لقد علّمتنا التجربة التاريخية للثورة الإسلامية أنّه كلّما تسلّم الفكر الشبابي، بما يحمله من جرأة، وابتكار، وروح تحمّلٍ مسؤول للمخاطرة، زمام إدارة الأمور، تسارعت وتيرة التقدّم إلى الأمام.
وكالة أنباء حوزة | إنّ النهضة الإسلامية للإمام الراحل (رضوان الله عليه)، منذ أيّامها الأولى، كانت نهضةً محوريّةً حول الشباب، قائمةً على طاقة الجيل الشاب وإيمانه وإبداعه. وإنّ نظرةً منصفة إلى تاريخ الثورة الإسلامية تُظهر بوضوح أنّ الشباب لم يؤدّوا دورًا محوريًّا في انتصار الثورة فحسب، بل كانوا دائمًا في طليعة الصفوف في استمرارها وترسيخها وتقدّمها. فمن أيّام النضال الشعبي الحافلة ضدّ النظام الطاغوتي، إلى مرحلة الدفاع المقدّس، ومن الساحات العلميّة والتكنولوجيّة إلى الميادين الثقافيّة والاجتماعيّة، كلّما أُسند الميدان إلى الشباب، واقترنت الإدارة بروح الشباب، تحقّقت النجاحات تباعًا، وتُوِّجت قممٌ كان يُظنّ يومًا أنّها بعيدة المنال.
لقد علّمتنا التجربة التاريخية للثورة الإسلامية أنّه كلّما تولّى الفكر الشبابي، مقرونًا بالجرأة والابتكار وروح المخاطرة المسؤولة، دفة القيادة، تسارعت الحركة نحو الأمام. وفي المقابل، كلّما حلّت النظرة المحافظة المفرطة في الحذر، المتعبة من المجازفة، محلّ جرأة الشباب، وأُقصي الشباب عن ساحات الفعل وصناعة القرار، ظهرت حالة من الركود والجمود والعجز عن تحقيق الأهداف الكبرى للثورة. وهذا لا يعني نفي قيمة الخبرة والعقلانية، بل هو نقدٌ لـ«شيخوخةٍ إداريةٍ محافظة» تكتفي بالحفاظ على الواقع القائم بدل الثقة بالجيل الجديد.
إنّ الثورة الإسلامية، لكي تزدهر وتتقدّم، تحتاج قبل كلّ شيء إلى حماسة الشباب، وجرأتهم، وحيويّتهم؛ حماسة وجرأة تقترنان بالحكمة، والعقلانية، والهداية الإلهية. فالشابّ الثوري، وإن كان مفعمًا بالطاقة وروح المطالبة، إلّا أنّ هذه الطاقة، حين تتكامل مع الإيمان العميق، والبصيرة السياسية، والأخلاق الإسلامية، تتحوّل إلى قوّةٍ صانعةٍ للحضارة. وقد أولى القرآن الكريم، بنظرته الإلهية العميقة، مكانةً خاصّةً للشباب؛ ففي قصّة أصحاب الكهف قدّمهم نموذجًا للإيمان، والشجاعة، والنموّ، إذ يقول تعالى:
﴿إِذْ أَوَى ٱلْفِتْیَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَیِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾
يتحدّث القرآن عن شبابٍ لجؤوا إلى الله في ذروة الضغط والتهديد، فلم يطلبوا الرحمة الإلهية فحسب، بل سألوا أيضًا «الرُّشد» وحسن التدبير؛ في إشارةٍ واضحة إلى أنّ الشباب، إذا اقترن بالتوكّل والإيمان، يصبح منبعًا للهداية والتقدّم.
وفي الثقافة الشيعية، يتجلّى نموذج الشابّ المعياري بوضوح في شخصيّاتٍ مثل عليّ الأكبر (عليه السلام)؛ ذلك الشابّ الذي جمع، إلى جانب الشجاعة والبسالة، إيمانًا عميقًا، وأخلاقًا كريمة، وبصيرةً سياسية، وطاعةً واعيةً لإمام زمانه. فمثل هذا الشابّ ليس اندفاعيًّا متهوّرًا، بل مسؤولًا، واعيًا، وهادفًا. ولو أنّ الشيوخ المتعبين وأصحاب الحسابات المصلحيّة، بدل تضييق الميدان، وثقوا اليوم بشبابٍ يحملون هذه الصفات، وسلّموا إليهم الساحات التي لم تُفتح بعد في مسار الثورة الإسلامية، لشهدنا بلا شكّ طفراتٍ كبرى.
إنّ شرط هذا التقدّم اللافت هو أن يفكّ المدراء المتقدّمون في السنّ قيود الحذر المفرط عن أقدامهم، وألّا يحرموا الشباب فرصة التجربة خوفًا من الخطأ. فالثقة بالشباب لا تعني إقصاء الخبرة، بل تعني نقل الخبرة إلى ميدان العمل، جنبًا إلى جنب مع الشباب. وإذا ما تشكّل هذا التلاقي بين الخبرة والجرأة، فإنّ مستقبلًا مشرقًا سيكون بانتظار البلاد؛ مستقبلًا تبدو فيه إنجازات الماضي ضئيلة أمام التقدّمات الجديدة، وتُثبت فيه الثورة الإسلامية مرّةً أخرى أنّها ما زالت حيّة، متحرّكة، وشابّة.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





