في قراءة تحليلية مع خبيرين في فقه وأصول الحوزة العلمية: كيف يمكن أن نكون متفائلين بالمستقبل؟

يُعزَّز الأمل في الإسلام بالإيمان والتوكّل، ويؤدي دورًا محوريًا في هداية المجتمع عند الأزمات. وتحقّقه يتطلّب قراءة دقيقة للواقع، والارتكاز إلى التعاليم الفقهية، والاستفادة من الطاقات الثقافية والاجتماعية، بما يضمن ترسيخ مسار بناء الحضارة واستدامة المجتمع. وانطلاقًا من مطالبات وتوجيهات سماحة القائد المعظّم، تخصّص وكالة أنباء الحوزة سلسلة من الندوات بعنوان «الأمل وصناعة الأمل»، تركّز فيها على الأبعاد الفقهية لهذا الموضوع، وتتناول من خلال دراسة آراء حجّة الإسلام كميل قنبرزاده وحجّة الإسلام علي فرحاني، أساتذة الحوزة وخبراء الفقه، دور الفقه في تعزيز الأمل داخل المجتمع.

المحاور الرئيسة لهذه الندوة:

  1. التمييز بين الأمل وصناعة الأمل على المستويين الفردي والاجتماعي.
  2. الثنائية المحورية للخوف والرجاء في النموّ الروحي والاجتماعي للإنسان.
  3. الأمل بوصفه محرّكًا أساسيًا للتقدّم الفردي والتنمية الاجتماعية.
  4. تحويل فضيلة الأمل الأخلاقية إلى واجب اجتماعي وحكومي.
  5. الأساس المعرفي للأمل في ضوء الإرادة الإلهية والتجارب التاريخية.
  6. الفقه الاجتماعي والحوكمة بوصفهما الإطار العملي لتحقيق الأمل الجماعي.
  7. دور الحوزات العلمية وطلبة العلوم الدينية في ترسيخ المعرفة الإيمانية وثقافة صناعة الأمل.
  8. الأمل الواعي والمعرفي بوصفه عاملًا ضامنًا للاستدامة وبناء الحضارة.

في مستهلّ هذا اللقاء، نرحّب بكم ونشكر لكم تلبية دعوة وكالة أنباء الحوزة. ونودّ أن نبدأ بسؤالنا الأول: ما هو موقع «الأمل» و«صناعة الأمل» في المجتمع؟ وكيف يمكن لهذه العملية، بالاستناد إلى دور النخب، والمسؤولين، والمؤسسات المختلفة من منظور الفكر الشيعي، أن تسهم في تعزيز الروح المعنوية العامة، وتهيئة مسار الهداية الاجتماعية، وتحقيق الأهداف الجماعية؟ وهو موضوع ما فتئ سماحة القائد المعظّم يؤكّد على أهميته باستمرار.

بسم الله الرحمن الرحيم؛
قبل كلّ شيء، أودّ أن أتقدّم بالشكر إلى وكالة أنباء الحوزة على معالجتها الواعية والمسؤولة لهذا الموضوع المهم.

أحبّ أن أبدأ الحديث من زاوية خاصة، وهي ضرورة التمييز بين «الأمل» و«صناعة الأمل». فصناعة الأمل تعني إيجاد الأمل وتعزيزه في نفوس الآخرين، غير أنّ ذلك يفترض سلفًا فهماً صحيحًا ودقيقًا لمفهوم «الأمل» ذاته.

وإذا أردنا ربط هذا المصطلح بما يقاربه في النصوص الدينية، فيمكن اعتباره معادلًا لمفهوم «الرجاء». وسأتناول هذه المسألة من منظور المباني الإسلامية، مع اعتبار توجيهات سماحة القائد المعظّم مكمِّلة للآيات والروايات الواردة في هذا الباب.

ثنائية الخوف والرجاء في المصادر الأخلاقية والفقهية

في التعاليم الإسلامية، يحتلّ مفهوما «الخوف» و«الرجاء» مكانة محورية وأساسية في مسار النموّ الروحي للإنسان.

يبدأ هذا الأمر على المستوى الفردي، ثم يمتدّ إلى المجال الاجتماعي. فالإنسان مطالب بأن يكون متفائلًا بالمستقبل، وفي الوقت نفسه واعيًا للمخاطر والتهديدات التي قد تواجهه.

وإذا اختلّ أحد هذين البعدين أو ضعف، تعرّض الفرد أو المجتمع للانحراف والضرر. ومن هنا، حين نتساءل عن موقع الأمل في المجتمع، ينبغي أن نلتفت إلى أنّ هذه الثنائية ـ الخوف والرجاء ـ قد حظيت بتأكيد متكرر في المصادر الأخلاقية والفقهية، وكذلك في الآيات والروايات.

ومغزى هذا التأكيد أنّ الإفراط أو التفريط في أيٍّ منهما قد يكون بالغ الضرر. فمن جهة، لا يجوز الغفلة عن المخاطر، لأنّ بُعد الخوف له أهميته البالغة. فأعظم عدوّ للإنسان هو نفسه، فضلًا عن وساوس الشيطان التي تأتيه من الخارج. وقد ورد في الروايات أنّه حتى عندما ينام الإنسان، فإنّ أعداءه يظلون يقظين ومترصّدين.

وهذا ينبهنا إلى أنّ المبالغة في الرجاء، مع إهمال الخوف، تؤدّي إلى آثار سلبية خطيرة. ومن جهة أخرى، إذا سقط الفرد أو المجتمع في هوّة اليأس، تعطّل محرّك الحركة والنمو. ففي مناخ اليأس لا تتشكّل رؤية واضحة للمستقبل، ولا تتوفّر الدوافع اللازمة للسير والتقدّم.

فلسفة الأمل على المستوى الفردي والاجتماعي

تنطبق هذه المسألة على كلٍّ من البعدين الفردي والاجتماعي. وقد طُرح في بعض المصادر الفقهية والتفسيرية سؤالٌ مفاده: هل إنّ الوعد الإلهي بالمغفرة لا يؤدّي إلى جرأة المذنبين على اقتراف المعاصي؟

وقد قُدّمت لهذا التساؤل إجابات متعدّدة، من أبرزها: ماذا كان سيحدث لو لم يكن هذا الأمل بالمغفرة موجودًا أصلًا؟

في مثل هذه الحالة، كان الإنسان المذنب سيشعر، بمجرد ارتكابه أول خطأ، بأنّ مصيره قد ضاع بالكامل، وأنّ نهايته قد حُسمت، وهو ما كان سيقوده إلى اليأس، ومن ثمّ إلى الوقوع في ذنوب أعظم وأشدّ خطرًا.

أمّا وجود الأمل بالمغفرة، فيمنحه فرصة للعودة حتى بعد الزلّة، ويفتح أمامه باب التوبة والاستغفار.

وهذا الأمر لا يحمي الفرد وحده، بل يصون المجتمع بأسره من السقوط في هاوية اليأس والانهيار. وهذه هي بالضبط فلسفة الأمل على المستويين الفردي والاجتماعي.

فالفرد لا يستطيع تحقيق كماله ونموّه من دون أمل بمستقبل أفضل، وهذا المبدأ نفسه يصدق على المجتمع ككل. فالأمل قادر على دفع المجتمع نحو التقدّم والازدهار.

وفي كثير من الأحيان، يعجز أعداء النظام الإسلامي عن المواجهة الجادّة في الميدان الواقعي، فيلجؤون إلى وسائل الإعلام لمحاولة بثّ اليأس، وتشويه صورة المستقبل، وإظهاره مظلمًا ومسدود الآفاق.

«الرجاء» أحد العناصر المحورية في تقدّم الفرد والمجتمع

في هذا السياق، من المناسب الإشارة إلى كلمات سماحة قائد الثورة الإسلامية في «بيان مئوية الحوزة».

فهو لا ينظر إلى الحوزة العلمية بوصفها مجرّد مركز تعليمي، بل يحدّد لها خمسة أبعاد هويّاتية أساسية:

أولًا: البعد العلمي والمعرفي.

ثانيًا: إعداد القيادات الدينية لقيادة المجتمع وتوجيهه.

ثالثًا: مواجهة الاستكبار ومناهضة الهيمنة.

رابعًا: إنتاج الفكر الإسلامي وبناء النُّظم الاجتماعية المستندة إلى الفقه والفلسفة والمنظومة القيمية للإسلام.

خامسًا: الإبداع والابتكار الحضاري.

هذا المستوى من المطالب يعبّر عن أفق بالغ السمو والارتفاع. ومن الطبيعي أن يظنّ بعض الناس أنّ تحقيق مثل هذا الأفق أمر بعيد المنال، ولا سيما عند النظر إلى المشكلات الراهنة والتحديات اليومية التي تواجه الحوزة العلمية.

غير أنّ سماحة القائد المعظّم للثورة قد التفت إلى هذه النقطة نفسها في البيان، وأكّد على ضرورة التمسّك بالأمل، حتى وإن بدا هذا الأفق في النظرة الأولى غير قابل للتحقّق.

ولإيضاح الفكرة، أشار سماحته إلى نهضة الإمام الخميني (قدّس سرّه) عام 1963م (1342هـ ش). ففي تلك المرحلة لم تكن هناك، ظاهريًا، أيّ مؤشّرات للأمل؛ إذ كان جوّ القمع مسيطرًا، وكان النظام الطاغوتي يستند إلى دعم القوى الاستكبارية العالمية ويتمتّع بجميع أدوات القوّة.

وفي مثل هذه الظروف، أطلق الإمام نهضته بإرادة راسخة، رغم أنّ كثيرين كانوا يرونها مستحيلة. غير أنّ تلك الخطوة الأولى أثمرت في النهاية، وأفضت إلى الانتصارات الكبرى للثورة الإسلامية.

أمّا اليوم، فقد تغيّرت الظروف تغيّرًا جذريًا. فنحن حاضرون ومَعروفون على المستوى العالمي، بل إنّ شبابًا غير مسلمين في الغرب، حين يشاهدون صمود المسلمين في مواجهة الظلم والاستكبار، يتأثّرون بذلك بعمق.

ومن الأمثلة الدالّة على ذلك، أنّ طالبة جامعية غربية، وهي غير مسلمة أصلًا، تطلب من صديقتها المسلمة أن تعلّمها كيف تضع الكوفية الفلسطينية على رأسها بوصفها حجابًا؛ لأنها ترى في المسلمين رمزًا للمقاومة في وجه الظلم. وهذا يعكس أنّ صمود شعبنا كان مصدر عزّة، وترك أثرًا واضحًا على الصعيد العالمي.

وعليه، فإنّ الالتفات إلى التجارب الكبرى التي تحقّقت في الماضي يُعدّ بحدّ ذاته مصدرًا عظيمًا للأمل. فقد وقف كبار قادتنا، وعلى رأسهم الإمام الخميني (قدّس سرّه)، بثبات وأمل، وتمكّنوا من إحداث تحوّلات عميقة في العالم.

ومن هنا، يمكننا اليوم، وبالروح نفسها، أن نتحدّث عن الابتكارات الحضارية وعن تشكّل «الحضارة الإسلامية الحديثة»؛ ذلك المفهوم الذي أكّد عليه سماحة القائد في بيانه.

وخلاصة القول: إنّ «الرجاء» يُعدّ أحد العناصر الأساسية في تقدّم الفرد والمجتمع.

غير أنّه لا بدّ من الحذر من الوقوع في الإفراط أو التفريط في هذا المفهوم؛ بحيث لا يُلغى عنصر الخوف، ولا تُترك اليأسية لتخيّم على المجتمع.

وفقط في ظلّ هذا التوازن، يمكن للأمل أن يتحوّل إلى محرّك حقيقي للنهوض والتقدّم.

حجّة الإسلام فرحاني:

كيف نكون متفائلين بالمستقبل؟ رؤية العلماء والفقهاء الشيعة حول الأمل وصناعته

بسم الله الرحمن الرحيم؛
أودّ في البداية أن أتقدّم بالشكر لكم، ولجميع الإخوة والأخوات الذين أسهموا في تهيئة الظروف لعقد هذه الجلسة. كما أتوجّه بشكرٍ خاص إلى وكالة أنباء «الحوزة»، التي اضطلعت، ولا سيّما في السنوات الأخيرة، بدورٍ جادّ وفاعل في ميدان الإعلام؛ إذ لم تكتفِ بنقل الأخبار بصورة آنية، بل أغنتها بتحليلات معرفية وبصائرية، وقدّمت بذلك مادة نافعة تضعها بين أيدي جنود الحرب الناعمة.

صناعة الأمل تكليف عام

وبما أنّ عنوان هذه الجلسة يتمحور حول بحث «الأمل»، وأنّ الأسئلة المطروحة ستدور حول هذا المحور، فقد رأيت من المناسب، استكمالًا للطرح الرصين الذي قدّمه الأستاذ قنبرزاده، أن أتناول الموضوع من زاوية أخرى، لعلّنا نتمكّن من رسم شبكة مفهومية واضحة لقضية الأمل.

ذلك أنّ الحديث عن صناعة الأمل وسبل تحقيقها سيبقى محفوفًا بالصعوبات ما لم يُفهم مفهوم الأمل نفسه فهمًا دقيقًا.

وكما أشار الأستاذ الكريم، فإنّ الأمل في أصله مفهوم أخلاقي، غير أنّه اليوم ــ بحكم الحاجات الاجتماعية، وبناءً على توجيهات وليّ الأمر ــ تجاوز إطار الأخلاق الفردية، ليتحوّل إلى تكليف اجتماعي.

وقد صرّح قائد الثورة الإسلامية بوضوح بقوله: «صناعة الأمل تكليف عام». وهذا التكليف موجّه إلى المسؤولين، ووسائل الإعلام، والنخب، والجامعيين، ورجال الدين؛ أي إنّ الجميع معنيّون بالعمل على بثّ الأمل في المجتمع.

غير أنّ من الواضح أنّ القيام بهذا التكليف سيكون عسيرًا، وقد ينطوي على أخطاء، ما لم يكن مفهوم الأمل نفسه واضحًا ومحدّدًا.

لقد أكّد الأستاذ قنبرزاده في كلمته على ثنائية «الرجاء والخوف» من منظور النصوص الدينية، وبيّنها في ضوء بيانات وتوجيهات قائد الثورة.

ولاستكمال هذه الشبكة المفهومية، لا بدّ من الإجابة عن سؤالٍ محوري: كيف تحوّل الأمل، الذي كان في بدايته مفهومًا أخلاقيًا فرديًا، إلى تكليف اجتماعي؟ وبعد هذا التحوّل، ما الصورة التي يتّخذها الأمل في الإطار الاجتماعي؟
ولتوضيح هذه المسألة، نحتاج ــ على الأقل ــ إلى ثلاث مقدمات.

الخلل التاريخي في الشبكة المفهومية للأمل

تتعلّق المقدّمة الأولى بخللٍ تاريخي؛ إذ إنّنا، عبر الزمن، لم نتعامل مع موضوعاتٍ مثل الأمل تعاملاً استنباطيًا واجتهاديًا.

بمعنى أنّنا ــ كما نحتاج إلى الاستنباط في قضايا الصلاة والصيام ــ كنّا نظنّ أنّ الأمل لا يحتاج إلى هذا المستوى من العناية؛ فحسبُنا أن نقرأ الروايات أو نستمع إلى تجارب الكبار ثم نعمل بها.

في حين أنّ الأمل، وسائر المفاهيم القريبة منه، يحتاج إلى استنباطٍ دقيق. فعلى سبيل المثال، إنّ تحقيق التوازن بين «الخوف» و«الرجاء» هو نفسه من لوازم وآثار الأمل، وهذا التوازن لا يتحقّق إلا من خلال نظرة اجتهادية واعية.

مكانة المفاهيم الأخلاقية في المنظومة المعرفية

أمّا المقدّمة الثانية، فترتبط بموقع الأخلاق داخل منظومتنا المعرفية. تقليديًا، نظرنا إلى الأخلاق على أنّها مفهوم مستقل وغير إلزامي، وأقمنا بينها وبين الفقه مسافةً واضحة.

وقد صرّح العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) في «الميزان» بأنّ أحد مواطن الخلل يتمثّل في أنّنا، حين حصرنا الأخلاق في إطار المستحبّ والفضيلة غير الملزمة، فصلناها عن الفقه، فآل الأمر إلى أن تحوّلت كثير من أحكامنا إلى ممارسات شعائرية خالية من الروح.

وبعبارة أخرى، سواء في العبادات أم في المعاملات، فقدت الأحكام جانبًا من وظائفها الأساسية.

وفي سياق هذه الإشكالية، لا بدّ من الإشارة إلى الثنائية الشائعة في الخطاب العلمي المعاصر: «الواجب الإلزامي» في مقابل «الواجب غير الإلزامي».

فهذه الثنائية، المستوردة من الفلسفة الأخلاقية والقانونية الغربية، لا تعبّر بالضرورة عن حقيقة شريعتنا. ففي شريعتنا، يشمل الفقه أيضًا الأحكام غير الإلزامية، كالمستحبّ والمكروه.

وكذلك قد توجد في دائرة الأخلاق «واجبات» تكتسب، في مجال الحكم والإدارة، صفة الإلزام.

وعليه، لا يصحّ تفسير الفقه أو الأخلاق بأكملها من خلال هذه الثنائية الغربية. والمثال الأوضح على هذا الخلل ما ظهر في مسألة «الحجاب»، حيث اعتبره بعضهم غير إلزامي بحجّة كونه شأنًا فرديًا.

مفهوم الأمل بوصفه قاعدة اجتماعية وحكومية

ترتبط المقدّمة الثالثة بالفقه الاجتماعي. والمقصود بالفقه الاجتماعي هنا معناه الأعمّ، الذي يشمل مجال الحُكم والإدارة، إلى جانب سائر فروع الفقه التخصّصية.

فإذا سلّمنا بأنّ المفاهيم الأخلاقية هي الأخرى بحاجة إلى استنباط، وإذا تجاوزنا الفصل المصطنع بين الفقه والأخلاق، أمكن عندئذٍ إدراج مفهوم الأمل ضمن إطار الفقه الاجتماعي وفقه الحوكمة. وفي هذه الحالة، لا يعود الأمل مجرّد شأنٍ فردي، بل يتحوّل إلى قاعدة عامة في الفقه الاجتماعي والحكومي.

وانطلاقًا من هذه المقدمات، يتّضح أنّ الأمل، كسائر الفضائل الأخلاقية، يقوم على أساس العدالة والاعتدال.

وهذا الاعتدال، حين يُطرح في المجال الاجتماعي، يحتاج إلى قواعد وأحكام خاصة تنظّمه. ويمكن أن نلمس نموذجًا لهذا المنهج في كلمات قائد الثورة الإسلامية في عام 2016م، خلال لقائه مع مسؤولي النظام.

ففي ذلك الوقت، كان بعض المسؤولين يعتقدون أنّه ليست لدينا مهمة إيصال الناس إلى الجنّة.

غير أنّه أكّد في ردّه أنّنا مكلّفون بإيصال الناس إلى الجنّة. ولتوضيح هذا المعنى، استند سماحته أوّلًا إلى رأي العلّامة الطباطبائي (رحمه الله)، الذي كان يرى أنّ المجتمع حقيقة أصيلة وبسيطة في ذاته.

ثمّ، انطلاقًا من هذا الفهم، عاد إلى آيات القرآن الكريم، ففسّر آية ذات طابع أخلاقي فردي ضمن سياقها الاجتماعي.

وبحسب هذا التفسير، فإنّ المجتمع ــ شأنه شأن الكائن الحي ــ يمتلك هوية خاصّة، فإذا أصيب جزءٌ منه بخلل، اختلّ توازن المجتمع بأسره وانحدر نحو الانحطاط.

وعليه، فإنّ إصلاح الفرد ليس ضرورةً تخصّه وحده، بل هو شرطٌ أساسي لسلامة المجتمع ككلّ.

ويمكن تطبيق هذا المنهج نفسه على مفهوم الأمل. فعلى سبيل المثال، إذا أصيب أحد المسؤولين الذين يشغلون مواقع صنع القرار الاستراتيجي بحالة من اليأس، فإنّ آثار هذا اليأس ستتجاوز شخصه بكثير.

وكما هو معروف في علم الإدارة، فإنّ معامل التأثير لدى المديرين والمسؤولين أعلى من غيرهم؛ ومن ثمّ فإنّ يأسهم قد يؤدّي إلى حالة من الانفصال والاضطراب العام في بنية المجتمع وفي القرارات الكبرى.

وفي المقابل، وفي اللحظات الحسّاسة كالحروب أو الأزمات الكبرى، يكون من الضروري أن يتحلّى القادة والمسؤولون بالأمل.

وفي مثل هذه الحالات، استند قائد الثورة إلى آيات قرآنية، مؤكّدًا أنّ الواجب هو أن نقول: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بدلًا من ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

ويكشف هذا الاستشهاد بالقرآن أنّ الأمل ليس مجرّد مفهوم أخلاقي فردي، بل هو حكمٌ معتبر في فقه الحوكمة، ينبغي أخذه بعين الاعتبار في القرارات المصيرية للمجتمع.

وبناءً على ذلك، فإنّ «مفهوم الأمل قد تجاوز كونه فضيلة أخلاقية فردية، وأضحى اليوم قاعدة اجتماعية وحكومية».

ومن هنا، لا بدّ من إعادة قراءته وتفعيله بمنهجٍ اجتهادي، وفي إطار الفقه الاجتماعي، ليؤدّي دوره الحقيقي في تقدّم المجتمع واستدامته.

سؤال ختامي

في ضوء أهمية الأمل واليأس على المستوى الفردي، ودور الأعداء الخارجيين، ما هو موقف فقهاء الشيعة من مفاهيم الرجاء والخوف واليأس في الآيات والروايات؟ وكيف جرى تحليل هذه القضايا وتبيينها بوصفها مسائل فكرية وملزِمة في مجالات متعدّدة، من بينها ميادين الحرب، وسائر الساحات الاجتماعية كالأُسرة وبيئة العمل؟

*حجت الإسلام قنبرزاده:

كيف نكون متفائلين بالمستقبل؟ آراء علماء وفقهاء الشيعة حول الأمل وخلق الأمل*

أود أن أبدأ النقاش بهذه المقدمة: تمامًا كما أن كثيرًا من المفاهيم يمكن أن تتغير وتكتسب معانٍ جديدة تبعًا للمنظومة الفكرية ونظرة الإنسان للعالم، فإن مفهوم «الخوف» ومن ثم «الرجاء» والأمل ليس استثناءً من هذه القاعدة.

لذلك، حين نتحدث عن الأمل في الإسلام، وبالأخص على أساس الفقه الشيعي، فإن هذا المفهوم يختلف تمامًا عن الأمل الذي يُفهم من منظور مادي صرف.


الأسس المعرفية للأمل في الإسلام والغرب

لا بد من التأكيد على أن الأمل في الإسلام يقوم على أسس معرفية خاصة تختلف جذريًا عن الأسس المادية.

في النظرة المادية، تُعزى أسباب وعلل العالم فقط إلى العوامل المادية المنفصلة عن مصدر الخلق. وهذه الأسباب بطبيعتها محدودة وتخضع لتناقضات وقيود.

على سبيل المثال، يُبنى علم مثل الاقتصاد على فرضية «الموارد المادية محدودة»، لكن من منظور معرفي إسلامي ــ وبالأخص في رؤية مفكرين كبار مثل الشهيد الصدر ــ فإن هذا الافتراض غير صحيح.

فالإسلام لا يقبل محدودية الموارد، إذ أنّ الإرادة الإلهية هي المسيطرة على العالم، وخزائن الوجود بيد الله تعالى. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.

ولتوضيح هذا الأساس المعرفي أكثر، ورد حديث مشهور ومتكرر، ليس فقط عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، بل عن سائر الأئمة الأطهار عليهم السلام بصيغ مختلفة. مضمون الحديث يقول:
«كُن لِمَا لا تُرجو أَرْجَى مِنكَ لِمَا تُرجو».

يشير هذا القول لأمير المؤمنين إلى أن الأمل في الإسلام لا يُبنى على الأسباب المادية فحسب.


بالطبع، الإسلام لم ينفِ الأسباب المادية أبدًا، بل يعترف بها ضمن نطاق الإرادة الإلهية. لكن الأصل والأساس هو «مُسَبِّبُ الأسباب»، أي الإرادة الإلهية نفسها.

وعند النظر الأول، قد يبدو قول الإمام علي عليه السلام متناقضًا: «كن لما لا ترجُو أرجى منك لما ترجُو»؛ إلا أن هذا القول في الحقيقة يوضح أساس الأمل في الإسلام، ويذكّرنا بعدم الاكتفاء بالاعتماد على المظاهر المادية للأسباب.

فما يبدو مستحيلاً أو بعيد المنال على الظاهر، قد يُقدَّم في التدبير الإلهي ويحدث بالفعل.

*نماذج تاريخية لخلق الأمل على أسس التوحيد

لتوضيح هذا المعنى بشكل أفضل، قدم أهل البيت عليهم السلام نماذج تاريخية، وهي الطريقة التي يشدد عليها أيضًا قائد الثورة الإسلامية في عملية خلق الأمل، أي الاستفادة من تاريخ القرآن وتاريخ الأنبياء. ومن الأمثلة:

المثال الأول:
﴿فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ يَقْتَبِسُ لِأَهْلِهِ نَارًا، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرَجَعَ نَبِيًّا﴾
لقد خرج موسى عليه السلام في طريقه عبر الصحراء بحثًا عن نار لعائلته ليخفف عنهم برد الليل وظلامه، ولكن عودته كانت مصحوبة بمقام النبوة وكلام الله المباشر معه. ذهب على أمل العثور على نار، لكنه عاد كنبي عظيم.

المثال الثاني:
﴿وَخَرَجَتْ مَلِكَةُ سَبَأٍ فَأَسْلَمَتْ مَع سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
خرجت ملكة سبأ بنية إثبات مكانتها ورفع شأنها لدى سيدنا سليمان عليه السلام، ولكن نتيجة هذا اللقاء كانت إيمانها بالله ودخولها في الإسلام.

المثال الثالث:
﴿وَخَرَجَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ الْعِزَّةَ لِفِرْعَوْنَ فَرَجَعُوا مُؤْمِنِينَ﴾
خرج سحرة فرعون في زمن موسى عليه السلام بهدف كسب العزة والسلطة الدنيوية من خلال دعم فرعون، لكنهم في النهاية تحولوا إلى مؤمنين حقًا.

تُظهر هذه الأمثلة أن التدبير الإلهي وإرادة الله تعمل فوق ظاهر الأسباب المادية.


*هل يجب أن يُقاس الأمل بالأسباب المادية فقط؟

بالطبع لا يُفهم الأمر بشكل اعتباطي، فبالتأكيد هؤلاء الأشخاص أظهروا من قبل استحقاقات أهلتهم ليشملهم العناية الإلهية في موقفهم الخاص؛ لكن النتيجة النهائية هي أن أمل المؤمن لا ينبغي أن يقتصر على الأسباب الظاهرة فقط.

من هذا المنظور، الأمل في الإسلام ليس مجرد شعور عاطفي أو حالة نفسية، بل له أساس معرفي يمتد أثره حتى إلى التكليفات الفقهية.

فعلى سبيل المثال، في مسألة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» يشترط أن يكون للأمر تأثير محتمل؛ فإذا لم يكن هناك احتمال للتأثير، يسقط التكليف.

السؤال المطروح هنا هو: هل يجب أن يُقاس هذا «احتمال التأثير» فقط وفق الأسباب المادية، أم أنه ينبغي أيضًا أن يُؤخذ في الحسبان من منظور المعرفة الإيمانية؟

إذا اقتصرنا على الأسباب المادية فقط، لما كان على موسى عليه السلام أن يُخرج بني إسرائيل من مصر منتصف الليل، إذ لم يكن يبدو من الظاهر أي أمل في النجاح.

لكن الأمل الذي يُؤسس عليه التكليف الشرعي هو الأمل في الإرادة الإلهية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الأسباب المادية.

هذا الأساس المعرفي هو نفسه الذي أكد عليه أئمة الثورة وغيرها من كبار العلماء. فالأمل الإيماني لا يقتصر على الأدوات المادية مثل الصواريخ والمعدات الحربية.

يقول الله تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾
حتى عندما يستخدم الإنسان الأسباب، يجب أن يؤمن أن القوة الحقيقية وراءها هي إرادة الله تعالى.

هذه النظرة تحوّل الأمل إلى قوة مختلفة يمكن أن تغيّر مسار التكليفات الفردية والاجتماعية.

على سبيل المثال، في أحد الأفلام القصيرة، قال مراهق فلسطيني للمستكبرين في العالم: «كان هناك أحد أعظم منكم اسمه فرعون، ادعى الربوبية وقال إن كل شيء تحت سيطرته، لكنه غرق في الماء في النهاية، رغم أنه لم يكن يعرف السباحة».

لقد أدرك هذا المراهق ببساطة، لكن بعمق، المعنى الحقيقي للأمل المعرفي في الإسلام: لا توجد قوة مادية دائمة، وفي النهاية الجميع يخضع لإرادة الله. القرآن أيضًا ترك جثمان فرعون عبرة للأجيال القادمة.

ومن ناحية أخرى، حذر الله الكفار مرارًا في القرآن بأن أسلافهم كانوا أقوى منهم، لكنهم هُلكوا في النهاية، وفي المقابل وعد المؤمنين بالنصر والنجاة. هذا هو البعد المعرفي للأمل الذي له مكانة خاصة في الإسلام.

بالطبع، هناك بعد آخر في هذا النقاش يرتبط بالاستراتيجيات العملية لخلق الأمل. إن نظرتنا إلى الكون، والقدرات المادية وغير المادية، وسيادة الإرادة الإلهية، تؤثر بشكل كبير على النتائج التي نحققها.

هذه النظرة تشكل أساسًا متينًا للأمل ولخلق الأمل على المستويين الفردي والاجتماعي.
التفصيل الكامل لهذا القسم يحتاج إلى فرصة أخرى لعرض أبعاده العملية والتطبيقية بشكل موسع.

حجة الإسلام فرحاني:

كيف نكون متفائلين بالمستقبل؟ وجهات نظر العلماء وفقهاء الشيعة حول الأمل وخلق الأمل

يخطر في ذهني أنه بما أن الدخول التفصيلي في جميع أبعاد هذا الموضوع غير ممكن في هذا الوقت، فمن الأفضل أن أقدم على الأقل قائمة مختصرة بالعناوين الرئيسية للنقاش، ثم نسلط الضوء على أحد الأقسام بشكل أوسع أو نذكر ملاحظة أساسية تحت كل قسم.

هل تمت دراسة مصطلح “الأمل” وأحكامه من قبل علماء الشيعة في الإسلام؟

في الفكر القديم، عندما يُقال «الفقهاء»، غالبًا ما يُقصد بهم الفقهاء في مقام الفقه وأعمالهم الفقهية.

لكن مع التوضيح الذي قُدم في القسم السابق، ومع تأكيد السيد قنبرزاده عليه، أصبح من الضروري أن نكون أكثر دقة.

لأنه عندما يُذكر «الفقهاء»، فهذا لا يعني دائمًا أنهم تناولوا الموضوع فقط في آثارهم الفقهية؛ فقد يكونون قد ناقشوا نقاطًا حوله في كتب أخلاقية أو حديثية، دون أن يعتبروا الموضوع بالضرورة نقاشًا فقهيًا. هذه هي النقطة الأولى.

لذلك، عند دراسة آثار كبار فقهاء الإسلام، يجب علينا أولًا تحديد موقفنا بوضوح.

أحيانًا يكون موضوع نقاشنا «نوع الأمل» بحد ذاته، وأحيانًا يكون «الأمل في سياق الفقه الاجتماعي وفقه الحكم».

هاتان الطريقتان مختلفتان عن بعضهما البعض. إذا ركزنا النقاش على «نوع الأمل»، يمكننا إجراء دراسة نسبية دقيقة واستخلاص ثروة قيمة من أقوال السابقين لإنتاج نظريات مستقبلية.

هذا النهج مناسب وملائم. في هذا السياق، تناول فقهاؤنا الكبار موضوع الأمل أحيانًا في آثارهم الفقهية وأحيانًا في آثارهم الأخلاقية، رغم أنهم لم يستخدموا مصطلح «الأمل» بالضبط، بل تناولوا مفاهيم مشابهة له.

بما أن النقاش ركّزنا فيه على نوع الأمل، يجب الانتباه إلى أن بعض المباحث المتعلقة بهذا الموضوع أخصّ من أن تكون هي ما نسعى إليه بالضبط، وأحيانًا تكون موازية أو متزامنة معه؛ ومع ذلك، كما تعلمنا في المنطق، رغم أننا لا نستطيع دائمًا الوصول إلى الحد الكامل لأي موضوع، إلا أنه يمكننا باستخدام العلامات والخصائص تقديم تصور تقريبي عنه. هذا النهج يمكن أن يكون مفيدًا جدًا.

فقهاؤنا في الفقه، كلما تناولوا الحالات النفسية للمكلف، عالجوا بشكل مباشر أو غير مباشر الرجاء أو المفاهيم المشابهة له، وأحيانًا المتضادة مثل الخوف.

ولتوضيح النقاش أكثر، يمكن شرحه بلغة فنية على النحو التالي: كما نقول في موضوع “اليقين” أحيانًا “اليقين السببي” وأحيانًا “اليقين الموضوعي”، في مسألة الرجاء أيضًا أحيانًا يكون رجاءً سببيًا وأحيانًا رجاءً موضوعيًا.

أي بمعنى أن هذه الحالة النفسية أحيانًا تكون وسيلة لاكتشاف الواقع، وأحيانًا تكون هذه الحالة النفسية نفسها موضوع الحكم الواقعي.

على سبيل المثال، الفقهاء في مسألة الترميُّم عند مناقشة إمكانية الوصول إلى الماء، طرحوا الرجاء بشكل سببي؛ أي إذا كان لدى المكلف أمل في الوصول إلى الماء، عليه أن يسلك الطريق للوصول إليه.

هنا يثار سؤال مهم: هل يُؤخذ الرجاء الفردي كمقياس، أم الرجاء النوعي الذي له أحكام خاصة به؟

وفي مواضع أخرى، استخدم الفقهاء بدلًا من مصطلح “الرجاء” مصطلح الظن. فمثلاً في مسألة “ركعات الصلاة”، جاء في تفسير المرحوم الشهيد في كتابه «مسالك» أن على المكلف التأمل حتى يتكون لديه الظن بعدد الركعات التي صلى، ثم يتصرف بناءً على ذلك ويُطبّق أحكامه. هنا، الحالة النفسية المتمثلة في الظن أصبحت موضوع الحكم.

هذا التمييز بين الرجاء السببي والرجاء الموضوعي لا يظهر فقط في العبادات، بل يمتد إلى المعاملات أيضًا.

على سبيل المثال، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب “الجهاد”، تناول الفقهاء مسألة اليقين أو الاحتمال لدى المكلف بالنسبة للنتائج المحتملة، مثل معرفة ما إذا كان سيُقتل إذا تصرف أم لا.

وأيضًا في مسألة الشركات، سواء كانت إجبارية أو اختيارية، توجد أمثلة مشابهة.

لذلك، يمكن القول إنه في الفقه توجد نماذج متعددة حيث تحدث الفقهاء بشكل إجمالي عن الرجاء، الخوف، والمفاهيم المشابهة، سواء في العبادات أو المعاملات أو الأحكام الاجتماعية.

الأمل كظاهرة اجتماعية في فقه الحوكمة والفقه الاجتماعي

القاسم المشترك بين جميع هذه الحالات هو أن الرجاء اعتُبر كـ «حالة نفسية» تظهر لدى المكلف، وهي حالة تُعد مصدرًا للفعل الفردي وللواجب الشخصي. بمعنى أن هذه الحالة نفسها تُؤخذ أحيانًا كموضوع للواجب، لا مجرد متعلق له.

إلى جانب الآثار الفقهية، تناول الفقهاء موضوع الرجاء والخوف في كتب الأخلاق أيضًا؛ ومع ذلك، في كتب الأخلاق المتأثرة بالأخلاق الفلسفية اليونانية، مثل الأخلاق السقراطية أو تقسيمات أرسطو، لم يُعطَ الرجاء الاهتمام الكافي.

أما في الكتب الأخلاقية النقلية والروائية، مثل كتاب “محجة البيضاء” للمرحوم فيض الكاشاني، فقد نوقش الرجاء والخوف بشكل موسع. هنا، يُطرح الأمل أو المفاهيم المشابهة غالبًا كصفة داخلية للمكلف.

لكن ما نحن بصدد نقاشه اليوم يتجاوز هذا المستوى الفردي.

في فقه الحوكمة والفِقْه الاجتماعي، نتعامل مع ظاهرة اجتماعية. ومن المؤكد أن هذه الظاهرة الاجتماعية يجب أن تكون في النهاية متجذرة في نفوس الأفراد؛ بمعنى أنه حتى يتشكل لون الأمل في قلوب الناس، لا يمكن أن يمتد إلى مستوى المجتمع.

ومع ذلك، هناك فرق جوهري بين هذين المستويين:

  • الأول: أن يتجسد لون الأمل في قلب الفرد كموضوع للحكم.
  • الثاني: أن يكون المجتمع والنظام الاجتماعي نفسه مكلفًا بتحقيق وتعزيز هذه الصفة، ويتابعها باعتبارها واجبًا جماعيًا.

ويبدو أن الأمل الذي نحن بصدده اليوم ينتمي إلى النوع الثاني، أي: الأمل كظاهرة اجتماعية في مجال فقه الحوكمة والفقه الاجتماعي.

  • عن دور الحوزويين وطلاب العلوم الدينية

سُئل: ما دور هؤلاء الأفراد والمؤسسات الحوزوية في هذا المجال؟ كيف يجب أن يبدأوا نشاطهم ويجعلوه عمليًا في المجتمع؟ بالإضافة إلى ذلك، هل نظرة الناس إلى الأمل تعتمد أكثر على الماديات أم على الروحانيات؟ وكيف يمكن للمؤسسات الحوزوية، في ظل الأزمات الاقتصادية والثقافية، أن تروّج ثقافة الأمل الروحي في المجتمع، مستفيدين من الخبرات التاريخية، ومن الثورة الإسلامية، ومن الدفاع المقدس، بشكل واسع ومستمر؟


  • حجت الإسلام قنبرزاده:

كيف نكون متفائلين تجاه المستقبل؟ وجهة نظر العلماء والفقهاء الشيعة حول الأمل وصنع الأمل

في ختام كلمتي، أود أن أشير إلى عدة نقاط أساسية، وأبدأ أولاً بأسلوب مخاطبة الله تعالى في القرآن الكريم.


  • ربط الأمل بالإيمان وإرادة الشعوب

في سورة الفيل، يخاطب الله تعالى الأمة الإسلامية بلغة مؤثرة وتساؤلية: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ». هذه الآية توضح منذ البداية أن القرآن يسعى لبناء أمة تُكمّل مسيرة جميع الأنبياء السابقين، في الدين الخاتم، وتبلغ الكمال في ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف).

في هذا الخطاب، كان الله يستطيع أن يكتفي بالإخبار عن هلاك أصحاب الفيل، لكنه اختار أن يسأل: «ألم تر؟»، ليحرك القلوب، ويجعل المتلقي يشارك المشهد بعين الإيمان ويشهد الحدث بقلوبهم قبل أبصارهم.

عند النظر إلى حادثة أصحاب الفيل، يظهر في الظاهر أن الجيش العظيم انطلق من اليمن بمعدات فائقة وكسر كل العقبات حتى اقترب من الكعبة، التي لم تكن سوى مبنى بسيط من أربعة جدران.

لكن الإيمان والتوكل عند حضرت عبد المطلب غيّر المشهد: «أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَلِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ».

بهذا الإيمان تجاوزت المعادلة المادية، ثم حفظ الله بيته وقدّر مصير جيش الفيل بطريقة تبقى عبرة للمؤمنين عن قوة الإرادة الإلهية.


  • تعميم النموذج على المجتمع المعاصر

إذا طبقنا هذا النموذج على مجتمعنا اليوم، نرى أن الأمة الإسلامية في ظل الثورة الإسلامية لم تعد شجرة صغيرة ناشئة، بل تحولت إلى شجرة عميقة الجذور ومتينة.

لقد واجه شعبنا على مدى أربعة عقود اختبارات صعبة، من بينها الحرب المفروضة لمدة ثماني سنوات، التي تحالفت فيها كل القوى العالمية ضده.

وفي ظروف كان فيها الداخل يعاني من نقص الموارد وحتى في أبسط الاحتياجات، دافع شعبنا بإيمانه وإرادته عن أرضه، وأسس أسس تطوير البلاد.

والأرقام تشير إلى أن أكبر الإنجازات في إزالة الحرمان حدثت في تلك الفترة نفسها، أي في العقد الستين، بالتزامن مع الحرب. هذا يوضح كيف يمكن للإيمان والإرادة أن يعوضا نقص الوسائل المادية.


  • دور الحوزات العلمية في زمن التحديات

لقد شكلت هذه التجارب المجتمع وأصبحت مصدر قوة. واليوم، اختبر شعبنا مرات عديدة وعد الله عمليًا، وعايش نتائج ذلك. لكن الأعداء لم يقفوا مكتوفي الأيدي، فهم إلى جانب الضغوط السياسية والاقتصادية، شنّوا هجومًا ثقافيًا لمحاولة تقويض الروح المعنوية للأمة.

وهنا تظهر المسؤولية الأساسية للحوزات العلمية: أن تكون مضرب المثل في نشر الأمل الروحي، واستثمار التاريخ والخبرة الثورية والدفاع المقدس، لتعزيز ثقافة الأمل في المجتمع بشكل مستمر وواسع.


  • مسؤولية الحوزات العلمية في توضيح الأمل وصنع الأمل في المجتمع

من وجهة نظري، تتحمل الحوزات العلمية مسؤوليتين أساسيتين:

  1. تعزيز ونشر المعرفة الإيمانية في المجتمع.
  2. حماية الهوية الثقافية للأمة.

وفي هذا المسار، يجب أن نحرص على ألا يتعرض المجتمع لتآكل ثقافي، وألا يتلاشى الإيمان الأصيل لدى الناس.

وقد زوّدنا الله بعدة أدوات لتحقيق ذلك، ومن أهم هذه الأدوات المحبة للإمام الحسين عليه السلام. فالمحبة له كانت عبر التاريخ نور هداية وسفينة نجاة.

فإذا نظرنا، نجد أن حادثة كربلاء، بعد أكثر من ألف عام، ما زالت تهز القلوب وتحوّل النفوس. المجالس والهيئات التي تُقام باسم الإمام الحسين عليه السلام، تُعد مدرسة يتعلم فيها الشباب والإيرادون التضحية والفداء والتسامح والتوكل على الله.

وتمثل مسيرة الأربعين العظيمة، التي تحولت في عصرنا إلى معجزة تاريخية، مثالاً واضحًا على هذه القدرة. ملايين البشر من جنسيات ودول مختلفة يجتمعون دون تنظيم حكومي، بل من منطلق الحب الصادق للإمام الحسين عليه السلام، ويتحملون بأنفسهم كل أعباء النقل والإقامة والضيافة.

كل ذلك يوضح حجم هذه المحبة كأصل هائل للمجتمع الإسلامي.

وبالتالي، يجب أن نقدر هذه المكتسبات. الغفلة والجحود قد تؤدي إلى فقدان هذه النعمة. المجالس الحسينية والأيام الدينية مثل شهر ربيع تُعد فرصًا عظيمة لإعادة تقديم سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام.


  • النبي الأكرم (ص)، قمة صناعة الأمل في التاريخ الإسلامي

النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يمثل القمة في صناعة الأمل في التاريخ الإسلامي. ففي أصعب الظروف، أي أثناء الهجرة إلى المدينة حيث كان المسلمون يعيشون في فقر شديد، بنى النبي صلى الله عليه وآله مجتمعًا جديدًا بالإيمان والأمل.

لقد عاش كثير من الصحابة الكبار مثل سلمان وأبوذر ومقداد في فقر مدقع؛ حتى أنهم كانوا ينامون على منصات في المسجد النبوي ويعتمدون على صدقات المؤمنين للعيش.

ولكن هؤلاء الأشخاص أصبحوا فيما بعد أعظم شخصيات الهداية في تاريخ الإسلام.


هذه الأمثلة توضح أن صناعة الأمل الإسلامي متجذرة في التاريخ الوحياني والتجارب التاريخية للمسلمين. الأدلة الوحيانية، وسيرة الأنبياء وأهل البيت، وتجارب صدر الإسلام، وحتى الثورة الإسلامية في إيران، كلها تشهد على أن الأمل هو محرك رئيسي لبناء الحضارة.

واليوم، كما شهدنا في الحروب الصعبة وفي تجربة المقاومة الحديثة مثل الحرب الـ12 يومًا، يمكننا بالاعتماد على هذه المعرفة الإيمانية وهذا الرأس المال الاجتماعي أن نخلق مستقبلًا مشرقًا.

كيف نأمل في المستقبل؟ رؤية العلماء وفقهاء الشيعة حول الأمل وصناعة الأمل


  • دور الحوزات العلمية في التحليل الصحيح للأمل وصناعته

فيما يتعلق بدور الحوزات العلمية، يجب القول إن هذا الدور، إلى جانب التوضيح المعرفي وتعزيز الأسس الإيمانية، يرتبط بـ التحليل الصحيح والشامل للواقع القائم.

في كثير من الأحيان، تكمن المشكلة الأساسية في التحليلات في أن جزءًا من الواقع فقط يُرى بينما يُهمل جزء آخر.

على سبيل المثال، في حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، ركزت بعض التحليلات على الأضرار التي لحقت بنا وتغاضت عن الإنجازات العظيمة.

من الطبيعي أن تتكبد الأطراف أضرارًا في أي حرب. صحيح أن العدو حقق ضربات في الأيام الأولى، وصحيح أن بعض قادتنا البارزين استشهدوا في ظروف صعبة، ولكن إذا رُكّز على هذا الجانب فقط وتجاهل إنجازات المقاومة العظيمة، فلن يؤدي ذلك إلا إلى بث اليأس في المجتمع.

التحليل الصحيح هو جمع جميع الحقائق معًا. نعم، في بداية الحرب كان للعدو اليد العليا، لكن ماذا حدث بعد أيام قليلة؟

اليوم تتسرب الأخبار الدقيقة تدريجيًا حول كيف صمد مقاتلونا بشجاعة. استهداف قائد الحرس الثوري في منتصف الليل في مكتبه ليس علامة على تقصير أمني، بل دليل على أنهم لم يتركوا الميدان حتى في أصعب الظروف ووضعوا حياتهم على المحك.

كما نرى، كل صاروخ يُطلق من جانبنا يتطلب تكلفة باهظة؛ فقد استشهد العديد من قوات الدفاع الجوي والبرّي لتوجيه عشرات الصواريخ نحو العدو.

تشير التقارير إلى أنه في عملية واحدة، أُطلقت من قاعدة جوية لدينا سبعون صاروخًا باتجاه إسرائيل، بينما قدمنا أربعين شهيدًا.

هذه هي حقائق المقاومة: تكلفة باهظة، لكنها مصحوبة بإنجازات كبيرة.

لذلك، تقع على عاتقنا، كإعلاميين وواعظين ومسؤولي التوجيه الفكري في المجتمع، مسؤولية نقل كل الحقائق.
لا نتجاهل الأضرار وننكرها، ولا نركز على جانب واحد فقط ونثير اليأس بين الناس.

يجب أن نقول بشجاعة: المقاومة لها ثمن، لكنها تجعل العدو عاجزًا تمامًا. اليوم، لا يكاد يوجد محلل، سواء من مؤيدينا أو معارضينا، يدعي أن إسرائيل قادرة بمفردها على مواجهة إيران.


  • المقاومة لها ثمن، لكن ثمن الاستسلام أثقل بكثير

الجميع يعلم أنه إذا لم تكن أمريكا وراء إسرائيل، فلن تستطيع هذه الدولة مواجهة غزة، فكيف بإيران؟

من الواضح أن أملنا لا يقوم فقط على القوة العسكرية. نعم، أمرنا الله في القرآن: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ»، أي أنه يجب علينا تعزيز قوتنا العسكرية، لكن الركيزة الأساسية لأملنا هي وعود الله وسننه الثابتة في نصرة جبهة الحق.


في الختام، أود أن أهدي كلامًا إلى أرواح الشهداء الطاهرة في هذه الأيام. فقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في حديث معروف إلى «ابن شبيب»:

“إذا أردت أن تُحشر يوم القيامة في صف شهداء كربلاء، فكلما ذكرت عاشوراء قل: يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزًا عظيمًا.”

هذا الحديث يعلمنا أن نتمنى أن ننفق في سبيل جبهة الحق. حتى إذا لم يكن بالإمكان المشاركة الفعلية حاليًا، فإن هذا التمني الصادق يضع الإنسان على الطريق الحسيني للتربية الإيمانية.

اليوم يسعى الأعداء إلى أخذ هذه الثقافة منا وإخافة الناس من دفع ثمن المقاومة، لكن المرشد الأعلى أكد مرارًا أن “المقاومة لها ثمن، لكن ثمن الاستسلام أثقل بكثير”.

النموذج الواضح لذلك، الدول التي استسلمت أمام إسرائيل؛ قبل أي مفاوضات، تم استهداف بنيتها العسكرية والمدنية، واليوم نرى نتائج الاستسلام الثقيلة أمام أعين الجميع. بينما المقاومة، رغم تكلفتها العالية، تضمن العزة والقوة والمستقبل.

لذلك، يجب علينا أن نربي أنفسنا ونتمنى في قلوبنا أن نكون نحن وعائلاتنا، مثل أصحاب سيد الشهداء عليه السلام، من الذين يضحون في سبيل جبهة الحق.

هذا التمني يضع الإنسان في صف الشهداء ويمثل قاعدة تربوية عظيمة على طريق الإيمان والفداء. شهداء حرب الأيام الاثني عشر علمونا بهذه الحقيقة بدمائهم.

نسأل الله أن نكون قدِّرنا نعمة الولاية، ونعمة السعي للشهادة، ونعمة الصمود في جبهة الحق، ليتم بهذه البركة تمهيد الطريق لظهور المخلّص الإلهي، وننال نحن أيضًا توفيق إدراك تلك الأيام المباركة.

حجة الإسلام علي فرحاني:

كيف نأمل في المستقبل؟ رؤية العلماء وفقهاء الشيعة حول الأمل وصناعة الأمل

نظرًا لأن السؤال مركب من عدة أسئلة فرعية، أود أن أطرح بعض النقاط للوصول إلى نتيجة مثالية:

  • النقطة الأولى: أستفيد من كلمات المرشد الأعلى، حيث يشير إلى أن مسؤولية البعض، وبالأخص في خطاباته، هي توضيح مفهوم الأمل. هذه المسؤولية تقع على عاتق السياسيين، والعلماء الحوزويين، والأكاديميين، وكل فئات الشعب.
  • النقطة الثانية: المهم أن هذه المسؤولية حكومية واجتماعية وليست فردية.

إصراري على توضيح هذه النقطة يأتي من أن الأمل الاجتماعي مختلف عن الأمل الفردي. قد يتقاطع الاثنان أحيانًا، لكنه في الجوهر أمران مختلفان. المرشد الأعلى يطالبنا بالأمل الاجتماعي، إضافة إلى الأمل الفردي.


اليأس يذيب المجتمع

لأوضح هذه النقطة، أقدم مثالًا:

في بعض الأحيان نسمع تصنيفات حسب دراسات إحصائية لمراكز أبحاث، تقول مثلاً إن دول الشمال الأوروبي تتميز بالطمأنينة أو القضاء على الفقر. لكن ماذا يعني الحديث عن دول مثل آيسلندا أو الدنمارك أو فنلندا؟ هل يعني أنه لا يوجد أشخاص متألمين في هذه الدول؟ هل لا يوجد فقر أو طلاق؟ هل لا تحدث جرائم ومخالفات؟

بالطبع تحدث، وهذه هي الحقيقة التي نريد أن نعرضها مقابل الصورة الوردية التي يراها المتابعون في وسائل التواصل الاجتماعي. فالدولة التي تبدو مثالية من حيث الرفاهية، فيها أشخاص يعانون.

هذا يُظهر الفرق بين الرفاهية الاجتماعية مقابل رفاهية الأفراد.

المرشد الأعلى يقول: يجب أن يكون إيران بأكملها دولة أمل متكاملة؛ أي مجتمع الأمل وليس مجرد أمل فردي.


التفرقة بين المجتمع والمجمع

قام العلامة الطباطبائي، في المجلد الرابع من تفسير الميزان، بتمييز بين المجتمع (Community) والمجمع (Aggregate):

  • المجمع: عشرة أشخاص يجتمعون لتكوين مجموعة، لكن لا يشكلون كيانًا موحدًا.
  • المجتمع: كيان له هوية واحدة، وليس مجرد تجمع للأفراد.

المرشد الأعلى، في خطبه في السبعينيات، أوضح سبب مخاطبة القرآن لنا بـ “أمة” أحيانًا و”ناس” أحيانًا. كلمة “أمة” مشتقة من المادة أمّ/يأمّ (قصد)، أي أن الأمة هي عندما يكون هناك هوية واحدة بين الناس، مبنية على هدف مشترك، وهذا الهدف يمثل الرجاء والتحرك نحوه.


مثال سوسيولوجي عن الأمل واليأس

سأعرض مثالًا لدراسة عالم الاجتماع جون كالهون بين 1967 و1972، والمعروفة باسم تجربة Universe 25:

  • أنشأ مساحة تبلغ 2.7 وحدة واحتواها بمجموعة من الفئران، واعتبرها “جنة الفئران الموعودة”، حيث وفّر لهم جميع الاحتياجات والرفاهية.
  • بدأ التجربة بأربعة فئران، وزادت أعدادها تدريجيًا إلى نحو 600، وعند هذه النقطة بدأت الفئران تتصرف بسلوكيات منحرفة: انتهاك الروابط الأسرية، ظلم الأقوياء للضعفاء، اكتئاب الأقوياء.
  • مع استمرار النمو وصولًا إلى نحو 2200، بدأت الفئران تقتل بعضها البعض وتنهار الجماعة.

استنتاج كالهون الأول كان أن الزيادة السكانية سبب المشاكل، لكن علماء الاجتماع لاحقًا بعد عام 2000، رأوا أن المشكلة الحقيقية هي اليأس.

حتى مع وفرة الموارد، بمجرد أن يصل الكائن إلى حد يُفترض فيه انتهاء الإمكانيات، يذيب نفسه ومجتمعه.


الارتباط بالمرجعيات الدينية

من هنا، يشير المرشد الأعلى إلى تفسير آيات سورة الشعراء، حيث قال أصحاب موسى عليه السلام:
“إنا لمُدرَكون”، فرد موسى عليه السلام:
“كلا إن معي ربي سيهدين”.

هذا يوضح أن الأمل الحقيقي لا يقوم فقط على الإمكانات المادية، بل على اليقين بقوة وإرادة الله.

ما هو الأساس الفكري للأمل؟

دعوني أشير في هذا القسم إلى قول قيم لحجة الإسلام قنبرزاده في بداية حديثه: «أين هو الأساس الفكري للأمل؟»

تم النقاش حول أن الأساس الفكري للأمل هو المعرفة المعرفية والدينية. فإذا لم نتمكن من توضيح هذا الأساس بشكل صحيح، فإن الأمل سيصبح مجرد مفهوم رومانسي، وهذا النوع من النظرة الرومانسية قد يؤدي – لا سمح الله – إلى تقديم صورة غير صحيحة للجيل الجديد عن سفينة الحسين.

على سبيل المثال، إذا قلت أنا كمبلغ للدين عن سفينة الحسين: «في النهاية سنستشهد جميعًا، ولا شيء سيتحقق، ولا يمكننا بناء حضارة»، فإن خطابي سيكون مبنيًا على ضعف معرفي.

هنا يجب الانتباه. فالمرشد الأعلى أكد مرارًا أن الأمل يجب أن يكون مبنيًا على المعرفة الواقعية واليقين، وليس مجرد شعور أو عاطفة.

مرحوم آية الله مصباح اليزدي كان مثالًا للعالم البصير الذي لم يكتفِ بالنظريات، بل كان حاضرًا بجدية في الجامعات لتوضيح المعرفة الدينية.

وانظر أيضًا إلى الإمام الخميني(رض)، الذي رغم كل الصعوبات، وحتى حين سلب منه زيّه الحوزوي وارتدى بدلته المدنية، ظل صامدًا وقال: «إن معي ربي».

هذه الأمثلة تظهر أن الأساس المعرفي حين يظهر في الحماس والإيمان والثبات، يُثمر نتائج عظيمة.


أي نوع من الأمل يقصده الإسلام؟

لنرجع إلى الآية الكريمة:

عندما واجه قوم موسى عليه السلام فرعون، قال بعض أصحاب موسى بقلق:
“إنا لمُدرَكُون”، أي أنهم شعروا بالتهديد الشديد.

إذا أردنا تشبيه المشهد بالوضع الحديث، فالعدو كان مجهزًا بأسلحة مثل الطائرات F-35 وF-22، التي تتميز بصعوبة رصدها راداريًا، بينما بني إسرائيل لم يكن لديهم مثل هذه الإمكانيات ضد فرعون.

في هذا الموقف، رد موسى عليه السلام:
“كلا إن معي ربي سيهدين”.

هذه العبارة لم تكن مجرد تهدئة عاطفية مؤقتة، بل كانت تعبيرًا عن حقيقة واقعية وفاعلية إلهية ملموسة.

في تفسير الإمام الصادق عليه السلام عن علي بن إبراهيم، ذُكر أن معنى سيهدين هو: «الله سينقذني».

وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام، قيل إن معنى الآية هو سيكفيني، أي: «الله يكفيني».

إذن، الأمل الذي عبّر عنه موسى عليه السلام لم يكن نشوة رومانسية ولا وعدًا غامضًا، بل كان وعدًا قائمًا على النتائج والتحقيق العملي، كما تحقق لاحقًا:
“فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر…”، فانشق البحر.


هذه النقطة مهمة جدًا:

عندما يتشكل الأمل الاجتماعي على مستوى الأمة، ويصل عدد من الناس إلى قناعة جماعية بأن:
“الله سيكفينا”، تظهر فورًا الحلول الإلهية، كما حدث بانشقاق البحر لبني إسرائيل.

ما يجب أن ننتبه إليه في تحليلاتنا اليوم:
حتى لو كان هناك فارق تقني بيننا وبين العدو، فإن الأمل المبني على المعرفة والإيمان يملأ هذا الفارق.

كما ورد في الرواية:
“من تقرّب إلى الله شبرًا تقرّب الله إليه ذراعًا”؛ أي إذا تقدم الإنسان خطوة نحو الله، فإن الله يقابله بسرعة أكبر.

هذه الحقيقة هي ما يملأ الفجوات والفوارق ويقوي عزيمة الأمة في مواجهة التحديات.

ترجمة : مركز الاسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل