هل نجح التشيّع في جعل الأمل بالإمام المهدي (عج) رسالةً عالميةً؟

وكالة أنباء الحوزة | استطاع الفكر الشيعي، عبر ترسيخ شعائر كبرى كذكرى “النصف من شعبان” ومسيرة “الأربعين”، أن يبعث برسالة حية إلى العالم تُعلن استمرارية حياة الإمام المهدي (عج) وتجسد “سردية الأمل” في أبهى صورها. لقد تحولت هذه المراسم إلى “وسائط إعلامية نابضة” نجحت في عبور الحدود الجغرافية لتبليغ الرسالة المهدوية بلغة الروح والوجدان.

استهلال الفكرة

في عالم يموج بفيض من المعلومات وتتصارع فيه الرسائل، يغدو العثور على وسيلة إعلامية أصيلة ونافذة -لاسيما لنقل المفاهيم الدينية العميقة- تحدياً معرفياً كبيراً. ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لدور الشعائر الجماعية والمناسك الدينية بوصفها أقوى “الإعلام الحي”. فكيف يمكن نقل “الأمل العالِمي” لا عبر الشعارات المجردة، بل من خلال تجربة مشتركة وإحساس ملموس يتغلغل في عقل وقلب إنسان العصر الحديث؟

في الحوار التالي، يجيب حجة الإسلام “علي قهرماني”، الباحث والخبير في الشؤون الإعلامية، عن هذه التساؤلات، وفيما يلي نص الحوار:

لقد اجتاز التشيّع، على مدار 14 قرناً من تاريخ الإسلام، مساراً وعراً ومحفوفاً بالتحديات ليصون شعائره ويحمي نهج الإسلام الأصيل ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ويورثها للأجيال المتعاقبة. ومن أسمى هذه الشعائر، الاحتفاء بذكرى ولادة وظهور إمام العصر (عج)، وهي العقيدة التي واجهت عبر التاريخ محاولات منظمة وممنهجة لطمس معالمها ومحو آثارها من الوجدان الجمعي.

من البهائية والوهابية إلى الصهيونية: خصوم العقيدة الواحدة

إن القوى المناهضة للمهدوية، سواء في الفضاء السني أو داخل المحيط الشيعي كالبهائية والوهابية، وصولاً إلى التيارات التاريخية الأخرى، كانت دوماً حاضرة في مشهد العداء. ويُضاف إليها اليوم القوى الدولية والتيارات المرتبطة بالصهيونية، التي تضرب جذورها في الحركات اليهودية-المسيحية الصهيونية؛ وهي جبهة لم تتوقف يوماً عن محاربة أي فكرة تبشر بـ “مُصلح عالمي” يسعى لتحقيق تحول كوني شامل.
هذا الاصطفاف العالمي المعادي ليس وليد اللحظة الراهنة، بل هو صراع تكوّن منذ فجر الإسلام واستمر حتى يومنا هذا. لكن التشيّع استطاع تجاوز هذا المخاض بنجاح؛ فما عاد الأمر مجرد إثبات حياة الإمام المهدي (عج) عبر فعاليات النصف من شعبان، بل تعدى ذلك إلى نقل “السردية الكبرى للأمل” إلى العالم أجمع. وهي الرسالة الصادقة بأن “الإمام حاضر”؛ وسيأتي يوم يشرق فيه رجل إلهي سماوي ليضع حداً لمعاناة البشرية، بمعونة المؤمنين الأوفياء وبإرادة الله القهار.

إن هذه “السردية الكبرى” تتبنى مفهوم *”المُصلح الشامل”، وهو مفهوم يختلف جوهرياً عن التصور الشعبي للمنقذ أو “المُخلص”. ففكرة “المُخلص” في بعض الديانات والتقاليد (كالموروث اليهودي) ترتكز على فرد يقوم وحده بعملية الخلاص بينما يكتفي الناس بدور المتفرج. أما في الرؤية الإسلامية، فنحن أمام “المُصلح الكل”؛ الذي يقود حركة الإصلاح الكبرى بمشاركة حقيقية ومسؤولة من الناس، فهم شركاء في التغيير، مدعوون لإصلاح أنفسهم ومجتمعاتهم قبل الظهور وبعده.
هذه الرؤية تجعل من القضية المهدوية “مشروعاً” إلهياً-إنسانياً متكاملاً؛ فهي ليست “انتظاراً سلبياً” مرتهناً بالقعود، بل هي “حركة فاعلة” واستعداد دؤوب لبناء الفرد والمجتمع ليكونوا بمستوى اللحظة التاريخية الكبرى.

الشعائر الشيعية؛ منابر إعلامية حيّة وديناميكية

تُطرح هنا ملاحظة بالغة الأهمية، مفادها أنّ كثيرًا من هذه الشعائر ـ كمسيرة الأربعين ومناسبات من قبيل النصف من شعبان ـ لا تقتصر على كونها طقوسًا تعبدية فحسب، بل تُعد في حقيقتها منابرَ شيعيةً ووسائطَ إعلاميةً بامتياز. فهي طقوس حيّة ونابضة، تعمل كوسائل إعلام ديناميكية تنقل رسالة التشيّع إلى العالم بأسره.
غير أنّ المنبر أو الوسيط الإعلامي، إذا خلا من مضمون ثري ورسالة عميقة، يبقى ناقصًا وعديم الأثر. فالإعلام لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا حين يستند إلى محتوى قوي وجذّاب، قادر على إشراك الجمهور العالمي واستقطابه والتأثير فيه.

وعليه، فإننا اليوم ـ بعد أن نجحنا في ترسيخ هذه المناسك على المستوى العالمي، بل والمثير للاهتمام أنّها باتت تقترب من بعضها أكثر فأكثر ـ نلحظ أننا في سياق إحياء ذكرى ذلك «السرد الكلي للأمل» والتعريف بالمصلح العالمي، نقترب شيئًا فشيئًا من النموذج الأُربعيني. إنّ نموذج «الموكب» والخدمة الشعبية في الأربعين يمثّل طاقة فريدة لا مثيل لها في إشراك طيف واسع ومتنوّع من المتلقّين. فهذا الشكل الطقوسي يتيح تقاسم الفرح، وبثّ المحبة، وممارسة البذل والعطاء، وتقديم نظرة مفعمة بالأمل إلى الآخرين.

ولا يُستبعد أن يكون هذا النموذج الأُربعيني ـ الذي عدّه الإمام الهادي (عليه السلام) من علامات الشيعة ـ نموذجًا صالحًا للاستخدام حتى بعد الظهور، بل مقدّمة وتمهيدًا عمليًا لتجهيز الجبهة العالمية للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، تقوم به الجماهير نفسها. فهذا النمط المنظّم من الخدمة الشعبية يمكن أن يشكّل رمزًا للمشاركة الفاعلة للمؤمنين في عصر الظهور، وأن يتحوّل إلى نموذج للتعاون العالمي في مسار الإصلاح بقيادة المصلح الكلي.

من ترسيخ الوسيط إلى صناعة الرسالة العالمية؛ الخطوة التالية في مسار المهدوية

غير أنّ الإشكال الجوهري يتمثّل في أنّ المنبر والإعلام لا يمكن أن يكونا مستدامين أو مؤثّرين من دون رسالة واضحة. فبعد أن ثبّتْنا هذه المناسك، وأصبحت في تفاعل حيّ تتبادل فيه عناصر القوة، وتعزّز إحداها الأخرى، نكون قد نجحنا فعليًا في بناء وسيلتنا الإعلامية. وسيلة تُعلن للعالم أنّ هناك حقيقة تُدعى «المهدوية»، وأن هناك شخصًا اسمه «المهدي»، وأنه آتٍ لا محالة. هذه هي الخطوة الأولى: تعميم هذا الخبر المقدّس وعولمته، وهي خطوة تجري اليوم على أرض الواقع.

أما الخطوة التالية، فهي مرحلة «الرسالة». أي تقديم مضمون المهدوية على نطاق عالمي؛ بأن يُصاغ بلغة إنسانية جامعة، ويُعرض بأسلوب واضح ومفهوم، ويُنتقى له خطاب يستطيع أن يستوعبه المسلم وغير المسلم على السواء، بل ويشعر بالحاجة إليه ويطالب به. وإذا تمكّنا من إحكام السيطرة على هذه المرحلة، فحينئذ ينبغي لنا أن نتوجّه إلى الكنز اللامتناهي لمعارف أهل البيت (عليهم السلام). من هذا المنجم الذهبي للوحي والولاية، علينا أن نستخرج خامات الذهب، ثم نصوغها جواهرَ متلألئة صالحة للعرض؛ جواهر يراها الناس، ويرغبون فيها، ويقبلون عليها، ويسعون إلى دراستها وفهمها.

إننا اليوم نقف عند هذه المرحلة الحسّاسة. والأمل معقود على المفكّرين الشيعة، والمثقفين المسلمين، وجميع العاشقين والمتعلّقين بأهل البيت (عليهم السلام)، أن ينهضوا بإنتاج هذه الرسالة، وأن يُبدعوا منظومة غنية ومتنوّعة من المحتوى المهدوي، بما يمكّن من إيصال رسالة المهدوية إلى شعوب العالم والمجتمع الإنساني بأسلوب عميق، واسع الانتشار، ومتغلغل في النسيج الإنساني. تلك هي خارطة الطريق التي تستطيع أن تنقل «الانتظار» من حالة السكون والانفعال إلى ميدان الفعل والعمل، ومن ضيق الجغرافيا إلى رحابة الإنسانية جمعاء.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل