لماذا لا تُعدّ مفهوما «المحاربة» و«البغي» مفاهيم دقيقة لتفسير الاضطرابات الاجتماعية-السياسية؟

شبكة الاجتهاد:
ليس بسبب الدعوة إلى ما يُسمّى «الإسلام الرحماني» أو الرفض المطلق للعنف، ولا بدافع الاختلاف الديني في الرأي أو الحسابات والمصالح السياسية،
ولا لأن أحداً لا يُتَّهَم بهذه العناوين في احتجاجات واضطرابات العقد الأخير في إيران؛

بل لأن الاضطرابات هي، أولاً، ظواهر اجتماعية-سياسية، ثم تأتي بعد ذلك في مرتبة ثانية باعتبارها قضايا قضائية-فقهية.
فهي تحتاج في المرحلة الأولى إلى التفسير والوصف، وبعد ذلك فقط يأتي دور الحكم أو العقوبة.

ومن أجل الوصف، توجد في السيرة والتراث مفاهيم خاصة.
إن إدراج أي «ظاهرة» تحت «مفهومها الأساس» هو أعظم خدمة يمكن تقديمها لـ التفسير الصحيح لها.

غير أن مفهومي «البغي» و«المحاربة» لا يستوعبان اتساع هذه الظاهرة؛ فهما لا يتمتعان لا بصفة الشمول ولا بصفة الضبط والمنع،
ولهذا فهما أنسب لأن يكونا أداة بيد القاضي أكثر من كونهما أداة بيد المبلّغ والمفسِّر.

فهما غير شاملين؛ لأنه:

  1. في عهد الإمام عليّ عليه السلام، كان هناك كلّ من: «تجمعات احتجاجية» (انظر الرسالة 19)، واضطرابات ليلية نوعاً ما أحياناً تؤدي إلى القتل، والتي كان يسميها الإمام «الهائشات».
    هذه الحالات لا تُصنّف تحت حكم البغي أو المحاربة، بل يتم دفع دية القتيل من بيت المال!

تصنيف قتلى احتجاجات نوفمبر 2019 وموافقة القيادة على ذلك، يقوم على أساس أن بعض الفئات أخذت دية.

  1. البغي، إذا تضمن قتالاً، فإنه يمكن أن يكون له حكمية؛ كما أن أول اقتراح للحكمية للباغين قدمه الإمام عليّ عليه السلام قبل «الحكمية المفروضة في صفين» في الجمل (انظر الرسالة 54).
    لكن الغارات وعمليات الإرهاب المنظمة من قبل العدو، مثل باقي أشكال الاضطرابات، ليست كذلك.

لو كان الإمام يرى الغارات بمعنى البغي والمحاربة، لما ظهر المسبب الرئيسي (معاوية) في «المرتبة الأولى»؛ بينما ركّز الإمام في التفسير عليه، ونسَب ست عمليات إرهابية إليه: «إن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجاب…».

في الخطبة 27 (العملية الإرهابية لسفيان بن عوف الغامدي في اليمن) صاغ الإمام الخطبة تحت عنوان «الجهاد ضد معاوية»، وفي الحقيقة كأنها إحياء لصفين.
وهنا يظهر الفرق الكبير بين التفسير القضائي وبين التفسير التحليلي السياسي والاجتماعي للظاهرة.

  1. القرآن أيضًا يبيّن البغي الاقتصادي («إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ») ومحاربة النظام المالي الربوي (البقرة: 279).
    لكن على الأقل الفقه والقضاء التقليدي لا يعتبران ما يسمى بـ «قارونية» (وهي ليست بالضرورة اختلاساً أو فساداً اقتصاديًا شائعاً) بغيًا فقهيًا، ولا يُعدّ الربا محاربة شرعية.

مع ذلك، قد تكون أحيانًا البغي الاقتصادي على طريقة قارون أو محاربة النظام النقدي والمالي عاملًا للاحتجاجات والاضطرابات (كما فسّرها قائد الثورة الإسلامية).

إذا نظر مفسّر الاضطرابات من منظور القاضي إلى الأمر، وفسّر الظاهرة بمفاهيم البغي والمحاربة، فإن الضحية الأخيرة المباشرة ستكتسب وزناً أكبر، بينما المسؤولون الرئيسيون والخلفية ستصبح أقل وضوحًا!

لا يمكن إبرازهم بشكل أكبر وإعطاء الحكم الصارم (وهو المفهوم الأساسي للتفسير) للفاعل الأخير فقط!
لذلك، مفاهيم المحاربة والبغي تناسب القاضي أكثر من المبلّغ أو المفسّر السياسي للمشهد.

أما سبب أنها ليست مانعة فهو:

  • العديد من حالات المحاربة وحمل السلاح والترهيب لا يكون لها أصل سياسي (داخلي أو خارجي).
  • عمليات السرقة والخطف لأغراض شخصية أو قبلية لها سياق مختلف.

ويبدو أن تفسير اضطرابات 1996، و2019، و2021، و2022 باستخدام مفاهيم غير البغي والمحاربة من قبل قائد الثورة الحكيم، رغم أن بعض الحالات اعتبرت محاربة أو بغي، يأتي من هذا المنطلق.

الأمر الأكثر إثارة للاهتمام أن الإمام (القائد) لديه ابتكار فقهي في مفهوم الجهاد، فهو لا يطبقه على الكافر فقط، بل على «الطاغوت المحارب» (داخلي أو خارجي)، ويرى أن أي حركة أو محاولة تهدف إلى الإطاحة بالنظام تعتبر بداية المحاربة (79/12/9).
مع ذلك، لا يستخدم هذا المفهوم كأساس لتفسير اضطرابات هذا العقد، لأنه يرى المشهد طبقة بطبقة، ويعتبر أن بعض أشكال الفتنة فقط هي محاربة (73/6/20).

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل