في العلوم الإنسانية الإسلامية، يُنظر إلى «الاستكبار» على أنّه نظام متعجرف وعنيد، يرى الأمم خاضعة للسيطرة. وقد أظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال المقاومة الفاعلة وإحياء فاعلية الشعوب المستضعفة، قدرة هذه الشعوب على تحقيق الاستقلال السياسي والتقدم دون التبعية للقوى المستبدة، وقدمت نموذجًا للتحرّر والتمكين.
وكالة أنباء الحوزة | في نظريات العلاقات الدولية وعلم الاجتماع السياسي، غالبًا ما يُرتبط مفهوم «السلطة» بمفاهيم مثل «الهيمنة»، «التسلط»، و«الإكراه». لكن ما يطرحه المنظور الإسلامي-الإيراني للعلوم الإنسانية، كفرضية استراتيجية، هو التمييز بين «القوة الطبيعية» و«الاستكبار». فالاستكبار، المستمد من الجذر القرآني «تكبّر»، يُعرف في الأدبيات السياسية للمرجع الأعلى بأنه «نظام سلوكي-معرفي» يقوم على التعالي على الآخرين، ورفض حقوقهم، والتدخل المستمر في شؤونهم (تصريحات في لقاء الطلاب، 2014/11/3). ويُعتبر تعامل الجمهورية الإسلامية مع هذا النظام، ليس مجرد مواجهة أمنية أو عسكرية، بل «عمل مقاوم» على مستوى السوسيولوجيا السياسية يهدف إلى تغيير معادلة «المستبد والمستعبد».
عالم ذو قطبين
وفقًا لمفهوم «نظام الهيمنة»، انقسم العالم الحديث (لا سيما بعد القرن التاسع عشر) إلى قطبين: قطب «مستبد وجبار» وقطب «ضعيف وخاضع». هذه الجدلية التاريخية تشكّل الأساس للنظام السياسي الدولي (تصريحات، 2015/07/11). في هذا النظام، تعتبر القوى الاستكبارية مثل الولايات المتحدة نفسها «رئيس النظام العالمي» و«المدير العالمي»، وتمنح لنفسها حق التدخل في شؤون الأمم (تصريحات في لقاء خمسين ألف قائد من الباسيج، 2013/11/20). ومن منظور السوسيولوجيا المعرفية، يُعتبر هذا التعالي «عنفًا رمزيًا» حيث يُحرم الآخرون (الأمم المستضعفة) من الفاعلية المستقلة ويجب أن يخضعوا لإرادة المركز.
مفارقة العقلانية الوسائلية والرفض المطلق للحقوق
النقطة الأساسية في تحليل سلوك الاستكبار هي مفهوم «الرفض المطلق للحقوق». يشير المرشد الأعلى في خطاباته إلى أن القوى المستكبرة لا تقبل بحقوق الشعوب فحسب، بل تقاوم حتى «الحقيقة» والحجج المنطقية (نفس المصدر، 2013/11/20). ويمكن تفسير هذه الظاهرة في العلوم السياسية على أنها «مفارقة العقلانية الوسائلية»، حيث تُستخدم العقلانية فقط للحفاظ على مصالح السلطة، حتى في مواجهة الحقائق الموضوعية. وأبرز مثال على ذلك قضية البرنامج النووي الإيراني، حيث رفض الطرف الأمريكي الاعتراف بالحق المشروع للشعب الإيراني رغم الحجج القانونية والفنية الواضحة.
هندسة الواقع
من جهة أخرى، يُعدّ آلية «الخداع والسلوك المنافق» أحد أدوات الاستكبار اللين لإضفاء الشرعية على جرائمه. يسعى نظام الهيمنة إلى هندسة الحقائق الموضوعية من خلال «تبرير الجريمة» و«إلباسها ثوب الخدمة»، وهو بالضبط ما أشار إليه الإمام خميني (قده) بتعبير «إبليس الأكبر»، وهو تعبير ذو جذور قرآنية يشير إلى طبيعة وعود الاستكبار الزائفة. وكما ينقل القرآن عن إبليس أنّ وعوده كانت كاذبة وأنه سيلوم أتباعه يوم القيامة، اليوم أيضًا تتعثر وعود القوى الاستكبارية (مثل الاتفاق النووي/برجام) في الوفاء بها (تصريحات في لقاء مع شرائح مختلفة من الشعب، 1 أغسطس 2016). هذا الانعدام للالتزام صفة جوهرية لنظام الهيمنة، حيث يمنحون «ميزة النقد النقدي» لكنهم لا يقدمون «ميزة الائتمان».
إحياء فاعلية الشعوب المستضعفة
في مواجهة هذا البناء السلطوي، قدمت الثورة الإسلامية «نظرية المقاومة». المقاومة في هذا السياق لا تعني العنف أو الإرهاب، بل عدم الخضوع للضغوط وعدم الرضوخ للتسلط (تصريحات في خطب صلاة الجمعة، 4 فبراير 2011). إنها فعل سياسي ذا معنى يعيد تعريف الهوية الجماعية للشعب الإيراني. المقاومة تقوم على عناصر مثل السلطة والحصانة، رفض الظلم والامتثال له، والبصيرة (تصريحات في لقاء نواب مجلس خبراء القيادة، 29 أغسطس 2008 وتصريحات، 16 سبتمبر 2013). ومن منظور علم الاجتماع، المقاومة هي أداة لإحياء فاعلية الشعوب المستضعفة؛ أي شعب كان من المفترض في تصور نظام الهيمنة أن يكون «خاضعًا»، أصبح من خلال ثقافة المقاومة فاعلًا نشطًا.
نموذج تحرري للعالم
النتيجة النهائية لهذه الجدلية هي تغيير معادلة «العزة». فقد أثبتت الجمهورية الإسلامية، من خلال رفض «الخضوع للهيمنة» وإظهار أنه يمكن التقدم العلمي والاقتصادي والسياسي دون الاعتماد على قوى الغرب، نموذجًا تحرريًا للعالم (تصريحات، 21 مايو 2014). إن عداء الاستكبار لإيران لا يتركز على القضايا النووية أو حقوق الإنسان، بل على الثبات في مواجهة المتسلطين. وهذا يوضح أن الأمن والتقدم في النموذج الإيراني-الإسلامي ليس نتاج التبعية لنظام الهيمنة، بل نتاج التوكل على القوة الإلهية والمقاومة الفاعلة أمام التسلط.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





