سماحة الشيخ كاظم صديقي: نحافة أبدان المتقين تجلٍّ لنمط الحياة الإيمانية وجوهر العبودية

أفادت وكالة “حوزة” للأنباء من طهران، أن الأستاذ في الحوزة العلمية، فضيلة الشيخ كاظم صديقي، تناول في درسه الأخلاقي الأسبوعي تبيين إحدى سمات المتقين استناداً إلى وصف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في قوله: «أبدانُهُم نَحيفة». وأكد فضيلته أن نحافة أبدان أهل التقوى ليست علامة ضعف، بل هي مظهر من مظاهر العبودية، والاستعداد الدائم، والعشق الإلهي، والحياة الهادفة؛ مشيراً إلى أن الجسد الرشيق والمتناسب هو الأكثر تأهباً للتهجد في السحر، وإطالة الصلاة، والمشي نحو العتبات المقدسة، وخدمة عباد الله، والحضور الفاعل في ميادين الجهاد.
وفي معرض شرحه لمفهوم الصلاة، أوضح الشيخ صديقي أن الصلاة لا تقتصر على الأداء الظاهري، مستشهداً بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء كميل: «حتى تكون أعمالي وأورادي كلها ورداً واحداً»، وهو ما يعني بلوغ الإنسان مقاماً تكون فيه سائر أفعاله خالصة لوجه الله. فمثل هذا الإنسان في صلاة دائمة، واللذة التي يجدها في الوصال الإلهي لا تضاهيها لذة؛ إذ الغاية من تشريع الصلاة هي ربط القلب بالخالق، وهناك من المؤمنين مَن هم في حالة وصال مستمر لا يغادرون فيها الحرم الإلهي أبداً.
واستطرد فضيلته في تحليل خطبة المتقين، موضحاً أن “نحافة الأبدان” لدى أهل التقوى لا تنجم عن علة أو مرض، كما أن حزن المؤمن ليس حزناً تدميرياً، بل هو “حزن المسؤولية” ولوعة الهجران والقلق من التقصير في أداء الواجب، وهو حزنٌ محفّز يدفع بالمرء نحو الحركة والتكامل.
وأكد الأستاذ الحوزوي على ضرورة قوة المؤمن، مشيراً إلى دعاء الإمام علي (عليه السلام) بأن يسخر الله شبابه وقوته الجسدية في سبيل الطاعة. ومع ذلك، فإن أهل البصيرة يديرون أجسادهم بوعي؛ فكما تُضمَّر الخيل العربية لتكتسب الرشاقة والسرعة، فإن الجسد هو مطية الروح، ويجب أن يظل منضبطاً ورشيقاً ومستعداً للخدمة.
وشدد الشيخ صديقي على أن التوازن الجسدي يمنح المؤمن حيوية أكبر للقيام بمهامه العبادية والاجتماعية، لافتاً إلى أن المتقين، عبر تنظيم الغذاء والنشاط البدني، يمنعون أجسادهم من حمل الأعباء الزائدة (السمنة) حفاظاً على نشاطهم الروحي.

وفي سياق متصل، استذكر فضيلته وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) لأحد إخوانه في الله، حيث قال إنه كان يرى الدنيا صغيرة في عينه لأنه لم يبع نفسه لها، مؤكداً أن قيمة جسد الإنسان هي “الجنة” كما ورد عن الإمامين علي والصادق (عليهما السلام)، وضياع الجسد في الأهواء يعني خسارة تلك القيمة العظيمة.
كما أشار إلى دور التغذية في صحة الروح والبدن، معتبراً الغذاء “وقوداً” للحركة لا “هدفاً” للحياة، مستشهداً بـ “الرسالة الذهبية” للإمام الرضا (عليه السلام) التي توصي بالاكتفاء بوجبات محددة للحفاظ على توازن البدن، ومفرقاً بين “البدن القوي” و”البدن السمين”، حيث كان جسد المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) مثالاً للقوة والصلابة لا للسمنة.

وختم الشيخ صديقي بالإشارة إلى أن “العشق الإلهي” هو المحرك الأساس لنحافة أبدان الأولياء، فالعشق يُفني الجسد في سبيل المحبوب، مستشهداً بحال سبايا كربلاء الذين لم تلهج ألسنتهم بالشكوى رغم مرارة الطريق وآلامه، لأن العاشق الحقيقي لا يعرف الكلال أو الملل.
وضرب فضيلته أمثلة من كبار العلماء، كالمرحوم آية الله العظمى البهجت وأستاذه المحقق الأصفهاني، مبيناً أن هؤلاء العظماء -رغم عباداتهم الشاقة وانشغالهم الدائم بالتدريس والمطالعة وتربية الأجيال- كانوا يتمتعون دوماً بسلامة الجسد ونشاط الروح، وما بركة أعمارهم إلا ثمرة لتلك الرؤية الإلهية العميقة.
ثم أشار إلى دأب أولياء الله على الصيام والقيام، موضحاً أن كثيراً منهم كانوا يتوقون للقاء الله وهم صائمون، كالسيدة نفيسة خاتون (من حفدة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام) التي قضت سنين من عمرها صائمة، وأبت أن تفطر حتى في يومها الأخير لتلقى ربها وهي في حالة صيام.
وفي الختام، استذكر الشيخ صديقي مظلومية السيدة فاطمة الزهراء والإمامين الكاظم والحسين (عليهم السلام)، مؤكداً أن نحافة أبدان هؤلاء العظماء كانت نتاج العشق والمظلومية وتحمل المشاق العظيمة في سبيل الله؛ مكرراً قوله بأن نحول أجساد أهل التقوى ليس علامة وهن، بل هو آية العبودية، ودلالة التأهب المستمر، وعنوان العشق الرباني، ومظهر الحياة الهادفة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل