تحليل الأجر والثواب المذهل لبعض الأعمال

السؤال: وردت في بعض الروايات أجور عجيبة لبعض الأعمال؛ فعلى سبيل المثال، قال الإمام الجواد (عليه السلام): «من قرأ سورة القدر عشر مرات بعد العصر، أُعطي مثل أجور أعمال الخلائق كافة». كيف يمكن تحليل مثل هذه الأحاديث لأنها غير قابلة للإدراك حقاً؟

الجواب: في الآفاق الواسعة للتعاليم الدينية، نواجه روايات تحتوي في ظاهرها على أجور ومكافآت كبرى ومذهلة أحياناً للقيام بأعمال محددة. هذه النوعية من الروايات كانت وما زالت موضع اهتمام العامة والعلماء على حد سواء. يتناول هذا النص تحليل وفهم بعض هذه الروايات، مما يتيح فرصة للتعمق أكثر في المفاهيم الدينية وإدراك الحكمة الإلهية بشكل أفضل:

1. دراسة السند والرواة: الخطوة الأولى في دراسة الروايات المتعلقة بالأعمال وأجورها هي الالتفات إلى مصدر وسند الرواية، للتأكد من كونها معتبرة وموثوقة من حيث الصدور. وبالنسبة للرواية المسؤول عنها فقد نقلها الشيخ الطوسي عن الإمام الجواد (عليه السلام) دون ذكر السند: «مَنْ قَرَأَ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَهِ الْقَدْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ عَشْرَ مَرَّاتٍ مَرَّتْ لَهُ عَلَی مِثْلِ أَعْمَالِ‏ الْخَلَائِقِ‏ یَوْمَ الْقِیَامَهِ». كما نقل هذه الرواية السيد بن طاووس بسند ضعيف، وفي نقله لم تَرِد عبارة “يوم القيامة”.

2. مكانة التقوى في قبول الأعمال: كجزء جوهري ومصيري في الإجابة، نقول: إن الأعمال المستحبة لا تُقبل ولا تنال تلك الأجور العظيمة إلا إذا رُوعي فيها شرط “التقوى” الإلهية الحيوي. فالتقوى شرط لقبول جميع الأعمال العبادية، وأداء جميع الواجبات الشرعية كالحج والجهاد هو من أركان التقوى. وقد ربط القرآن الكريم قبول الأعمال بوجود التقوى في قوله تعالى: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (سورة المائدة، الآية 27).

فإذا انشغل شخص بالأعمال المستحبة كالزيارة بينما كان تكليفه الشرعي هو الحج أو الجهاد، فإنه لن ينال ثواباً فحسب، بل سيُساءل ويُحاسب في المحكمة الإلهية لتركه الواجب وقلة تقواه. لذا فإن قبول الأعمال والمناسك منوط بالتقوى؛ وترك الواجبات بذريعة نيل ثواب المستحبات يخالف التقوى وهو نوع من العبث. قال الإمام علي (عليه السلام): «لَا قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ‏ بِالْفَرَائِضِ» (أي: لا تحقق النوافل قرباً من الله إذا ألحقت ضرراً بالفرائض). وفي قول آخر له: «إِذَا أَضَرَّتِ‏ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا».

3. الأجور الإلهية لا تتبع معاييرنا المادية: في المنظومة الفكرية الإسلامية، الله سبحانه حكيم، ومعاييره للثواب لا تتطابق بالضرورة مع معاييرنا الدنيوية. فكما أن عبادة ليلة واحدة في “ليلة القدر” تُعد خيراً من ألف شهر: «لَیْلَهُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»، فإن الله قادر على أن يعطي أجراً عظيماً لعمل صغير؛ مثل ثواب رد السلام، حيث نُقل عن الإمام علي (عليه السلام): «السَّلَامُ سَبْعُونَ حَسَنَةً، تِسْعٌ وَ سِتُّونَ لِلْمُبْتَدِی وَ وَاحِدَةٌ لِلرَّاد».

فأحياناً تعود عظمة الأجر إلى عظمة النية، أو لفرصة زمنية خاصة (كبعد العصر أو ليلة القدر)، أو لمكانة السورة كسورة القدر. هذه الأجور تُحدد بناءً على الرحمة والفضل الإلهي ودرجات القرب من الله، ولا تحدها قيود دنيوية.

ويجب الانتباه إلى أن “كيفية” الأعمال هي سبب الثواب العظيم وليس “كميتها”؛ تماماً كما أن بعض المحرمات أو المكروهات قد تكون قليلة كماً، لكن عواقبها الكيفية وخيمة جداً؛ فمثلاً الكفر للحظة واحدة يسبب الخلود في النار: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (سورة البقرة، الآية 39).

4. التحفيز والتربية العملية للإنسان: يمكن تحليل الكثير من هذه الأحاديث في إطار الأدب التربوي والتحفيزي. فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) يستخدمون هذه التعبيرات أحياناً لتشجيع الناس على أداء عبادات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكن لها آثاراً روحية واجتماعية عميقة. فعلى سبيل المثال، قد تبدو قراءة سورة القدر عشر مرات بسيطة، إلا أن لها تأثيراً معنوياً استثنائياً؛ لذا تُصنف مثل هذه الروايات عادةً ضمن الفئة التربوية أو التشجيعية، أي أن الثواب الجزيل ذُكر لتحفيز المؤمنين على ذكر الله أو تكرار سورة ذات محتوى عظيم (كسورة القدر). هذه المكافآت هي في الواقع أهداف ووسائل لتشجيع الإنسان وترغيبه نحو الكمال والتقرب إلى الله.

الخلاصة: من الواضح أنه مع فرض ترك الواجبات أو -العياذ بالله- ارتكاب المحرمات، لا يمكن لأي عمل مستحب، مهما عظم ثوابه، أن يجبر الخسران الناتج عن ترك ذلك الواجب أو ارتكاب ذلك الحرام. إن الروايات التي تذكر أجوراً عظيمة لأعمال صغيرة يمكن إجمال تحليلها فيما يلي:

أ. جودة الأعمال هي معيار الثواب العظيم لا كثرتها، كما هو الحال في المحرمات التي قد تكون قليلة في ميزان الكم لكنها جسيمة في ميزان الأثر.

ب. الأسلوب هو أسلوب تشجيعي وتربوي للترغيب في العبادة.ج. عظمة الأجر قد تعود لعظمة النية، أو لخصوصية زمانية، أو لمكانة العمل وسياقه.


الهوامش:

1. الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ج1، ص73، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ.

2. ابن طاووس، علي بن موسى، فلاح السائل ونجاح المسائل، ص199، بوستان كتاب، قم، الطبعة الأولى، 1406ه

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: هل الطّبيب يتوفّى شهيداً؟ بما أنّه ينقذ أرواح البشر ومع ذلك فإنّه يأخذ أجرته، وسمعت من قَبل أنّ الطّبيب ذو مكانة عالية عند الله وأعلى من مكانة الشّيخ المعممّ (طبعا إذا قلنا أنّهم يتساوون بالتّقوى والإيمان) فما مدى صحّة هذا الكلام؟ أرجو إخباري المزيد عن نظرة الشّرع بالطّبيب.
السؤال: ما الحاجة التي كانت لدى الله سبحانه وتعالى لخلق الإنسان؟
كيف يمكن التوفيق بين الحجاب وآية «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ»؟
سؤال: يُتداول أحيانًا أنّه عند ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) سيأمر بهدم بعض المساجد؛ فهل هذا القول صحيح؟ وهل المقصود مساجد معيّنة ومحدودة؟ وما الأساس أو العلّة في صدور مثل هذا الإجراء أصلًا؟
سورة النمل، آية 47، صفحة 381
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
ماذا تقصد الآية ب " طائركم عند الله "

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل