وكالة أهل البيت (ع) الدولية – أبنا: إنّ عتبة شهر رمضان المبارك تمثّل في الحقيقة الحدّ الفاصل بين العادة والعبادة. فالمؤمن الذي أمضى أحد عشر شهرًا في خضمّ شؤون الدنيا، قد لا يجني من دخوله المفاجئ إلى محيط رمضان اللامتناهي ـ من دون تمهيدات مسبقة ـ سوى العطش والجوع. ويرى كبار العلماء أنّ شهر رمضان هو ثمرة شهري رجب وشعبان؛ لذلك فإنّ الاستعداد الأخلاقي له ليس مجرّد توصية أخلاقية بسيطة، بل ضرورة استراتيجية لإدراك ليالي القدر والوصول إلى مقام «التقوى» الذي بُيّن أنّه الغاية النهائية للصيام.
الاستغفار؛ إزالة الغبار عن مرآة الروح
أول خطوة في الاستعداد الأخلاقي هي «التوبة» والرجوع إلى الله تعالى. فقلب الإنسان كمنزلٍ سيستقبل ضيفًا عزيزًا؛ ومن ثمّ يجب قبل كل شيء إزالة الأدران منه. وقد أكّدت الروايات الشيعية أنّ العبد إذا دخل شهر رمضان وهو مثقل بذنوبه، فإنّ ثقل المعاصي يمنع روحَه من التحليق في ملكوت هذا الشهر (1). ويؤكد الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا السياق ضرورة طلب المسامحة من الناس وأداء حقوقهم، لكي يدخل الإنسان الضيافة الإلهية بذمّة بريئة وقلب مطمئن.
وإلى جانب التوبة من الذنوب، فإنّ «الاستغفار من الغفلات» ضروري أيضًا؛ فكثير منّا ينغمس خلال السنة في رتابة الحياة اليومية وينسى الهدف الأساس من الخلق. إنّ الاستعداد الأخلاقي يعني إيقاظ حسّ العبودية وتذكير النفس بأننا مسافرون، وأنّ المقصد هو الحضرة الإلهية. وقد أوضح الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتابه «فضائل الأشهر الثلاثة» بالتفصيل كيف كان المعصومون (عليهم السلام) في الأيام الأخيرة من شهر شعبان يتضرّعون إلى الله ويستعدّون لاستنشاق نسيم الرحمة الرمضاني (2).
إصلاح العلاقات الاجتماعية وتفريج كُرَب الناس
الأخلاق الرمضانية لا تقتصر على السجادة والمسبحة، بل إنّ جانبًا كبيرًا منها يتجلّى في كيفية التعامل مع عباد الله. فقد عدّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في خطبته الشعبانية المعروفة صلة الرحم واللطف مع من هم تحت الرعاية من أركان الاستعداد لهذا الشهر. فمَن كان قاطعًا لأخيه المؤمن أو غير مبالٍ بالمحتاجين لا يمكنه الادّعاء بأنه مهيّأ للضيافة الإلهية؛ لأنّ الله كريم، ولا يُدخل إلى مائدته الخاصة إلا الكرماء (3).
إنّ إيجاد جوٍّ من الصلح والمودّة في الأسرة والمجتمع يلين القلب لتلقّي الفيوضات الإلهية. وفي التعاليم الشيعية عُدَّ الحقد (الشحناء) عائقًا كبيرًا أمام قبول الأعمال. فقد قال الإمام الرضا (عليه السلام) لأبي الصلت الهروي: إذا أقبل رمضان فاقتلع من قلبك كل حقد على مؤمن، واترك كل ذنب كنت مصرًّا عليه (4). وهذا التطهير الداخلي يهيّئ الأرضية لتجلّي الصفات الإلهية في وجود الصائم.
مراقبة اللسان والجوارح؛ تدريب قبل السباق
الاستعداد الأخلاقي يحتاج إلى فترة «تمرين على التركيز». فاللسان والعين والأذن منافذ إلى القلب، وإذا لم تُضبط فإنها تبدّد رأس المال المعنوي لشهر رمضان. والصوم الحقيقي في نظر أهل البيت (عليهم السلام) ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، بل صوم جميع الأعضاء والجوارح. إنّ التدريب على الصمت عن الكلام اللغو، واجتناب الغيبة، وغضّ البصر عن المحرّمات في أواخر شعبان، يهيّئ الذهن لسكون رمضان وسكينته (5).
ومن النقاط المهمة أيضًا ضبط النيّة؛ فالإخلاص هو جوهر العبادة، ومن دونه تصبح الأعمال أجسادًا بلا روح. وعلى الصائم أن يراجع نفسه ليدرك أنّ دخوله هذا الشهر ليس بدافع العادة السنوية ولا لمجرّد الثواب الأخروي، بل طلبًا للقرب من الحضرة الإلهية وتقوية الإرادة في مواجهة الأهواء النفسية. ويذكّر السيد ابن طاووس (رحمه الله) في كتابه القيّم «إقبال الأعمال» بأنّ المؤمن ينبغي أن يستقبل رمضان بشوقٍ ولهفة، كعطشان بلغ الماء، لا بكراهةٍ وثِقَل (6).
الحواشي
1.لكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج4، ص67، تحقيق علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية.
2.الصدوق، محمد بن علي، فضائل الأشهر الثلاثة، ص95، حديث 82.
3.الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج10، ص313 (خطبة النبي في شعبان).
4.الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا (ع)، ج2، ص51.
5.المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج93، ص292.
6.ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال، ج1، ص164 (باب الاستعداد لشهر رمضان).
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





