تُعدّ «الدولة الحديثة» و«القانون» من مظاهر الحداثة في المجالين الاجتماعي والسياسي، حيث حلّتا محل «الحاكم» و«أمر الحاكم» اللذين سادا في الماضي. ورغم أن بعض الفقهاء لا يزالون يفكرون في «سيادة الفرد وأمر الحاكم» في مجال السياسة وإدارة البلاد، إلا أن فقهاء آخرين استفادوا من إمكانات الفقه للانتقال من «السيادة الفردية» إلى «السيادة المؤسساتية».
عصر المشروطة (الدستورية)
في عصر المشروطة، دخلت مؤسسات الحداثة إلى إيران، مثل: «النظام السياسي المشروطي وسيادة القانون»، «التشريع»، «الفصل بين السلطات»، «الحرية» و«المساواة».
وقد استقبل كبار فقهاء الإمامية المقيمين في النجف (وهم إيرانيون أيضاً) مثل: الخراساني، والمازندراني، والنائيني، والعلماء البارزين المقيمين في طهران مثل: الطباطبائي والبهبهاني، هذه المفاهيم بحفاوة، وبذلوا جهوداً علمية وعملية حثيثة لترسيخ المشروطية في هذه البلاد.
وقد قام النائيني، ممثلاً عن مراجع النجف، بتأليف كتابه القيم «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»، حيث تبيّن فيه مدى انسجام «مؤسسات الحداثة» مع «الشريعة». واعتبر الكثير من هذه المؤسسات مستمدة من التعاليم الدينية التي استلهمها المفكرون الأوروبيون من الحضارة الإسلامية بعد النهضة العلمية، ثم أعادوا تقديمها للمسلمين.
وفي فكر هذه المجموعة من الفقهاء، كان «الاستبداد السياسي للحكام» هو السبب وراء تخلف المسلمين عن ركب العلم والحضارة؛ لذا رأوا في المشروطة، التي تعني في جوهرها «تقييد السلطة المطلقة للسلاطين»، طريقاً لنجاة الأمة الإسلامية وبداية جديدة لنمو المسلمين وتقدمهم، ولهذا السبب رحبوا بها.
اعتبر النائيني الاستبداد نوعاً من الشرك العملي، وقدّم تفسيراً دقيقاً لـ «التوحيد العملي الاجتماعي والسياسي في الإسلام». واستناداً إلى الأدلة العقلية والنقلية، اعتبر المشروطية -بمعنى «تحديد وتقييد السلطة المطلقة للسلاطين»- واجباً في تلك المرحلة التاريخية، وذلك عبر «تدوين الدستور» و«تأسيس مجلس الشورى الوطني».
كما ردّ النائيني في هذا الأثر النفيس على شبهات معارضي المشروطة الذين ادّعوا وجود تعارض بين أركان المشروطية والتعاليم الدينية.
على سبيل المثال:
فيما يتعلق بـ «التشريع»؛ أوضح أنه في المجالات التي لم يضع الله تعالى فيها حكماً شرعياً (منطقة الفراغ)، يمكن لممثلي الشعب وضع قوانين من أجل استتباب النظام والأمن، وتأمين الرفاه والراحة العامة، وإرساء العدالة.
وفيما يخص «أصل الحرية»؛ استدل بآيات القرآن وسيرة النبي وأولياء الدين لإثبات حرية الناس من قيود وأغلال أصحاب القوة والنفوذ، مؤكداً أن الإنسان عبدٌ لله وحده، وليس عبداً أو رقيقاً للحكام المستبدين.
أما بخصوص «أصل المساواة»؛ فقد اعتبر مساواة عامة الشعب مع الحكام في «الحقوق والأحكام والعقوبات» أمراً منطبقاً مع آيات القرآن وسيرة النبي وخلفائه.
وحول «مجلس الشورى الوطني»؛ رأى أن رقابة منتخبي الشعب على رجال الدولة من خلال وضع القوانين، تستند إلى أدلة مثل: «شوروية الحكم»، و«وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، و«الرقابة على صرف الضرائب»، معتبراً ذلك متوافقاً تماماً مع الموازين الدينية.
كما أبدى تذمره من روسيا واصفاً إياها بالدولة الاستبدادية، التي وقفت إلى جانب الشاه القاجاري المستبد بسبب تعارض مصالحها مع بريطانيا، وضريت بمطالب الشعب الإيراني عرض الحائط، بل ووصل بها الأمر إلى قصف مجلس الشورى الوطني بالمدافع وقمع المشروطيين الأحرار.
عصر الجمهورية الإسلامية
كانت الثورة الإسلامية في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (ره) استمراراً لهذا النهج. فرغم معارضة بعض العلماء والأحزاب الأصولية في العالم السني – مثل حزب التحرير في لبنان – لمفهوم «الجمهورية» وتأكيدهم على إحياء «الخلافة الإسلامية»، إلا أن الشعب الإيراني صوّت لصالح الجمهورية الإسلامية.
مثّلت الجمهورية الإسلامية خطوةً أكثر أهمية في المواجهة المتزامنة للشعب الإيراني مع «الاستبداد» (البند 6 من المادة الثالثة في الدستور) و«الاستعمار» (البند 5 من المادة الثالثة في الدستور). وتُعد شعارات «الاستقلال»، «الحرية»، و«لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية» تجسيداً لهذا التوجه.
ومن وجهة نظر الإمام الخميني (ره)، كان للشعب الإيراني الحق في تقرير مصيره بنفسه، ومن بين النماذج الحكومية المتعددة، كان نموذج «الجمهورية» هو الأقدر على صون حق الشعب في تقرير مصيره في «الساحة الداخلية» أمام الاستبداد، وفي «الساحة الدولية» أمام القوى الخارجية (البند 8 من المادة الثالثة في الدستور).
ويرى عدد من فقهاء الإمامية في عهد الجمهورية الإسلامية أن مظاهر الحداثة في المجالين الاجتماعي والسياسي، مثل: «الجمهورية»، «القانون»، «السيادة الوطنية»، «العدالة»، «توزيع السلطة والفصل بين السلطات»، «الحرية»، «المساواة»، «مجلس الشورى الوطني»، و«إدارة البلاد بالاعتماد على الآراء العامة عبر الانتخابات»، لا تقتصر على كونها غير متعارضة مع موازين الشريعة فحسب، بل إن الكثير منها مستمد من التعاليم الدينية.
بالطبع، لا يمكن تجاهل التفسيرات والقراءات المتعددة والمتباينة لكل مفردة من المفردات الرئيسية المذكورة أعلاه، والتي تؤدي إلى اتخاذ مواقف مختلفة؛ تماماً كما حدث في عصر “المشروطة” حيث أدت التعاريف والتفسيرات المختلفة لمقولات مثل «الحرية» و«المساواة» إلى بروز خلافات في وجهات النظر. وكما يعبر المفكر المعاصر الأستاذ مطهري:
«إن مجتهدينا، بسبب عدم إحاطتهم بالموضوع، يفتون أحياناً بمجرد الاشتراك في الاسم والرجوع إلى اللغة. فهم يتخيلون مثلاً أن دولة اليوم التي هي حكومة القانون، هي نفس دولة الأمس التي كانت حكومة الفرد، وأن أدلة حرمة إعانة الظالم تشمل كلتيهما على نحوٍ واحد». (مذكرات الأستاذ مطهري، المجلد 15، ص 419).
بشكل عام، يمكن الادعاء بأنه: على الرغم من الهواجس التي انتابت فقهاء الإمامية تجاه دخول الحداثة إلى إيران، بسبب تداعياتها السلبية المحتملة على التدين والشريعة وأخلاق المجتمع؛ إلا أن بعضاً منهم على الأقل تبنوا دائماً نهجاً إيجابياً وفاعلاً تجاه مظاهرها المختلفة، لا سيما في المجالين الاجتماعي والسياسي. وتُعد «النهضة المشروطة» و«الثورة الإسلامية للشعب الإيراني» خير دليل على هذا المدعى.
وفي الختام، أقدم لكم فقرة من رسالة لزعيم الثورة الإسلامية الراحل إلى أحد تلامذته، يشكو فيها من طبيعة فهمه للمصادر الدينية، وهي فقرة تعكس رؤيته الكلية. لقد عدّد (ره) في هذه الرسالة التداعيات السلبية لنوع النظرة والقراءة للمصادر الدينية، وتجاهل تطورات الحياة البشرية وتغير موضوع الحكم الشرعي، والتي قد تؤدي في بعض الحالات إلى تدمير البيئة، وبقاء معضلة المرور في المدن دون حل، وتعريض حياة الملايين من البشر للخطر، حيث صرح في نهايتها قائلاً:
«بناءً على ما تستنبطه جنابك من الأخبار والروايات، يجب أن تزول الحضارة الحديثة من الأساس، ويعيش الناس في الأكواخ أو يقطنون الصحارى إلى الأبد.» (صحيفة الإمام، المجلد 21، ص 151).
(عرض قدمه حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد ورعي، أستاذ البحث الخارج في حوزة قم العلمية، في ندوة علمية مع أساتذة ومفكري روسيا – 12 آذر 1404 هـ.ش، الموافق 3 ديسمبر 2025 م)
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





