فيما يلي نص الرسالة التي أرسلها العالم الرباني الحاج ميرزا جواد آقا الملكي التبريزي إلى جناب آية الله الحاج الشيخ محمد حسين الكمباني – رضوان الله تعالى عليهما – من دستور العمل.
بسم الله الرحمن الرحيم
فداك نفسي…
ينبغي للإنسان أن يُقَلِّل من الطعام والراحة مقدارًا زائدًا على المعتاد، لكي يقلّ جانب الحيوانية وتقوى الروحانية.
(وكان يحدّد ميزان ذلك فيقول):
- أولًا: لا يأكل الإنسان في اليوم والليلة أكثر من مرتين، حتى إنّه لا يتناول التنقّل بين الغذاءين.
- ثانيًا: كلما أكل، فليكن أكلُه مثلًا بعد ساعة من الجوع، وليأكل بحيث لا يصير شبعان على التمام.
وهذا في تقليل الكمّ، وأما الكيف: فغير الآداب المعروفة، لا يُكْثِر من اللحم؛ بمعنى ألّا يأكل ليلًا ونهارًا معًا، وأن يترك في كل أسبوع مرّتين أو ثلاثًا كِلا الوقتين؛ أي يترك اللحم ليلًا ونهارًا في تلك الأيام.
ومن ذلك أيضًا: إن استطاع ألا يأكل للتكيّف (لأجل اللذة)، ولا محالة أن لا يكون أكّالًا للمكسّرات؛ فإن اتفق أن النفس طالبت المكسّرات كثيرًا في وقت ما، فليستخرْ.
وإن استطاع، فلا يترك صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وأما تقليل النوم؛ فكان يقول: ليكن في اليوم والليلة ست ساعات، لأجل عدم الوصول إلى المطلوب.
ثانيًا: ما استطاع، فلا يترك الذِّكر والفِكر؛ فهذان جناحا السير في سماء المعرفة.
وفي الذِّكر كان عمدته توصيةُ أذكار الصباح والمساء، وأهمّها ما ورد في الأخبار، وأهم تعقيبات الصلاة الصلوات، والأشدّ أهميةً ذكرُ وقت النوم الوارد في الأخبار المأثورة، لا سيما أن ينام متطهّرًا على حال الذكر.
وأما قيام الليل فكان يقول: في الشتاء ثلاث ساعات، وفي الصيف ساعة ونصف.
وكان يقول: إنّي في سجدة الذكر اليونسي – أي في المواظبة عليه بحيث لا يُترَك في اليوم والليلة، وكلما زاد كان أثره أزيد، وأقلّ الأقلّ منه أربعمائة مرة – قد رأيت آثارًا كثيرة؛ وأنا نفسي جرّبت، وبعضٌ أيضًا يدّعون التجربة.
ومنه أيضًا: القرآن، يُقرأ بقصد الإهداء إلى حضرة خاتم المرسلين صلوات الله عليه وآله.
وأما للمبتدئ، فكان يقول: ليفكّر في الموت، إلى أن نعرف من حاله أنّه من مواظبة هذه المراتب قد صار مُتَحيِّرًا قليلًا (غَيْجًا)، وقد حصل له استعدادٌ ما؛ حينئذٍ كنّا نلفته إلى عالم خياله حتى يلتفت بنفسه:
يقضي أيامًا ولياليَ يفكّر في هذا: أن يفهم أن كل ما يتخيّله ويراه هو نفسه ومن نفسه، وليس خارجًا عنها. فإن ملك هذا، رأى نفسه في عالم المثال؛ أي فهم حقيقة عالم مثاله، فإذا ملك هذا المعنى، كانوا يقولون له:
يجب تغيير الفكر، ومحو جميع الصور والموهومات، والتفكّر في العدم؛ فإن ملك هذا، لا محالة يقع تجلّي سلطان المعرفة؛ أي ينال تجلّي حقيقة نفسه بنورانيةٍ بلا صورة ولا حدّ، مع كمال البهاء، وإذا رآه في حال الجَذبة فهو أفضل، بعد أن يجد الطريق إلى ترقيات العوالم العالية.
وكلما سار، وجد أثر سيره حاضرًا؛ وذلك لترتيب هذه العوالم، إذ ينبغي للإنسان أن يترقّى أولًا من عالم الطبيعة إلى عالم المثال، ثم إلى عالم الأرواح والأنوار الحقيقية، والبراهين العلمية على ذلك لديكم حاضرة.
ومن الغريب أنّ التصريح بهذه المراتب قد وقع في سجدة دعاء ليلة نصف شعبان – وهو أوان وصول هذه المراسلة – حيث يقول:
«اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدَ سَوَادِي وَخَيَالِي وَبَيَاضِي».
تفسيرًا: السواد هو عالم البدن، والخيال عالم الفكر والذهن، والبياض عالم الروح والنفس الناطقة.
وأصل المعرفة إنما هو حين تفنى هذه الثلاثة؛ لأن حقيقة السجود هي الفناء؛ إذ «عند الفناء عن النفس بمراتبها يحصل البقاء بالله». رزقنا الله وإخواننا ذلك بمحمد وآله الطاهرين.
وعلى أي حال، فإنّي لست – والحمد لله – محرومًا من عوالم الدعاء لإخواني، وقد جعلت دعاءَ وجودكم الشريف وجماعةٍ من الإخوان وِردًا ليليًا…
وحدُّ تكميل فكر عالم المثال – وبعده تكون مرحلة محو الصور – هو: إمّا أن يلتفت الإنسان بنفسه فيرى الحقيقة عيانًا، أو يداوم الفكر حتى ينتقل من العلمية إلى العيان؛ حينئذٍ يمحو الموهومات ويتفكّر في العدم، حتى يقع له التجلّي من جهة حقيقته.
قطعة من رسالة المرحوم الحاج ميرزا جواد آقا الملكي التبريزي إلى المرحوم الحاج محمد حسين الكمباني.
ويقول آية الله حسن زاده الآملي: هذه كانت تمامَ النسخة التي استنسخناها بلا زيادة ولا نقصان. ولمّا تشرفتُ بحضور الأستاذ العلّامة الطباطبائي لتقديم الأصل، عرضت عليه سؤالًا: سيدنا لقد كتب في ذيلها «قطعة من رسالة المرحوم الحاج ميرزا جواد آقا الملكي التبريزي إلى المرحوم الحاج محمد حسين الكمباني»، فكيف نحصل على بقيتها وأصلها؟
فقال: إنّي رأيت أصلها؛ وما كان من دستور العمل فيها هو هذا القدر الذي استنسختموه، والباقي كان أحوالًا وسلامًا.
المصدر: رسالة لقاء الله، ص 267، الحاج ميرزا جواد آقا الملكي التبريزي.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





