأخير
وفي سياق مقاومته لهذا المسار، خاض الشيخ فضل الله النوري اعتصامًا تاريخيًا دام واحدًا وتسعين يومًا، ابتداءً من 11 جمادى الأولى 1325هـ ق (1907م)، في حرم عبد العظيم الحسني (في طهران). وقد شكّل هذا الاعتصام إنذارًا أخيرًا وصرخةً مدوّية في وجه التيار الدستوري الغربي المرتبط بالسياسات البريطانية، الذي كان يتقدّم بخطواتٍ متسارعة نحو تقويض الأسس الدينية للمجتمع.
وخلال هذا الاعتصام، وجّه الشيخ رسالةً تحذيرية مكتوبة إلى علماء إيران والعراق، بيّن فيها، بلغةٍ صريحة وواضحة، العواقب المتوقّعة للمشروطة إذا ما استمرّ مسارها على ما هو عليه، وتوقّع أن يؤدّي ذلك إلى:
- إضعاف الإسلام وإقصاء دوره الاجتماعي والسياسي،
- تهميش موقع العلماء،
- شيوع التفلّت الأخلاقي والمنكرات والمسكرات،
- فرض نزع الحجاب على النساء،
- وإقصاء القرآن عن الحياة العامة والتشريع.
والسؤال الذي يفرض نفسه -بعد عقود من تلك الرسالة- ليس: هل بالغ الشيخ في تحذيره؟ بل: هل تخلّف شيءٌ ممّا أنذر به عن التحقّق؟
تحقّق التحذير وسكوت النخب
لقد شهد كثير من كبار العلماء الذين تلقّوا تلك الرسالة تحقّق هذه التنبّهات في مراحل لاحقة، سواء في زمن المشروطة أو في عهد رضا شاه. ومنهم: الآخوند الخراساني ونجله، الميرزا النائيني، الحاج آقا نور الله الأصفهاني، السيد محمد الطباطبائي ونجله، السيد عبد الله البهبهاني ونجله. ومع ذلك، فإنّ التحركات التي جرت لم تكن -للأسف- بمستوى حجم الخطر الذي أخذ يتهدّد الدين والمجتمع، ولم تُسجَّل مراجعةٌ جماعية شاملة تعيد تصحيح المسار قبل أن تتجذّر نتائجه.
وفي المقابل، شنّ التيار الغربي والعناصر المتغرّبة حملة تشويهٍ منظّمة ضدّ المرجع البصير الشهيد الشيخ فضل الله النوري، فنسبوا إليه معارضة تعليم المرأة وإنشاء مدارس البنات، في حين أنّ الوقائع التاريخية تُظهر خلاف ذلك تمامًا.
الردّ العملي: تعليم البنات ضمن الإطار الإسلامي
فالشيخ فضل الله النوري لم يكن مجرّد ناقدٍ للمشروع الغربي، بل كان صاحب رؤيةٍ بديلة واضحة؛ إذ شخّص الهدف الحقيقي للقوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، في نشر الفساد والفحشاء داخل المجتمع الشيعي عبر نزع الحجاب واستغلال التعليم الحديث بوصفه أداةً لاختراق القيم الدينية.
ومن هنا، كان من المبادِرين إلى التأسيس الأوّلي للمدارس الحديثة للبنات في طهران، ولكن ضمن إطارٍ إسلاميٍّ ملتزم، يحفظ العفّة ويصون العقيدة، ويرفض النموذج الغربي المفروض، وهو ما يكشف زيف الاتهامات التي وُجّهت إليه لاحقًا³.
من مدرسة النوري إلى قيادة القمي لانتفاضة گوهرشاد
ولم تتوقّف آثار مدرسة الشيخ النوري عند جيله، بل امتدّت إلى تلامذته، وفي مقدّمهم المرجع المجاهد آية الله الحاج آقا حسين الطباطبائي القمي (رحمه الله)، الذي تصدّى بشكلٍ صريح لسياسة فرض السفور في عهد رضا شاه. وقد بلغ هذا التصدي ذروته في انتفاضة مسجد گوهرشاد التي وقعت يوم 21 تير 1314هـ ش (12 تموز/يوليو 1935م)، وأسفرت عن قيامٍ دمويٍّ داخل الحرم الرضوي الشريف، خلّد موقف العلماء في الوعي الديني والشعبي.
وقد أدّى هذا الموقف الجريء إلى نفي الحاج آقا حسين القمي إلى العراق بأمرٍ من رضا شاه، حيث واصل حياته العلمية والجهادية إلى أن وافته المنيّة في 14 ربيع الأول 1366هـ ق (3 شباط/فبراير 1947م) في النجف الأشرف، ودُفن في جوار أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
المرجعية والقيادة الميدانية للمواجهة
وفي ذاكرة ذلك العصر، اقترن اسم المرجع المجاهد آية الله العظمى الحاج آقا حسين القمي باسم الخطيب الثوري الشيخ محمد تقي بهلول في سياق انتفاضة مسجد گوهرشاد. غير أنّ الثابت تاريخيًا أنّ القيادة المرجعية للحركة كانت بيد الحاج آقا حسين القمي، بوصفه مرجع تقليدٍ تُتّبع كلمته، وكان الآخرون يتحرّكون في ضوء موقفه ودعمه.
وفي مطلع شهر ربيع الثاني 1354هـ ق (1935م)، غادر مشهد متوجّهًا إلى طهران، واعتصم في «باغ سراج الملك» بمدينة ري (طهران)، رافعًا سقف المواجهة إلى أقصى حدّ. وكان يقول بوضوحٍ لا لبس فيه:
«إذا كان منع نزع الحجاب متوقّفًا على مقتل عشرة آلاف شخص، وفي مقدّمتهم حاج آقا حسين القمي -أي أنا- فإنّ ذلك جائز ومعتبر».
وقد أدّى انتشار خبر دخوله طهران إلى توافد الناس عليه في مواكب واسعة، ما أثار فزع نظام رضا شاه، فسارع إلى محاصرة البستان بالقوّات العسكرية ومنع العلماء والجماهير من الوصول إليه، ليُحوَّل الاعتصام عمليًا إلى احتجازٍ قسريٍّ غير معلن.
وفي إحدى كلماته التي تختصر روحه الجهادية، قال:
«إنّ الإسلام اليوم بحاجة إلى فدائيين؛ وكما ضحّى أستاذي الشيخ فضل الله بنفسه، فعلى الناس أن ينهضوا».
الحواشي والمراجع
- مركز وثائق الثورة الإسلامية، تقارير مرسوم نزع الحجاب، وكالة أنباء الحوزة.
- الشيخ محمد تقي بهجت، في محضر بهجت، ص 59.
- يعقوب توكلي، نقلًا عن: مونيكا رينغر، الدين وخطاب الإصلاح الثقافي في العصر القاجاري.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

