لماذا لا تفوت صلاة الليل بعض الناس أبدًا؟

بحسب روايات المعصومين (عليهم السلام)، فإنّ صلاة الليل ليست فقط نور القبر وتاج يوم القيامة، بل هي شرط حقيقي لاتباع أهل البيت (ع)، وسلاح فعّال في مواجهة الشيطان، إلى الحدّ الذي يُعدّ فيه تركها علامة على وقوع الإنسان في أسر ذنوبه.

قال الميرزا ملكي تبريزي قدس سره: ومن النوافل المؤكدّة صلاة اللّيل، وما أدراك ما صلاة الليل، وهي نور من الظلمة وأنس من الوحشة وخلة من الكثرة.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنها مرضاة الرب وحب الملائكة وسنة الأنبياء ونور المعرفة وأصل الإيمان وراحة الأبدان

وصلاة الليل سلاح في مواجهة الأعداء، وسبب لقبول الدعاء والأعمال، ومصدر للبركة في الرزق، وواسطة بين المصلّي وملكوت الله.

وهي نور في القبر، وفراش إلى جوار صاحبها، وجواب لسؤال نكير ومنكر، ومؤنس زائر في القبر إلى يوم القيامة.

وإذا كان يوم القيامة كان ظلًا فوقه وتاجًا على رأسه، ولباسا على بدنه، ونورا يسعى بين يديه، وحجّة بينه وبين الله تعالى، وثقلا في الميزان، وجوازا على الصراط، ومفتاحًا للجنة (1).
كما أنّ البيوت التي تُقام فيها صلاة الليل ويُتلى فيها القرآن، تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.

وقد وردت روايات كثيرة في فضل صلاة الليل، إلى جانب الآيات القرآنية التي تحثّ عليها. ولو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لكانت كافية في بيان عظمتها، حيث يقول الله تعالى مخاطبًا نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (2).
ويكفي صلاة الليل شرفًا أنّ جزاءها هو «المقام المحمود» (3).
ولذلك كان لقيام الليل أثر بالغ في بناء الإنسان روحيًا، ومن هنا جاءت الروايات تذمّ من يتركها أو يستخفّ بها.

فالشيعي الحقيقي لأهل البيت (ع) جدير بأن يلتزم بهذا البرنامج الروحي. وقد رُوي عن الإمام الصادق (ع): من لم يُصلِّ صلاة الليل فليس منّا.

وفي رواية أخرى عنه (ع): أبغض الخلق إلى الله جيفة بالليل بطّال بالنهار (4).
فمن ينام الليل كله دون أن يخصّص وقتًا للعبادة والخلوة مع الله، يسلّط الشيطان عليه.

وأحيانًا تكون أعمال النهار سببًا في سلب توفيق صلاة الليل. فقد شكا رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلًا: «نمتُ ليلة البارحة فلم أستيقظ لصلاة الليل». فقال له الإمام: ذنوبك قيّدتك. (5)

وأهل القلوب اليقِظة لا يُتصوَّر منهم الغفلة عن صلاة الليل؛ إذ إنّ أهل الدنيا لو دُعوا إلى لقاء خاص مع ملكهم في منتصف الليل، لما ناموا أصلًا، بل لبقوا ساهرين شوقًا وترقّبًا. ولو تيقّنتَ أنّ أحدًا سيأتيك في جوف الليل ليعطيك مالًا وفيرًا، لما غمض لك جفن خوفًا من فوات الفرصة. فكيف يُستهان بلقاء ملك الملوك؟!

ومع ذلك، فإنّ المحرومين من هذا الفيض أقسام:

  • منهم من يقضي أول الليل في الأحاديث الفارغة، والسهرات، وأحيانًا الغيبة والكلام المحرّم، فلا يُوفّق للاستيقاظ.
  • ومنهم من يُفرط في الأكل والشرب، ثم ينام في فراش وثير ومكان مريح، ومن الطبيعي ألّا يستيقظ حتى لصلاة الفجر، فضلًا عن صلاة الليل. فالإفراط في الطعام يُثقل البدن، ويُكثّر النوم، ويجعل الاستيقاظ عسيرًا، ولا يُعذر صاحبه.
  • وهناك من يُحرَم من طريق آخر، حيث يأتيه الشيطان من باب «العلم»، فيُوهمه أنّ الدراسة أفضل من العبادة، فيقضي الليل كله في المطالعة، حتى تفوته صلاة الفجر، بزعم أنّ دراسته عبادة! وهذا من الغرور؛ فالعلم وإن كان من أفضل العبادات، إلا أنّ له شروطًا صعبة، منها: أن يكون علمًا نافعًا، وبطريقة مشروعة، وبنية خالصة لله، وهذه الشروط نادرة التحقق.

وأهل التقوى يعلمون أنّ تصحيح النية في طلب العلم نفسه ثمرة لصلاة الليل والابتهال في السَّحر. فقيام الليل له أثر عظيم في تنقية الدوافع.

وقد قال لي أستاذي في المعارف الحقة: لم يبلغ أحد من طالبي الآخرة مراتب عليا إلا في ظلّ التهجد والمناجاة. وقد ورد في الحديث: من لم يُصلِّ صلاة الليل فليس منا، وهذا كافٍ لدفع تلك الوساوس.

والمؤمن يجد أنّ صلاة الليل أنفع في تقوية ملكته العلمية من كثرة المطالعة. وكان أساتذتنا يوصوننا: إذا تحيّرتم في مسألة علمية، فالجؤوا إلى الله وابكوا بين يديه. وقد جرّبنا ذلك ورأينا أثره.

فالعلم ليس بكثرة القراءة فقط، بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء. وصلاة الليل تُنير القلب وتُثبّت هذا النور. فهي ليست عائقًا أمام العلم، بل من أعظم أسبابه.

وقد عرفنا كثيرًا من طلاب العلم الذين كانت صلاة الليل سببًا في دقة فهمهم، وسداد آرائهم، بخلاف من وقعوا في الانحراف الفكري.

وعلى المؤمن أن يُخطّط للتهجّد منذ بداية اليوم، وأن يُهيّئ أسبابه: أن ينام نهارًا إن أمكن، وأن ينام مبكرًا، وأن يُعدّ مكان الصلاة، وكتاب الدعاء، وماء الوضوء، والسواك، والضوء… وأن يقرأ عند النوم آية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ…﴾ لما لها من أثر مجرَّب في الاستيقاظ.

فحال الإنسان في أول الليل يؤثر في توفيقه آخره. ومن أراد صلاة الليل، فعليه أن يراعي آداب النوم، لتكون راحته عونًا على السَّحر.

ومن أهم هذه الآداب: محاسبة النفس عند النوم؛ أن يراجع أعماله من الليلة السابقة إلى هذه الليلة، وأن يتذكر أن النوم أخو الموت، وأن الله يقبض الأرواح عند النوم، فإن لم يُرجعها فهو موت، وإن أعادها فهو فضل منه. فإذا استيقظ شكر الله على نعمة الحياة.

ومن آداب النوم كذلك:

  1. النوم على وضوء مع ذكر الله.
  2. قول «بسم الله» عند دخول الفراش.
  3. قراءة آية آمن الرسول، والتفكر في معانيها ونعمة شفاعة النبي ﷺ.
  4. قراءة آية الكرسي، وآية شهد الله (6)، والاستغفار.
  5. ذكر التسبيحات الأربع، والصلاة على النبي والأنبياء.
  6. النوم على الجنب الأيمن مستقبل القبلة، مع دوام الذكر حتى يغلبه النوم. فهذا النوم عبادة، وروحه في كنف الله، وهو خير من يقظة الغافلين.

ومن نام على هذه الحال، يرجى أن يناله الله بكرامات وبشارات في المنام. وأشهد أنّي أعرف أشخاصًا رأوا بعض الأئمة (ع) في المنام، وسألوهم عن معارف عالية فنالوا أجوبة أضاءت قلوبهم، أو رأوا أنفسهم على شفا مفارقة الروح للجسد فاستيقظوا فزعين، ثم شكروا الله على نعمة العودة، واغتنموا الحياة الجديدة للسعي نحو الحياة الأبدية.

فالحياة رأس مال، أعطاه الله للإنسان ليتاجر به، وأغلى ما يُشترى بها هو المعنويات. ومن وعى هذا، وجد في الأنس بالله أعظم لذّة، وفي المعرفة والمحبة الإلهية أسمى سعادة.


المصدر:
أسرار الصلاة – الميرزا جواد ملكي التبريزي
الهوامش:

  1. بحار الأنوار، ج 87، ص 161
  2. الإسراء (17): 79
  3. ورد في بعض الروايات أنّ «المقام المحمود» هو مقام الشفاعة
  4. بحار الأنوار، ج 13، ص 354
  5. بحار الأنوار، ج 87، ص 146
  6. آل عمران (3): 18

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل