روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«إن الله تعالى نصب في السماء السابعة ملكاً يقال له الداعي، فإذا دخل شهر رجب ينادي كل ليلة إلى الصباح: طوبى للذاكرين، طوبى للطائعين، ويقول الله تعالى: أنا جليس من جالسنِي ومطيع من أطاعني وغافر لمن استغفرني الشهر شهري والعبد عبدي والرحمة رحمتي، فمن دعااني في هذا الشهر أجبتُه ومن سألني أعطيته ومن استهداني هديته وجعلت هذا الشهر حبلا بيني وبين عبادي فمن اعتصم به وصل إليَّ».
شرح الحديث:
روُي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى نَصَبَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ الدَّاعِي، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ نَادَى كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْهُ إِلَى الصَّبَاحِ».
فحين يدخل شهر رجب، يُؤمَر هذا المَلَك أن ينادي من أول الليل إلى الصباح بهذه الكلمات المباركة: «طُوبَى لِلذَّاكِرِينَ، طُوبَى لِلطَّائِعِينَ»
ثمّ يبلّغ المَلَك كلامًا عن الله تعالى فيقول: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا جَلِيسُ مَنْ جَالَسَنِي، وَمُطِيعُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَغَافِرُ مَنِ اسْتَغْفَرَنِي».
وهذه العبارات تفيض بمعانٍ دقيقة وعجيبة؛ إذ يُظهِر سبحانه كمال لطفه بعباده: فمن يجالس الله بذكره ومناجاته، يجالسه الله تعالى بنوره وأنسه، ومن يطيعه بإخلاص، يجد الله تعالى في جانبه، يطيعه بمعنى الاستجابة له وقضاء حاجاته، ومن يستغفره، غفر له بلا تأخير.
ثمّ يقول سبحانه: «الشَّهْرُ شَهْرِي، وَالْعَبْدُ عَبْدِي، وَالرَّحْمَةُ رَحْمَتِي».
أي: هذا الشهر (رجب) شهري أنا، والبشر عبادي، والرحمة رحمتي أنثرها عليهم كيف أشاء.
وقد وردت في فضل شهر رجب روايات كثيرة، كلها تؤكد أنه شهر الرحمة الإلهية.
وفي حديثٍ آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «يُسَمَّى شَهْرُ رَجَبٍ الأَصَبَّ، لأَنَّ الرَّحْمَةَ فِيهِ تَصُبُّ صَبًّا عَلَى أُمَّتِي»،
وقد نقل العلّامة المحدّث القمي هذا الحديث في كتاب مفاتيح الجنان.
ويتابع الحديث القدسي: «فَمَنْ دَعَانِي فِي هَذَا الشَّهْرِ أَجَبْتُهُ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَنِ اسْتَهْدَانِي هَدَيْتُهُ.»
أي من دعاني في هذا الشهر، أجبته، ومن طلب مني حاجة قضيتها له، ومن التمس مني الهداية، هديته وأرشدته إلى الطريق القويم.
ثمّ يقول جلّ شأنه: «جَعَلْتُ هَذَا الشَّهْرَ حَبْلًا بَيْنِي وَبَيْنَ عِبَادِي، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَصَلَ إِلَيَّ.»
أي جعلت شهر رجب كالحبل المتين الممتدّ بيني وبين عبادي، فمَن تمسّك به — أي مَن اغتنم أنواره وعباداته — وصل إليَّ، نال القرب والوصال.
ومن هنا ورد في الروايات أنّ رجب شهرُ الله، وأنّ شعبان شهرُ النبي (ص)، أمّا رمضان فهو شهرُ الأمة.
فقد ورد أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي، وَرَمَضَانُ شَهْرُ أُمَّتِي.»
وهكذا تتضح العلاقة الروحية بين هذه الأشهر الثلاثة المباركة: فشهر رجب هو باب الرحمة الإلهية، وشهر شعبان هو ميدان القرب النبوي والشفاعة، وشهر رمضان هو ذروة الضيافة الإلهية.
والنبيّ (ص) يختم خطبته بقوله: «شَعْبَانَ شَهْرِي، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَعَانَنِي عَلَى شَهْرِي.»
أي رحم الله من شاركني في شرف هذا الشهر، بالإكثار من الصلاة والسلام عليّ، وبالاستغفار والطاعة، فإنّ في ذلك عونًا لي على رفع أعمال أمّتي إلى الله تعالى.
وعلى الرغم من كثرة الأعمال الصالحة كالصيام والصدقة، التي تُعدّ من الفضائل العظيمة، إلا أن العمل الأسمى والأكثر جوهرية بينها، وفقًا لما سيُوضح، هو الاستغفار.
يُرجى التدقيق في هذه النقطة، فقد لا يتطرق إليها الكثيرون؛ فالفعل الأول والأبرز هو الاستغفار. إن قيمته تفوق سائر الأعمال، ويأتي في المقام الأول.
يتساءل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسلوب استعطافي: “لماذا لا تعينونني؟ أنا رحمة للعالمين، أبتغي في شهري هذا أن يُغفر لكم جميعًا. هلمّوا لمساعدتي.”
ويتابع: “أودّ أن أُطهركم في شهر شعبان. فتعالوا وأعينوني، وبماذا يكون ذلك؟ باستغفاركم الذي تتلونّه.”
ويتضح من هذا النداء النبوي أن هناك توجيهًا خاصًا. وقد أردت عرض هذه النقطة لأن أحدهم سألني بالأمس، بعد الصلاة، عن أفضل الأعمال، فأجبت: الاستغفار. ويبدو أن السائل استخفّ بالأمر، ظانًا أنه بسيط؛ بيد أن هذا ليس صحيحًا. فلو حرص الإنسان بوعيٍ والتزامٍ على الاستغفار في هذا الشهر، فإن الله تعالى، طبقًا للروايات، “يجعل له فرجًا ومخرجًا”، فيزيل عنه الهموم، وينقذه من الضيق، وييسّر له رزقه.
وقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: “شعبان شهري، رحِمَ اللهُ من أعانني على شهري.” ما المقصود بذلك؟
يرى بعض أهل المعرفة، في سياق السلوك إلى الله تعالى، أن شهر شعبان يُعدّ من “منازل العمر” للسالك إلى الله. ولتوضيح ذلك، لنفترض أن أحدهم كان في الماضي يرغب في السفر من مكان ما إلى مشهد (على سبيل المثال)، فكان يسلك طريقًا عبر “منازل” متتالية، تبلغ المسافة بين كل منها عادةً أربعة فراسخ. بهذه الطريقة، كانوا يقطعون المسافات سيرًا على الأقدام أو بالمركبات العادية حتى بلوغ المقصد. وهكذا، يُشَبّه شهر شعبان بأنه أحد هذه المنازل في رحلة عمر السالك إلى الله تعالى.
يشير هذا التشبيه إلى أن هذا الشهر، وهذا الجزء من العمر، يتضمن حركة نحو الروحانية تقرّب الإنسان من الخالق. لقد سعيت لتقديم هذا التوضيح كمقدمة لبيان قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):
“شَعْبَانَ شَهْرِی”؛ هذا المنزل من عمركم هو خاص بي. لماذا؟ لأن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين. ففي هذا الجزء من العمر، أنا أمدّكم بالعون، فكونوا أنتم أيضًا عونًا لي. هل استوعبتم؟ انتبهوا جيدًا، أردت القول إن هذا الشهر هو شهري>
وبذلك يصبح شهر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). وتجدر الإشارة إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقدم في هذا الشهر نوعًا خاصًا من العناية لأمته.
يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “فأعينوني”. ما معنى هذا؟ الأمر أشبه بمن يريد أن يسير ويقطع مسافة للوصول إلى مكان ما، ويأتيه من يعينه على المسير؛ فالخطوات الأساسية يجب أن تكون من السالك نفسه، بينما يأخذ المعين بيده ويشدّ من أزره لإتمام الرحلة.
فإذا ظلّ السالك واقفًا في مكانه، لا يخطو خطوة واحدة، فماذا سيفعل المعين حينها؟ لا سبيل للعون. يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “شَعْبَانَ شَهْرِی”؛ ولكن “فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَعَانَني عَلَی شَهْرِی” (رحم الله من أعانني على شهري). إنه شهر أقدم فيه العون لكم، ولكن ماذا عنكم؟ أنا أساعد، وأنتم عليكم أن تخطوا الخطوات. أنا سأكون سندًا لكم.
ما هي خطوات العبد والسالك إلى الله تعالى في هذا الشهر؟ لا يسعني الخوض في تفاصيل جميع الأعمال، لكني سأركز على عمل واحد يُستفاد من مجموع الروايات، ألا وهو الاستغفار.
إذا نظرتم إلى أعمال هذا الشهر، ستجدون تركيزًا كبيرًا على الاستغفار؛ فهو أحد أهم خطوات التقدم. ففي الروايات، ورد أن استغفارًا واحدًا في شهر شعبان يعادل سبعين ألف استغفار في الأوقات الأخرى. انظروا إلى هذا المضاعفة الهائلة، إنها بمقدار ألف ضعف!
إحدى هذه الخطوات المهمة، كما تلاحظون، هي الاستغفار. وقد أردت أن أقدم هذا التوضيح. ولذلك، انظروا كيف ورد هذا الأمر بصيغ متعددة، لا سيما مع التشديد على الاستغفار سبعين مرة كل يوم. ألم تروا ذلك؟
انظروا الآن إلى آداب الشهر في كتاب “مفاتيح الجنان”؛ ستجدون هذا مذكورًا هناك. إن سبعين مرة هو الحد الأدنى. وهذا الاستغفار بسبعين ألفًا، يرفع درجته. تذكروا قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): “أستغفر الله وأسأله التوبة.” هذا هو النص، وهناك نصوص أخرى أيضًا، لكن هذا النص يُتلى سبعين مرة يوميًا. انذكرت ما قلت؟
ولقد رويت مرة هذا الحديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال: “إن الله تبارك وتعالى يغفر للمذنبين، إلا من لا يريد أن يغفر له.” أي أن الله يغفر للمذنبين، ما لم يرفض الإنسان بنفسه المغفرة.
الله يغفر ويعفو، إلا إذا لم ترغب أنت في أن يغفر لك الله. هل هذا ممكن؟ انتبهوا جيدًا: “إلا من لا يريد أن يغفر له”؛ أي إلا من يختار ألا يغفر الله له. فسئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “يا رسول الله، من الذي لا يريد أن يغفر له؟” فأجاب فورًا: “قال: من لا يستغفر.” فالذي لا يستغفر هو من لا يريد أن يغفر الله له.
وبناءً على ذلك، بما أننا اليوم في أول أيام شهر شعبان أردت أن أنوّه إلى أهمية الاستغفار. أما بقية الأعمال من صيام وغيرها، فهي كثيرة ولم أرد الخوض فيها حاليًا، لكنني أردت التأكيد بشكل خاص على هذا الأمر، وهو ألا تهملوا الاستغفار.
الهوامش:
- بحار الأنوار، ج 90، ص 284.
- مستدرك الوسائل، ج 5، ص331
- إقبال الأعمال، ج 2، ص 317.
- وسائل الشيعة، ج 10، ص 508.
- مستدرك الوسائل، ج 12، ص 122.
المصدر: مقتطف من جلسات الأخلاق لآية الله مجتبى تهراني.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





