السؤال: إذا كانت الأصنام مصنوعة من الحجر، فلماذا لا يُعتبر السجود باتجاه الكعبة شكلاً من أشكال عبادة الأصنام؟

الجواب: لطالما وقع بعض الناس في خلط بين اتجاه العبادة وموضوع العبادة، متسائلين: لماذا يُصبح حجر الكعبة قبلة، بينما يكون حجر الصنم مجرد معبود؟ الحقيقة أن الفارق جوهري: اتجاه العبادة وسيلة للتركيز على الله، وموضوع العبادة هو الذات المستحقة للعبادة، وهذان المفهومان مختلفان تمامًا.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الفرق بين السجود نحو الكعبة والسجود نحو صنم بسيط، لكن الجذر يكمن في فهم خاطئ لمعنى “السجود” و”القبلة”.

يتساءل البعض: ألم تكن الأصنام من حجر؟ والكعبة أيضًا من حجر؛ فما الفرق بيننا وبين عبّاد الأصنام؟

الإشكال هنا هو مزج مفهومين مختلفين:

  1. السجود لشيء: أي جعل ذلك الشيء هدفًا للعبادة.
  2. السجود باتجاه شيء: أي توجيه الجسد نحو مكان محدد دون أن يكون هو المعبود.

السجود في الثقافة الإسلامية هو قمة الخضوع والعبودية، ويختص بالله وحده. ولا يجوز لأي مسلم أن يسجد لأي مخلوق، لا للنبي، ولا للملائكة، ولا حتى للكعبة نفسها.


البُعدين الأساسيين للسجود

السجود فعل ذو بُعدين:

  • البُعد الداخلي: النية، القلب، واتجاه الروح نحو الله.
  • البُعد الخارجي: الجسد، طريقة الوقوف، والقبلة.

قلب الموحد متجه لله وحده، لكن الجسد يحتاج إلى اتجاه محدد لتنظيم العبادة وضمان الوحدة والتناسق بين المصلين.

الفرق الجوهري: هل السجود موجه للشيء نفسه أم مجرد وسيلة للتقرب إلى الله؟

  • عابد الصنم: يعتقد أن الصنم هو الإله، يسجد له، ويطلب حاجاته منه.
  • المسلم: يعلم أن الله وحده هو المعبود والرب، ويسجد طاعةً لله، ويتجه إلى الكعبة بأمر الله فقط.

لا يقول أي مسلم: “الكعبة هي معبودي، تمنحني الرزق أو المغفرة”، بينما كان هذا بالضبط تصوّر عابد الصنم عن صنمه.


القبلة: رمز واتجاه لا عبادة

القبلة ليست موضوع العبادة، بل علامة على الاتجاه. والقرآن يوضح ذلك: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (البقرة: 150)

فالنقطة الجوهرية: إذا كان مجرد التوجه نحو الكعبة يعني عبادتها، فلماذا غيّر الله القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟

والجواب: أن المعبود لم يتغير، بل تغير اتجاه جسد المصلي فقط.

كمثال معاصر: عند تحية العلم في دولة ما، يقف الجميع باتجاهه. هل يعني هذا أنهم يعبدون العلم؟ بالطبع لا. العلم رمز للوحدة والهوية، والكعبة كذلك، لكن الاختلاف أن الكعبة توجه للعبادة التوحيدية، لا مجرد رمز وطني.


لماذا سُمّيت الكعبة “بيت الله”؟

والسؤال التالي: هل لله مكان؟ بالطبع لا. الله ليس جسدًا ليستقر في مكان. وإنما سُمّيت الكعبة “بيت الله” لشرفها وقدسيتها، لكونها أقدم مركز للتوحيد، ولأنها بُنيت خاصة لعبادة الإله الواحد.

قال الله تعالى عن فلسفة بناء الكعبة: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَکَانَ الْبَیْتِ أَنْ لَا تُشْركْ بِی شَیْئًا وَطَهِّرْ بَیْتِیَ لِلطَّائِفِینَ وَالْقَائِمِینَ وَالرُّکَّعِ السُّجُودِ” (الحج: 26)

فالرسالة الأساسية للآية المباركة هي أن الكعبة بُنيت لنفي الشرك، لا لإعادة إنتاجه.

ولو كانت الكعبة معبودًا، لكان الحجاج ينادون باسمها. ولكن هتافهم في الحج هو: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعم لك والملك، لا شريك لك”

وهذا هو هتاف التوحيد، وليس عبادة الأصنام.


*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل