سبب “الإختلاف” الظاهري في بعض آيات القرآن

وكالة أنباء حوزة / يتناول كتاب «مائة وواحد مناظرة شيّقة وممتعة»، بقلم محمد محمدي الاشتهاردي، جمعًا من المناظرات المتنوّعة في القضايا العقديّة والدينيّة، وستقوم «حوزة نيوز» بنشر هذه المناظرات في أعداد متعدّدة.


الطالب:

عندما أقرأ آيات القرآن، وأضع بعض الآيات إلى جانب بعضٍ آخر، أشعر أحيانًا بوجود نوعٍ من الاختلاف بينها. فما سبب ذلك؟ وهل يوجد في كلام الله اختلاف؟

الأستاذ:

أبدًا، لا يوجد في كلام الله أيّ اختلاف، ولا أيّ نوع من التضادّ بين آيات القرآن. وقد صرّح القرآن نفسه بذلك في الآية (82) من سورة النساء، حيث يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

وهذا بحدّ ذاته أحد أدلّة حقّانيّة القرآن؛ إذ لا يوجد في جميع آياته أيّ تناقض أو اختلاف. وهذا الانسجام التامّ شاهد حيّ على إعجازه، ودليل واضح على أنّ القرآن ليس نتاج فكرٍ بشريّ، بل هو وحيٌ إلهيّ نازل من عند الله تعالى.

الطالب:

فكيف يحدث إذن أنّني أحيانًا، عند مقارنة بعض الآيات ببعضها، أشعر وكأنّ بينها اختلافًا؟

الأستاذ:

اذكر مثالًا أو مثالين ممّا قارنته، لنبحث فيهما معًا، ونرى هل يوجد اختلافٌ حقيقيّ أم لا.

الطالب:

أذكر مثالين على سبيل النموذج:

في بعض الآيات، يرفع القرآن مقام الإنسان إلى أعلى المراتب، ويمنحه قيمةً عظيمة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾

ولكن في آياتٍ أخرى، يخفض القرآن مقام الإنسان إلى حدٍّ يجعله كالأَنعام بل أضلّ منها، كما نقرأ في الآية (179) من سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

الأستاذ:

لا يوجد أيّ اختلاف بين هاتين الآيتين، بل إنّهما تقسّمان البشر إلى فئتين: الصالحين والطالحين.

فالصالحون يبلغون من المنزلة عند الله حدًّا يجعلهم مسجودًا للملائكة، حيث أمر الله تعالى ملائكته أن يسجدوا شكرًا لخلقهم وكرامتهم. أمّا الطالحون، فيهبطون إلى مرتبة أدنى من الحيوانات؛ لأنّهم ـ مع امتلاكهم جوهرة العقل الثمينة ـ اختاروا سلوك طريق البهائم.

وعليه، فإنّ تكريم الإنسان في الآية الأولى ناظرٌ إلى الجوانب الإيجابيّة والاستعدادات السامية التي تمكّنه من تحصيل القيم والفضائل، بينما الآية الثانية ناظرةٌ إلى الجوانب السلبيّة في الإنسان، حين يفرّط ـ بإرادته واختياره ـ في طاقاته الكامنة للنموّ والتكامل، ويستسلم لغرائزه الحيوانيّة.

الطالب:

أشكركم على هذه الإيضاحات المقنعة. والآن، إن أذنتم، أذكر مثالًا آخر.

الأستاذ:

تفضّل، لك الحرّيّة في ذلك.

الطالب:

نقرأ في الآية (3) من سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾

وبحسب هذه الآية، فإنّ تعدّد الزوجات للرجل جائز في الإسلام إلى أربع زوجات، بشرط مراعاة العدل.

لكن في الآية (129) من السورة نفسها نقرأ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾

فالنتيجة الظاهريّة هي أنّ الآية الأولى تجيز تعدّد الزوجات بشرط العدل، بينما الآية الثانية تنفي إمكانيّة تحقيق العدل بين الزوجات، فيلزم من ذلك ـ بحسب الظاهر ـ عدم جواز الزواج بأكثر من واحدة. وبهذا يبدو أنّ بين الآيتين نوعًا من التناقض والازدواجيّة.

الأستاذ:

في الواقع، إنّ هذه الشبهة نفسها طُرحت في عصر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من قبل منكرين لله تعالى، مثل ابن أبي العوجاء. وقد نقل هشام بن الحكم جواب هذه الإشكاليّة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ثمّ واجه به المعترضين فأقنعهم.

وخلاصة ذلك الجواب هي:

إنّ المقصود بالعدل في الآية الأولى هو العدل في السلوك العمليّ والتصرّف الخارجيّ والحقوق الزوجيّة، أمّا العدل في الآية الثانية فالمقصود به العدل في الميول والعواطف القلبيّة.

وعليه، فلا يوجد أيّ تعارض بين الآيتين؛ فمن استطاع أن يلتزم بالعدل في السلوك والمعاملة والحقوق، وإن لم يتمكّن من تحقيق التساوي التامّ في الميول القلبيّة، جاز له أن يتزوّج بأكثر من واحدة إلى أربع زوجات.

الطالب:

ولماذا نُفسّر العدل في هاتين الآيتين بمعنيين مختلفين، مع أنّ العدل لفظٌ واحد ومعناه واحد؟

الأستاذ:

من الناحية الأدبيّة واللغويّة، إذا وُجدت قرينة، جاز أن يُراد من اللفظ معنى مجازيّ أو باطنيّ، لا المعنى الحرفيّ الظاهريّ فقط.

وفي الآيتين محلّ البحث توجد قرينة واضحة:

فالعدل في الآية الأولى ظاهره العدل في السلوك والمعاملة، كما يقتضيه سياق الآية نفسها. أمّا في الآية الثانية، فإنّنا نقرأ في تتمّتها: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾

ومن هذا الذيل يُفهم بوضوح أنّ المقصود من عدم الاستطاعة على العدل، المذكور في صدر الآية، هو عدم القدرة على تحقيق العدل في الميول القلبيّة، لا في السلوك العمليّ وأداء الحقوق الزوجيّة.

وعليه، فلا يوجد أيّ تناقض أو تضادّ بين هاتين الآيتين الكريمتين.


الهوامش:
  1. المصدر نفسه، الحديث رقم: 34126.
  2. تفسير البرهان، ج 1، ص 220.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

بين الاعتدال والانحراف.. كيف تصنع المراهقة هويتها تحت ظلال العفة؟
السؤال: هل الطّبيب يتوفّى شهيداً؟ بما أنّه ينقذ أرواح البشر ومع ذلك فإنّه يأخذ أجرته، وسمعت من قَبل أنّ الطّبيب ذو مكانة عالية عند الله وأعلى من مكانة الشّيخ المعممّ (طبعا إذا قلنا أنّهم يتساوون بالتّقوى والإيمان) فما مدى صحّة هذا الكلام؟ أرجو إخباري المزيد عن نظرة الشّرع بالطّبيب.
هل توجد أدلة عقلية على الشفاعة ؟
السؤال: ما هي الأدلّة النّقليّة (قرآن ورواية) على انتفاع الأموات بعمل الأحياء، مع اعتقادي بعدم وجود مانع عقليّ لتوصيل النّفع من الحيّ للميّت، وهل يمكن لأيّ إنسان أن يستأجر إنساناً آخر للقيام بعبادات من أجل الميّت أم لا بدّ من كون الحيّ إبناً للميّت؟
كيف يمكن التوفيق بين الحجاب وآية «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ»؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل