إنّ الصحيفة السجّادية وأدعية الإمام زين العابدين عليه السلام فتحت الطريق أمام تحرّر الناس ليحسنوا الاختيار ويميّزوا بين الحقّ والباطل، وقضت على حالة الاستخفاف والاستضعاف التي فرضها بنو أميّة على الأمّة عبر جهاز النخب الدنيويّة. لقد فكّت هذه الأدعية قيود الجهل والخوف والانحراف من قلوب الناس وعقولهم، وأعادت إليهم البصيرة الإلهيّة.
وكالة أنباء حوزة / عاش الإمام زين العابدين عليه السلام في ظروف بالغة القسوة، بعد الفاجعة العظمى في كربلاء، فببصيرة سماويّة ومعرفة عميقة بالواقعين السياسي والاجتماعي لعصره، وبإدراك دقيق لحقائق الميدان، تصدّى لتفسير وتبيين واقعة عاشوراء. ولم يكتفِ عليه السلام بالبكاء على الشهداء، بل حوّل عاشوراء إلى مدرسة تربويّة وثوريّة، ونقلها من مجرّد حادثة تاريخيّة إلى معيار حيّ دائم لتمييز الحقّ من الباطل، ولسبر الصراع بين جبهة الإيمان وجبهة الاستكبار.
وبحكمة تامّة، شخّص الإمام المرض العميق الذي أصاب المجتمع الإسلامي، والمتمثّل في الدنيويّة والترف الزائف والابتعاد عن المعارف الدينيّة الأصيلة، وشرع في معالجة الأمّة المريضة.
لقد فتحت الصحيفة السجّادية وأدعية الإمام عليه السلام طريق تحرّر الناس للاختيار الصحيح والتمييز بين الحقّ والباطل، وأزالت حالة الاستخفاف التي فرضها بنو أميّة على الناس عبر منظومة النخب الدنيويّة، وكشفت أبصارهم على حقائق الواقع. إنّ هذه الأدعية حلّت قيود الجهل والخوف والانحراف من القلوب والعقول، وأعادت للناس وعيهم الإلهي.
وكان الإمام السجّاد عليه السلام، من خلال الأدعية التي كان يتلوها في المسجد ويسمعها الناس، يفكّ الأغلال والقيود التي قيّد بها المنحرفون عن الدين، التابعون لجهاز الظلم والجور، أقدام الأمّة، ويفتح لهم طريق الهداية. فلم تكن أدعية الإمام مجرّد مجموعة من الابتهالات، بل كانت منهاجًا متكاملًا لتربية الفرد والمجتمع، وإعادة اكتشاف التوحيد الخالص، وإحياء القيم المنسيّة.
وقد قال الله تعالى في بيان فلسفة البعثة النبويّة: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
وهكذا أدّى الإمام عليه السلام وظيفته في هداية الأمّة، وصناعة الحرّيّة، وتمكين الناس من حقّ الاختيار بين الحقّ والباطل على أكمل وجه.
إنّ الإمام السجّاد عليه السلام، بتلاوته أدعية غنيّة بالمضامين في المسجد النبوي وفي سائر المحافل، كان يُفشل مشروع بني أميّة في إسكات الحقائق وطمسها. وكانت هذه الأدعية، التي تُقرأ أمام الجموع، في حقيقتها بياناتٍ سياسيّة‑عقديّة ودروسًا لإصلاح المجتمع، تخاطب القلوب والعقول، وتُبطل مساعي النخب الدنيويّة في إخفاء الحقائق. وبهذا أدّى الإمام عليه السلام مهمّته الجسيمة في هداية الأمّة وتهيئة فضاءٍ للاختيار الحرّ والواعي بين الحقّ والباطل، وخلّف تراثًا خالدًا لكلّ أحرار العالم وطالبي الحقيقة عبر التاريخ.
ولم يقتصر هذا الفعل الأصيل والواعي على تربية النفوس فحسب، بل أسّس لبنيةٍ راسخة لمؤسّسة علميّة خالدة، وهيّأ ببيان الحقائق الأرضيّة اللازمة لتحرير الناس من قيود المستكبرين، ليختاروا بأنفسهم. وبهذا الأسلوب أنجز الإمام السجّاد عليه السلام رسالته ذات الطابع النبوي، وأعاد للأمّة حرّيّة الاختيار وقوّة الوعي.
وقد تطوّر المذهب العلمي والحديثي للإمام السجّاد عليه السلام على يد ولده البارّ الإمام محمد الباقر عليه السلام، وحفيده الكريم الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ليُعرف بـ «الحوزة العلميّة الصادقيّة». وكانت هذه الحوزة، ولا تزال، منبعًا فيّاضًا لمعرفة أهل البيت عليهم السلام عبر القرون. فجميع الحوزات العلميّة الشيعيّة إلى يومنا هذا مدينةٌ لذلك الميراث الغنيّ، وتتغذّى من المائدة المباركة والعلم اللامتناهي لتلك الذوات المقدّسة المعصومة. وقد شكّل تلامذة كبار، كأبي حمزة الثمالي وجابر بن عبد الله الأنصاري وغيرهما، حلقات الوصل التي نقلت هذا العلم اللامحدود إلى الأجيال اللاحقة.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





