في دراسة نظرية النوع الاجتماعي (الجندر) من وجهة نظر العلّامة، تُطرح مجموعة من الأسئلة، من بينها: ماذا يقول العلّامة الطباطبائي عن حقوق المرأة؟ وهل يمكن اتخاذ اختلاف الحقوق بين المرأة والرجل أساسًا لنظرية النوع الاجتماعي، وبناء التزامات ومتطلبات عليها؟ هذه الرؤية إلى أيٍّ من المقاربات الثلاث الرئيسة أقرب؟ وهل تتمتّع هذه الرؤية بانسجام داخلي أم لا؛ أي هل يوجد توافق بين بداية النظرية ونهايتها؟ وهل لها انسجام خارجي أم لا؛ بمعنى هل تنسجم مع سائر أقوال العلّامة الطباطبائي أم لا؟ وأخيرًا، هل تمكّنت مقاربة العلّامة من حلّ إشكالية ما أم لا؟ ولماذا تُعدّ دراسة نظرية العلّامة أمرًا مهمًّا؟
وبحسب ما أفادت به شبكة الاجتهاد، عُقدت قبل مدّة جلسة نقد ومراجعة مقال «نظرية النوع الاجتماعي عند العلّامة الطباطبائي: مقاربة نقديّة» بحضور الدكتور محمد تقي كرمي قهي، عضو الهيئة التدريسية في جامعة العلّامة الطباطبائي وكاتب المقال، وحجّة الإسلام والمسلمين حسين بُستان، عضو الهيئة العلمية في معهد بحوث الحوزة والجامعة بصفته ناقدًا، والدكتورة زينب تاجيك، عضو الهيئة التدريسية في مركز أبحاث المرأة والأسرة، ضمن مجموعة المبادئ النظرية، بصفتها المقرّر العلمي للجلسة، وذلك في مركز أبحاث المرأة والأسرة.
في مستهلّ الجلسة، أشارت الدكتورة زينب تاجيك إلى موضوع اللقاء، وقالت: إنّ بحث النوع الاجتماعي في العقود الأخيرة لم يتحوّل إلى مسألة محورية ومهمّة في العلوم الإنسانية فحسب، بل أصبح كذلك داخل الخطاب الإسلامي نفسه. وما لم نمتلك نظرية في مجال دراسات النوع الاجتماعي، فسنكون مضطرّين إلى اتّخاذ موقفٍ انفعاليّ، ونظرةٍ تجزيئيّة إلى القضايا المرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وأضافت: لكي نكون في مأمن من النظرة الانفعالية والتجزيئية، نحن بحاجة إلى صياغة نظرية تستند إلى المباني الإسلامية، حتى نتمكّن من تنظيم قضايا النوع الاجتماعي والاختلافات المرتبطة به بصورة منسجمة، وتحديد أبعادها وامتداداتها في القضايا الاجتماعية والحقوقية وغيرها. وإنّ مثل هذه النظرية تتطلّب إعادة قراءة التراث الفكري لكبار المفكّرين الإسلاميين، أمثال العلّامة الطباطبائي. وفي هذه الجلسة، نتناول دراسة نظريات العلّامة الطباطبائي المتعلّقة بالنوع الاجتماعي.
نقد نظرية النوع الاجتماعي عند العلّامة الطباطبائي
وفي سياق الجلسة، صرّح الدكتور محمد تقي كرمي قهي، كاتب المقال، قائلًا: إنّ أصحاب الفكر والرأي يعتقدون أنّ كلمات العلّامة الطباطبائي يفسّر بعضها بعضًا؛ أي ينبغي التعامل معها بفهمٍ تفسيري قبل أن تكون موضع نقد. غير أنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ هذه النظرة وهذا الأسلوب قد يؤدّيان أحيانًا إلى نوعٍ من الجمود والتوقّف في الفكر، ولا يسهمان في دفعه إلى الأمام.
ثلاث مقاربات في نظريّات النوع الاجتماعي
المقاربة الأولى: الكونيّة المعرفيّة – الدينية
وبيّن أنّ نظريّات النوع الاجتماعي تُقسَّم ـ ضمن تصنيف عام ـ إلى ثلاث مقاربات كلّيّة، هي: الكونيّة المعرفيّة–الدينية، والطبيعيّة، والعلميّة. وأوضح قائلًا: إنّ المقاربة الكونيّة المعرفيّة والدينية يُقصَد بها تلك المقاربة التي يُرجَع فيها، في فهم المجتمع ونظام القيم والمعايير، وكذلك في نظام الوصف والتبيين والتشريع، إلى الإرادات الدينية والغيبية؛ أي إنّ الله تعالى قد أراد ذلك، وهو أمرٌ مولويّ تشريعيّ.
المقاربة الثانية: الطبيعيّة
وتابع عضو الهيئة التدريسيّة في جامعة العلّامة الطباطبائي قائلًا: إنّ المقاربة الثانية، وهي المقاربة الطبيعيّة، تجعل الطبيعة مرجعًا في الوصف والتبيين والتشريع؛ أي النظر إلى ما الذي تقتضيه الخصائص الطبيعيّة للإنسان. فعلى سبيل المثال، قد تقتضي الخصائص الطبيعيّة للإنسان أن تكون له بنية اجتماعيّة، أو أن تُهدِّد حريّاتُ الأفراد بعضَها بعضًا، ولذلك ينبغي تقييد تلك الحريّات. وفي هذه المقاربة ينبغي فحص ما إذا كانت المسألة أمرًا طبيعيًّا أم لا. ويُعدّ الاستناد إلى العقلانيّة نقطة البداية في هذا الاتجاه. وبناءً عليه، فإنّ الرجوع إلى الطبيعة يقتضي التجريد والتحليل لمعرفة ما إذا كانت هذه المسألة طبيعيّة بالفعل أم لا.
المقاربة الثالثة: العلميّة
وأضاف: إنّ المقاربة العلميّة تقوم على المشاهدة، والاستقراء، والاختبار، والتجربة. ففي المقاربتين السابقتين يكون الوصف والتبيين ثابتَين، ولذلك يكون التشريع أيضًا ثابتًا؛ أمّا في هذه المقاربة، فإنّ التبيين يمكن أن يتغيّر تبعًا للظروف والاقتضاءات.
وقال كرمي قهي: عند دراسة نظريّة النوع الاجتماعي من وجهة نظر العلّامة، تُطرح مجموعة من الأسئلة؛ من بينها: ماذا يقول العلّامة الطباطبائي عن حقوق المرأة؟ وهل يمكن اتخاذ اختلاف الحقوق بين المرأة والرجل أساسًا لنظريّة النوع الاجتماعي، وبناء التزامات ومتطلّبات عليها؟ هذه الرؤية إلى أيٍّ من هذه المقاربات الثلاث الرئيسة أقرب؟ وهل تتمتّع هذه الرؤية بانسجام داخلي أم لا؛ أي هل تتوافق بداية النظريّة مع نهايتها؟ وهل لها انسجام خارجي أم لا؛ بمعنى هل تنسجم مع سائر أقوال العلّامة الطباطبائي أم لا؟ وأخيرًا، هل تمكّنت مقاربة العلّامة من حلّ إشكاليّة ما أم لا؟ ولماذا تُعدّ دراسة نظريّة العلّامة أمرًا مهمًّا؟
وفيما يتعلّق بأهمّيّة دراسة نظريّة العلّامة الطباطبائي في مجال النوع الاجتماعي، صرّح قائلًا: بعد العلّامة، سار جميع تلامذته على نهجه، وإن كان الشهيد مطهّري، والعلّامة مصباح اليزدي، وآية الله جوادي آملي قد أبدوا ملاحظات وتعليقات في منتصف الطريق؛ غير أنّ هذا لا يعني أنّهم رفضوا أو تخلّوا عن الإطار المعرفي العام والمقاربة الكلّيّة للعلّامة الطباطبائي.
وأضاف عضو الهيئة التدريسيّة في جامعة العلّامة الطباطبائي: إنّ العلّامة الطباطبائي تناول مسألة المرأة في مواضع متعدّدة من تفسير الميزان، وقد طُرحت هذه المسألة بصورة أكثر تفصيلًا في المجلّدين الثاني والرابع. كما أنّه، في تفسيره لآية 34 من سورة النساء، بسط وشرح مسألة القِوامة واعتبرها امتدادًا لمنظومته الفكريّة. وقد بحث العلّامة الطباطبائي في الميزان مكانة المرأة وحقوقها في الإسلام.
استعراض نظرية العلّامة الطباطبائي
وتابع قائلًا: إنّ العلّامة الطباطبائي يرى أنّ المرأة والرجل متساويان؛ غير أنّه، مع التأمّل والتتبّع الأعمق في نصوص العلّامة، يتّضح أنّه يعتقد بمساواة المرأة والرجل في الشؤون الحيويّة، كالأكل، والشرب، وسائر الأمور التي تُعدّ من لوازم النوع الإنساني، وأنّهما يتمتّعان بالحريّة في إرادة الفعل للوصول إلى هذه الأمور وتحقيقها. وبطبيعة الحال، يمكن فهم هذا الرأي بفهمٍ مضيّق أو موسّع، غير أنّ الفهم المضيّق هو الأرجح هنا؛ إذ إنّه عندما تُطرح مسألة القِوامة، فإنّها تمتدّ لتشمل القضايا الاجتماعيّة أيضًا.
وأوضح الدكتور كرمي أنّه عندما تمتدّ القوانين إلى ساحة المجتمع، فإنّها لم تعد تقتصر على الحقوق الأساسيّة من قبيل الأكل، والنوم، والشرب، بل تهيمن فيها مسألة القِوامة. وفي هذا السياق، يبيّن أنّ العلاقة بين المرأة والرجل هي علاقة يعتبر فيها النساء حرثًا للرجال، ويشير إلى قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. ويطرح العلّامة الطباطبائي أنّ الأحكام في الأمور اللازمة للبقاء مشتركة، أمّا عندما نبتعد عن هذه الأمور، فإنّ الاختلاف يظهر، ويعود هذا الاختلاف إلى الطبيعة.
وأضاف كرمي قهي: في الماضي، لم تكن سوى أقلّ أقسام التفاسير القرآنيّة مخصّصة لمسائل المرأة، وكان المفسّرون في آيات سورة النساء يكتفون بالشرح والتفسير، ويتناولونها من زاوية دينيّة عامّة. أمّا البحث الأوسع في آيات المرأة، واستخراج الفوارق بين المرأة والرجل، فقد بدأ مع العلّامة الطباطبائي والحوزة العلميّة. وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أنّ هذه الأسئلة لم تكن مطروحة قبل ذلك؛ بل كانت موجودة، وجاء العلّامة الطباطبائي للإجابة عنها، الأمر الذي يستدعي دراسة المصادر التي اعتمد عليها العلّامة في الوصول إلى نظريّته.
وقال عضو الهيئة التدريسيّة في جامعة العلّامة الطباطبائي: إنّ العلّامة الطباطبائي، في حديثه عن الاختلاف بين المرأة والرجل، يشير إلى مسألتين؛ الأولى كون المرأة حرثًا للرجل، والثانية غلبة الحياة الوجدانيّة. ويردّ العلّامة هذه الاختلافات إلى الطبيعة، ويؤكّد أنّه في المواضع التي يجتمع فيها الإحساس والتعقّل معًا، ينبغي أن تختلف الأحكام بين المرأة والرجل. كما يعتقد أنّ جميع الأحكام الاعتباريّة يجب أن تعود إلى الطبيعة؛ لأنّ أصل الحياة الاجتماعيّة مرهون بهداية طبيعة الإنسان؛ أي إنّ طبيعة الإنسان هي التي ألزمتنا بأن نكون كائنات اجتماعيّة.
وأضاف: يبيّن العلّامة الطباطبائي كذلك أنّ الإنسان «مدنيّ بالطبع»، بمعنى أنّ الوجود البيولوجي للإنسان لا يكفيه وحده، ولذلك يتّجه نحو الاجتماع. فالإنسان، لكي يكون اجتماعيًّا، يحتاج إلى «الاستخدام» وإلى التمايز؛ أي إنّ الاجتماع، في أحد معانيه، يقوم على الاختلاف، وإذا لم يوجد اختلاف ولا استخدام متبادل، فلن يتشكّل المجتمع.
وقال كرمي قهي: إنّ المرحوم العلّامة الطباطبائي لم ينجح في حلّ مشكلة عمليّة؛ لأنّ إجاباته العقليّة لا تُعدّ تطبيقية لا للمجتمع المتديّن ولا لغير المتديّن، بل إنّها لا تُقنع حتى المتديّنين؛ إذ إنّ المتديّنين يقتنعون بالتبيينات الدينيّة والكونيّة المعرفيّة، ولا يحتاجون إلى رواية عقلانيّة، في حين أنّ المخاطَب غير المتديّن لا يقبل أصل الموضوع من الأساس.
وختم بالقول: إنّ رؤية العلّامة الطباطبائي لا تنطوي على أيّ بدعة أو ابتكار خاصّ، إذ توجد في الغرب نظريّات مشابهة تقوم على إرجاع اختلاف المرأة والرجل إلى الطبيعة. ونحن، في الواقع، وقعنا في مغالطة «الطبيعةگرائيّة»، ونلعب في ميدان صمّمه الآخرون، ونسعى إلى تقديم الأحكام الشرعيّة في قالب تبرير عقلانيّ. والطريق الأجدى هو توسيع وبسط التبيينات الدينيّة بدلًا من ذلك.
ردٌّ على انتقادات نظرية العلّامة | العلّامة الطباطبائي يتبنّى رؤية تلفيقيّة
وفي سياق متصل، صرّح حجّة الإسلام والمسلمين حسين بستان، عضو الهيئة التدريسيّة في مركز أبحاث الحوزة والجامعة، قائلًا: إنّ المرحوم العلّامة الطباطبائي لا يتبنّى رؤيةً طبيعيّةً خالصة، بل يعتمد رؤيةً تلفيقيّة؛ أي يجمع بين الاستدلال الطبيعي (الاستدلال العقلي) وبين النظرة التعبّديّة إلى التعاليم الدينيّة. وقد تبدو هذه الرؤية، للوهلة الأولى، غامضة، غير أنّها تتّضح عند مقارنتها برؤى أخرى، مثل رؤية الشهيد مطهّري؛ إذ يرى الشهيد مطهّري أنّ وجود الفوارق الطبيعيّة يستلزم وجود فوارق حقوقيّة أيضًا.
وقال عضو الهيئة التدريسيّة في مركز أبحاث الحوزة والجامعة: يمكن استنتاج من كلام العلّامة أنّ الله تعالى، بما أنّه بيّن الفوارق بين المرأة والرجل وقرّر لهما حقوقًا مختلفة، فإنّ التأمّل في هذه المسألة يقودنا إلى نتيجة مفادها أنّ لهذه الفوارق مبرّرًا عقليًّا.
وأضاف: إنّ العلّامة يعتقد بأنّ المرأة والرجل متساويان في الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة، غير أنّ المرأة لا يقع عليها تكليف في بعض الشؤون الاجتماعيّة، كالتعليم والتعلّم ونحو ذلك؛ فهذه الأمور تُعدّ من حقوق المرأة، لكن لا يترتّب عليها تكليف إلزاميّ. كما أنّ النساء غير مكلّفات في القضايا التي يتداخل فيها العقل والإحساس معًا.
وأكّد بستان أنّه لا يمكن الاعتراض على هذا النوع من الاستدلالات العقليّة؛ لأنّ علل الأحكام الشرعيّة قد ذُكرت في روايات عديدة. فعلى سبيل المثال، سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن سبب حرمة النظر إلى الأجنبيّة، فأجاب بأنّ ذلك يؤدّي إلى الإثارة والتهييج. وهذا الجواب يدلّ على أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) قدّم تعليلًا قائمًا على الطبيعة الإنسانيّة، وبناءً عليه لا يمكن الادّعاء بأنّ هذا النوع من الاستدلالات غير مفيد.
وأوضح أنّ هذه الاستدلالات ذات جدوى حتى بالنسبة إلى المجتمع المتديّن؛ إذ توفّر له طمأنينةً أكبر، لكون أفعاله لا تقوم على التعبّد المحض فحسب، بل تستند أيضًا إلى تعليل عقليّ. كما أنّها مفيدة لغير المتديّنين؛ لأنّهم عندما يدركون أنّ الأحكام التعبّديّة نفسها تقوم على مبرّرات عقليّة، يصبح إقناعهم أسهل.
دلائل على النزعة الطبيعيّة في فكر العلّامة الطباطبائي
قال كرمي قهي، معربًا عن أمله في أن يسهم هذا المقال في تنوير وشرح مباحث العلّامة الطباطبائي ويفتح آفاقًا لفهمها: إنّ إحدى القرائن الدالّة على النزعة الطبيعيّة في رؤية العلّامة هي أنّه يطرح، في سياق آية لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبحث، نقاشًا تأسيسيًّا مستقلًّا. وهذا الأمر لا يحمل دلالة منطقيّة مباشرة، لكنّي اعتبرته قرينةً على هذه النزعة. كما يصرّح العلّامة بأنّ الأحكام الاعتباريّة يجب أن تعود إلى الطبيعة، أي إنّه يطرح إلزامًا عقليًّا، ويؤكّد أنّ اختلاف الطبيعة يقتضي بالضرورة اختلاف الأحكام.
وأضاف: لو أنّ الشارع المقدّس قد رسم أحكام المرأة والرجل على نحوٍ متساوٍ تمامًا، لكان بإمكاننا اليوم أن نقول إنّ الجسد ليس ذا أهميّة، وإنّه لا يوجد اختلاف في الجنس، ولا اختلاف في النفس، ولكان من الممكن تعميم هذا الفهم على الشريعة الإسلاميّة، بحيث يُنظر إلى الجسد بوصفه أمرًا زائدًا وفانيًا.
وقال عضو الهيئة التدريسيّة في جامعة العلّامة الطباطبائي: إنّ عبارة «الإنسانيّة المشتركة» الواردة في كلام العلّامة الطباطبائي ينبغي دراستها ضمن سياقها النصّي. فالعلّامة، عندما يتحدّث عن الإنسانيّة المشتركة، يقرن ذلك بقوله تعالى:
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾.
ويُوسّع العلّامة الطباطبائي مفهوم «الحرث»، على غرار توسعه لمفهوم القِوامة. وهنا لا يكون البحث فلسفيًّا، بل تفسيريًّا.
وأضاف: إنّ علل الأحكام الشرعيّة الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) مقبولة ومعتبرة، أمّا ما يذكره غيرهم من علل للأحكام فلا ينبغي منحه الحجّيّة؛ لأنّه قد يؤدّي أحيانًا إلى سوء الفهم، ولا يقوم على دليل قطعي، ولا يتمتّع بقوّة الحجّيّة. فعلى سبيل المثال، يُذكر في بعض المواضع أنّه إذا كان رجل وامرأة في صحراء، ولم يكن هناك ماء للوضوء إلّا لشخص واحد، فإنّ الرجل أولى بالوضوء؛ بدعوى أنّ الرجال أقرب إلى الإيمان من النساء. ومثل هذا التعليل لا دليل قطعيًّا عليه.
من جانبه، قال حجّة الإسلام بستان: إنّ العلّامة الطباطبائي، عند طرحه لمختلف المسائل، كان إذا واجه مسألةً ما يعرضها بصورة كاملة ومفصّلة، وقد كان أسلوبه في تناول قضايا المرأة على هذا النحو أيضًا. ولذلك لا يمكن القول إنّه تطرّق إلى مسائل المرأة وناقش اختلاف المرأة والرجل في ذيل آية لا ترتبط بهذه القضايا ارتباطًا كبيرًا؛ فهذا الأسلوب هو المنهج التفسيري الذي اعتمده العلّامة الطباطبائي عمومًا.
وأضاف عضو الهيئة التدريسيّة في مركز أبحاث الحوزة والجامعة: إنّ عبارة «جميع الأحكام الاعتباريّة يجب أن تعود إلى الطبيعة» ليست خاصّة بالعلّامة الطباطبائي، ولا تُعدّ طرحًا مبتكرًا حصرًا عليه؛ إذ إنّ جميع العلماء قد أكّدوا أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد التكوينيّة، وأنّ الارتباط بين التكوين والتشريع أصلٌ مسلّم في كلمات العلماء كافة. فإذا استنتجنا من هذه العبارة أنّ العلّامة الطباطبائي كان ذا نزعة طبيعيّة، فإنّنا سنضطرّ إلى القول بأنّ جميع العلماء كانوا كذلك، ولم تكن لديهم مقاربة دينيّة معرفيّة؛ لأنّهم جميعًا صرّحوا بأنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة. كما ورد في الروايات أنّ أحكام الله تعالى لها جذور في الطبيعة الإنسانيّة، وليست مجرّد اعتبارات محضة.
وقال الدكتور كرمي: إنّنا نحن أيضًا، في حياتنا اليوميّة، نلجأ أحيانًا إلى تقديم تبريرات تفسيريّة لبيان أسباب الأحكام لأبنائنا. وقد تعاملتُ بجدّيّة مع البُعد الخطابي (إقناع المخاطَب) في أسلوب العلّامة الطباطبائي.
وختم بالقول: إنّ القسم المتعلّق بالمرأة في القرآن الكريم قد فُصل في كتاب الميزان بأمرٍ من العلّامة الطباطبائي نفسه، وطُبع مستقلًّا في حياته، بل حُذفت منه بعض الآيات أيضًا، وهذا يدلّ على أنّه كان يسعى إلى بناء منظومة فكريّة وكلاميّة وفلسفيّة مستقلّة ومتماسكة.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

