تسبيحٌ يفتح أبواب النجاة/ آية الله جوادي آملي

إن سرَّ نجاة النبي يونس (عليه السلام) كان في التسبيح والذكر: «لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين». فهذا الذكر دعاء بالمعنى العام، ومن باب قوله تعالى: «فاذكروني أذكركم». فإذا كان العبد ذاكراً لله فحسب، فإن الله يقضي حاجته، وكل مؤمن ينجو بهذا الذكر من الغم.

أفادت وكالة أنباء «حوزه» أنّ النجاة قد تختبئ أحياناً في جملة واحدة؛ تسليم صادق وتسبيح يفتح في عمق الظلمات باب الرحمة.

آية الله العظمى جوادي الآملي:

إن سرَّ نجاة النبي يونس (عليه السلام) من خطر البقاء في بطن الحوت إلى يوم القيامة، أنه كان من أهل التسبيح ومن المسبحين: «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ».
والتسبيح، كالتّحميد والتكبير والتهليل، من مصاديق ذكر الله.

وذكر يونس (عليه السلام) في حد ذاته تسبيح، ليس فيه – بحسب الظاهر – أي مسألة وطلب: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ».
فجملة «لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» ليست – ظاهراً – دعاء بالمعنى الذي يشمله قوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ»، ليكون من قبيل الطلب الصريح الذي يُستجاب. لكنها دعاء بالمعنى العام، تنطوي على مسألة ضمنية، وهي ذكر الحق واستحضاره ونداؤه، لا مجرد طلب الحاجة.

واستجابة الذكر غير استجابة الدعاء، وهي من باب «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ»، فإذا كان العبد ذاكراً لمولاه، فإن الله سبحانه يذكره يقيناً. وحيث إن ذكر الله صفة فعل له، فإنه يتجلّى أحياناً في صورة رحمة: «ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا».

وأدب العبد أن يكون ذاكراً لله. فإذا تأدب العبد بذكر الحق، وانشغل بالمناجاة والأنس بالله، واستغرق في لذة الذكر حتى نسي حاجته ولم يسأل شيئاً، فإن الله سبحانه يقضي حاجته؛ لأنه يعلم حوائج عباده جميعاً ولا ينساها أبداً: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا».

لقد كان يونس (عليه السلام) محتاجاً إلى النجاة، لكنه لم يقل سوى التسبيح. نزّه الله عن النقص، واعترف بنقصه هو: «لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ». فإذا انصرف الموجود المحتاج إلى ذكر الله وحده، من غير أن يطلب شيئاً، فإن الله سبحانه يستجيب له بأعلى مراتب الاستجابة: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ».

وهذه الاستجابة ليست مختصّة بالأنبياء (عليهم السلام)، ولا مقصورة على ابتلاء أو خطر معيّن، بل طبقاً للوعد الإلهي فإن كل مؤمن يذكر الله بالذكر اليونسي المجرّب ينجو من الغم: «وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ».

المصدر: تفسير تسنيم، ج7، ص539–540

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل