نحو مجتمع مثالي: مباحثُ مهدويّة | الغربُ والمهدويّة / القسم الأول

نحو مجتمع مثالي: مباحثُ مهدويّة | الغربُ والمهدويّة / القسم الأول

إنّ التلازم بين ظهور المنقذ وبين مؤشّراتٍ من قبيل انتشار العدل، ومناهضة الظلم، وغيرها، قد أدّى إلى أن يبقى الإنسان ـ على اختلاف أديانه ومذاهبه ـ متعلّقًا على الدوام بظهور منقذه. ومن البديهي أنّ مقدار هذا التعلّق والشوق إلى ظهور المنقذ هو نتيجة لجملةٍ من العوامل المتعدّدة. وفي هذا السياق، تُعدّ وسائل الإعلام من أكثر العوامل تأثيرًا، إذ تضطلع بدورٍ بالغ الأهميّة في صناعة هذا الشوق وتعزيزه.

وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، تُقدَّم إلى السادة الفضلاء سلسلةُ مباحث المهدويّة تحت عنوان «نحو المجتمع المثالي»، وذلك بهدف نشر التعاليم والمعارف المرتبطة بالإمام الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

إنّ الاعتقاد بالمنقذ يُعدّ من القضايا التي تحظى بإجماعٍ واشتراكٍ واسع بين الأديان الإبراهيميّة وغير الإبراهيميّة. وتُعدّ الأزمات والمحن القاسية التي عرّضت وجود البشريّة للخطر، وعجز الإنسان بذاته عن مواجهتها، من أهمّ العلل التي أسهمت في تشكّل فكرة المنقذ في الأديان. كما أنّ التلازم بين ظهور المنقذ وبين مؤشّراتٍ مثل بسط العدالة، ومواجهة الظلم، وغيرها، قد جعل البشر ـ على اختلاف معتقداتهم الدينيّة ـ يتطلّعون دائمًا إلى ظهور منقذهم. ولا شكّ أنّ مستوى هذا التطلّع والشوق إنّما هو نتاج أسباب متنوّعة، وفي مقدّمتها وسائل الإعلام، التي تُعدّ من أكثر العوامل فاعليّةً في إيجاد هذا الشوق وتنميته.

وتُعدّ وسائل الإعلام من أقوى أدوات عالم اليوم تأثيرًا؛ فهي لا تقتصر على التأثير المباشر في الأفراد من خلال وظائفها الظاهرة، بل تمتدّ آثارها إلى الثقافة العامّة، والمعايير، والقيم، والمؤشّرات التي يبني المتلقّي على أساسها أصول سلوكه وأنماط تصرّفاته.

أمّا عالم الإعلام الهوليوودي، فمنذ عام 1990 شهد تحوّلًا بطيئًا ولكن ملموسًا، حيث اتّجهت الغالبيّة السائدة من إنتاجاته تدريجيًا نحو موضوعات الخلاص والمنقذيّة وقضايا آخر الزمان.

هوليوود وصناعة الإحساس بالاضطرار إلى المنقذ (1)

يُعَدّ ترسيخ الإحساس بالحاجة الملحّة والاضطرار إلى المنقذ من أبرز المحاور التي ركّزت عليها سينما هوليوود في عددٍ كبير من إنتاجاتها ذات الطابع الأخروي ونهايات العالم.

وفي هذا السياق، يسعى فيلم «الخالق» (The Creator)، وهو من إنتاج سينما هوليوود لعام 2023، إلى تصوير حالة الصراع والتقابل بين الجنس البشري والذكاء الاصطناعي. وضمن هذا الإطار، نشاهد في أحد مشاهد الفيلم توسيع دائرة الحاجة إلى المنقذ، بحيث لا تقتصر على البشر وحدهم، بل تتجاوزهم لتشمل كيان الذكاء الاصطناعي نفسه، الذي يُقدَّم بوصفه كائنًا محتاجًا ومتطلّعًا إلى ظهور المنقذ.

هوليوود وصناعة الإحساس بالاضطرار إلى المنقذ (2)

يعمد القائمون على صناعة السينما في هوليوود إلى استخدام تقنيات متعدّدة من أجل ترسيخ الشعور بالحاجة إلى المنقذ في وعي الجمهور. وتُعدّ ثنائيّة الخير والشر من أهمّ هذه التقنيات وأكثرها فاعليّة. ففي هذا الأسلوب، تُصوَّر قوى الشر في الأفلام على درجةٍ من القوّة والهيمنة تجعل الانتصار عليها في الظروف الاعتياديّة أمرًا بالغ الصعوبة، بل يبدو مستحيلًا. ويبلغ هذا التصوير حدًّا يُقنِع المتلقّي بأنّ السبيل الوحيد للخلاص من الواقع القائم هو وجود منقذ استثنائي.

ويُعدّ فيلم «الحرب العالميّة زد» (World War Z)، المنتج عام 2013، نموذجًا واضحًا لهذا النمط من الأعمال السينمائيّة. إذ تُعرَض فيه الزومبيّات بوصفها قوى شرّ كاسحة، تتمكّن في وقتٍ وجيز من السيطرة على الكرة الأرضيّة بأكملها، وتُوصِل الأمل في النجاة إلى أدنى مستوياته. وفي ظلّ هذه الأوضاع، يبدو ظهور المنقذ داخل السياق القصصي ضرورةً لا مفرّ منها.

إنّ تكرار تعرّض الجمهور لمثل هذه الحِيَل والأساليب في المنتجات السينمائيّة الهوليووديّة يؤدّي تدريجيًا إلى ترسيخ هذا التصوّر في وعيه الواقعي أيضًا، بحيث يخلص إلى أنّ الحلّ الوحيد للخلاص من قوى الشرّ في هذا العالم إنّما يتمثّل في وجود منقذ.

هوليوود وصناعة الإحساس بالاضطرار إلى المنقذ (3)

من جملة التقنيات التي تعتمدها هوليوود، إبراز مستوى غير محدود من الإيثار والتضحية لدى «المنقذين» الهوليووديين في سبيل إنقاذ البشريّة. ففي هذا الأسلوب، يسعى المخرج إلى خلق مواقف دراميّة وعاطفيّة مكثّفة، يُجسِّد من خلالها الذروة القصوى لتفاني المنقذ وتضحيته من أجل الإنسان.

ومن الطبيعي أن يؤدّي تكرار مواجهة المتلقّي في سينما هوليوود مع هذا النمط من المنقذين والأبطال إلى تعلّقه الشديد بهم والانجذاب إليهم، بحيث يغدو في حياته الواقعيّة أيضًا متشوّقًا دومًا لظهور منقذ يمتلك هذه الصفات.

ويُعَدّ فيلم «بين النجوم» (Interstellar)، من إنتاج عام 2014، أحد أكثر أفلام هوليوود إحكامًا في معالجته لموضوع المنقذ، ونموذجًا واضحًا لتوظيف هذه التقنيّة؛ إذ عمد المخرج فيه إلى إظهار الإيثار والتضحية في شخصيّة المنقذ عبر مشاهد متعدّدة.

إنّه بطلٌ يرضى، من أجل إنقاذ البشريّة جمعاء، أن يتحمّل ألم الفراق والحزن العميق، وأن ينفصل عن أسرته، بل عن ابنته الوحيدة، مقدّمًا الأولويّات الاجتماعيّة والإنسانيّة على أولويّاته الشخصيّة.

الوظيفيّة في سينما نهاية العالم الهوليووديّة

الوظيفة الأولى: السعي إلى إضفاء طابعٍ منظّم على أحداث آخر الزمان

تُشير فقرات متعدّدة من الكتاب المقدّس لدى المسيحيّين، في سياق وصف أحداث آخر الزمان السابقة لظهور السيّد المسيح عليه السلام، إلى وقائع وحوادث مأساويّة، يُشكّل كلٌّ منها على نحوٍ ما تهديدًا وجوديًّا للبشريّة.

وانطلاقًا من ذلك، تتمثّل إحدى الرسالات الأساسيّة لأفلام نهاية العالم في هوليوود في تصوير تلك الوقائع المؤلمة، بهدف لفت انتباه المتلقّي إلى أنّ المسار المؤدّي إلى العصر الذهبي المزدهر لظهور المنقذ لا ينفكّ عن حوادث كارثيّة وأحداث مهولة تُعَدّ جزءًا من دورة طبيعيّة حتميّة. وتُقدَّم هذه الأحداث على أنّها تجري وفق نسقٍ منظّم لا فوضوي، وأنّه لا مجال للفرار منها في سياق الوصول إلى ذلك المستقبل الموعود.

الوظيفة الثانية: الإيقاظ والتنبيه إلى مخاطر المسار الراهن لحركة المجتمع البشري

من خلال تتبّع النتاجات السينمائيّة الهوليووديّة ذات الطابع الأخروي، نلاحظ أنّ عددًا ملحوظًا من هذه الأعمال ينطوي على مضامين نقديّة موجّهة إلى نمط الحياة البشريّة السائد في العصر الحاضر. فالأحداث الكارثيّة الأخرويّة التي تُعرَض في هذا الصنف من الأفلام ليست حوادث عشوائيّة أو قدريّة محضة، بل تُقدَّم بوصفها نتائج مباشرة لأسلوب الحياة الإنسانيّة نفسها، وتحمل في جوهرها عاملًا بشريًّا واضحًا.

وعلى سبيل المثال، نرى في أفلام نهاية العالم، كسلسلة أفلام «المدمّر» (Terminator)، أو فيلم «الخالق» (The Creator) من إنتاج عام 2023، أنّ الذكاء الاصطناعي ـ الذي هو في الأصل من صنع الإنسان نفسه ـ يتحوّل إلى تهديد خطير لاستمرار حياته، ويسهم في تدمير جزء كبير من الحضارة البشريّة. وبهذا التصوير، يجري التأكيد على أنّ الانحراف في توظيف منجزات الإنسان العلميّة والتقنيّة قد يرتدّ عليه بصورة كارثيّة.

الوظيفة الثالثة: توظيف اللغة الساخرة لتقليل الخوف من أحداث آخر الزمان

تُعَدّ أفلام نهاية العالم ذات الطابع الكوميدي من النتاجات التي شهدت ازديادًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. وتُشكّل أفلام مثل «هذه هي النهاية» (This Is the End) و**«نهاية العالم» (The World’s End)** من إنتاج عام 2013 نماذج بارزة لهذا الاتجاه في سينما هوليوود، حيث جرى تقديم الأحداث الأخرويّة بلغة ساخرة وطابع هزلي.

ومن أبرز وظائف توظيف السخرية في هذا النوع من الأفلام التخفيف من حدّة الخوف والقلق إزاء الوقائع الأخرويّة المروّعة. ففي الواقع، إنّ تكرار مواجهة المتلقّي لمثل هذه الصور، مقرونةً بجرعة من المزاح والدعابة عند تصوير أحداث كارثيّة جسيمة، يؤدّي تدريجيًّا إلى تغيّر زاوية النظر إليها، بحيث تغدو نظرة مسامِحة أو ساخرة، ويُسهم ذلك في تقليص مستوى الخوف العام والرهبة النفسيّة المرتبطة بتلك الوقائع.

محاولة تقديم نموذج بديل للمنقذ الإسلامي

يُعَدّ مسلسل «المسيح» (Messiah)، الذي أُنتج عام 2020م، من أكثر الأعمال الدراميّة الهوليووديّة إثارةً للجدل خلال السنوات الأخيرة.

ويؤدّي دور «المسيح/المسيحا» في هذا المسلسل الممثّل المسلم مهدي دهبي. وعلى الرغم من أنّ كُتّاب العمل حاولوا، في الإطار الظاهري للسرد الدرامي، تقديم شخصية «المسيح» بوصفها شخصية عابرة للانتماءات الدينيّة المحدّدة، وتركوا أمر تحديد هويّته العقديّة للمشاهد، إلّا أنّ الصورة الإسلاميّة لهذه الشخصية تطغى بوضوح على سائر التصوّرات الدينيّة الأخرى.

فالمنقذ الذي يُنكر في مشاهد متعدّدة أيّ طابع ألوهيّ له، لا يقوم في الوقت نفسه بنفي الألقاب المقدّسة التي يُنادى بها طوال أحداث المسلسل، من قبيل: المسيح، النبي، الإمام، ابن الله، عيسى. وهذا التناقض المقصود يضفي على الشخصية حالة من الغموض المركّب.

وتُقدَّم هذه الشخصية على أنّها خرّيج العلوم السياسيّة من ولاية ماساتشوستس الأمريكيّة، يتمتّع بذكاء حادّ، يمكّنه من الإفلات بدهاء من جميع الأزمات والضغوط التي تُفرض عليه، ويمضي قُدمًا في تحقيق أهدافه الملتوية خطوةً بعد أخرى. وعلى الرغم من أنّ المسلسل يسعى، من جهة أولى، إلى عدم تقديم هذه الشخصية صراحةً بوصفها منقذًا إسلاميًّا، ومن جهة ثانية إلى عدم ترسيخ صورة سلبيّة واضحة عنها في ذهن المتلقّي، فإنّ كلا الأمرين يبدوان جليّين بوضوح في الطبقات العميقة والخفيّة للعمل.

العِلم بوصفه المنقذ الوحيد للبشريّة

في أفلام نهاية العالم التي تنتجها سينما هوليوود، تُعرَض نماذج متعدّدة من «المنقذين»، بطرائق وأساليب مختلفة لتحقيق الخلاص.

ويُعَدّ مسلسل «مشكلة الأجسام الثلاثة» (3 Body Problem)، الذي عُرض موسمه الأوّل عام 2024م، والذي وُصف بأنّه أضخم إنتاج درامي لمنصّة نتفليكس من حيث التكلفة، نموذجًا متكاملًا لرؤية أخرويّة قائمة على العِلم. فالمسلسل، الذي يدور محوره حول إشكاليّة فيزيائيّة ممزوجة بأبعاد سياسيّة، يفترض أنّ كائنات فضائيّة ستصل إلى الأرض بعد أربعمئة عام، بهدف القضاء على الجنس البشري.

وفي هذا السياق، يظهر فريق من البشر ينتظر قدوم هذه الكائنات بشغف، بل ويُضفي عليها صفة الألوهيّة، في حين يبذل فريق آخر أقصى جهده لمنع وقوع هذه الكارثة الأخرويّة، اعتمادًا حصريًّا على المعرفة العلميّة والتقدّم التقني البشري، مع نفيٍ كامل لأيّ دور للقوى الإلهيّة أو الغيبيّة.

ويجدر التنبيه إلى أنّ الأعمال التي تؤكّد على العِلم بوصفه المنقذ الأوحد، وتنفي أيّ شكل من أشكال الخلاص الإلهي، لها نماذج كثيرة ومتكرّرة في سينما الغرب.

وللحديث بقيّة

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل