انطلقت صباح يوم السبت 25 شعبان 1447فعاليات المهرجان السابع والعشرين لكتاب العام للحوزة العلمية برسالة من سماحة آية الله جوادي آملي، وبحضور حاشد من الباحثين والأساتذة البارزين في الحوزة والجامعة، ومدراء المراكز العلمية وجمع من المسؤولين الحوزويين والحکوميين، وذلك في مدرسة الإمام الموسى الكاظم (عليه السلام) بمدينة قم المقدسة.
وجاء في رسالة سماحة آية الله جوادي آملي:
«إن الذات الإلهية المقدسة لم توجب علينا العلم فحسب، بل قررت لنا علوماً وافرة (أولاً)، وأقسمت بالأدوات العلمية؛ فأقسمت بالقلم، وأقسمت بالمداد، فضلاً عن قسمها بالكتاب والعلم وهو أمر جليّ. فإذا أقسم بالمداد بقوله: ﴿ن﴾، وإذا أقسم بالقلم بقوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾، وإذا أقسم بالمكتوبات والعلوم بقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾؛ فإن ذلك يعني أن المسطور والعلم المكتوب هو مورد قسم الله، والقلم الذي يكتب هو مورد قسمه، والمداد الذي هو أداة الكتابة هو مورد يمين إلهي؛ وهذا يشير إلى أن الذات الإلهية المقدسة تولي العلم أهمية كبرى».
وأضاف سماحته:
«إن الإنسان إذا أراد أن يفهم مطلباً ما، فلا يمكنه ذلك بدون “ميزان”، وإلا فإنه سيقضي أحياناً بناءً على الحدس والخيال والظن والوهم؛ لذا فمن أجل الدقة لا بد من وجود الميزان. وميزان العلوم، سواء في الحوزات أو الجامعات، هو “المنطق”؛ فالمنطق الغني والقوي يبيّن طريق التصور وطريق التصديق وطريق الحوار، كما يبيّن حُفر المغالطات، لكي لا يقع الإنسان في الخطأ ولا يوقع الآخرين في بئر الغلط. إن “فن المغالطة” من الفنون الضرورية في المنطق لكي لا يُبتلى بها الإنسان ولا يبتلي غيره بها».
واعتبر سماحته أن أهم أدوات العلوم الحوزوية هو “علم الأصول”، مبيناً:
«كلما غني وقويَ علم الأصول، فإنه لن يضل الطريق، ولن يسد الطريق على أحد، ولا ينشغل بإلقاء الشبهات، بل ينهمك في معرفة صراط الاستنباط المستقيم (أولاً)، وتقوية هذا الاستنباط (ثانياً)، والحذر من وقوع أي اعوجاج في هذا الطريق المستقيم (ثالثاً)؛ وهذه الأمور لها أثر كبير جداً».
وأوضح سماحته:
يجب على الحوزة أن تدرس منطقاً قوياً وغنياً لكي تولّد “السؤال”. فإذا تولد السؤال ودخلت في علم الأصول، فإنها ستبحث —لكون الأصول هو الدهليز والمدخل للفقـه— في أية قضية هي “قضية حقيقية” وأيها “قضية خارجية” وما هو المعيار. وعندما تنال الفتوى من هذا المدخل وتلج في مسألة الفقه، فحينئذٍ تفهم ما هو القابل للتغيير وما هو غير القابل لذلك؛ فمثلاً: هل هذه القضية القائلة بأن “الدية على العاقلة” قابلة للتغيير أم لا، وأمثال ذلك».
وأكد سماحته: لا مناص من فتح أبواب المنطق الغني والقوي، فالمنطق هو طريق الاستدلال، ومن هناك إلى مدخل الأصول الغني والقوي الذي هو طريق الاستنباط، ومنه نجد الطريق إلى الفقه الذي هو المحور الأساس للاستنباط. هل حدث أي تغيير وتحول في هذه القرون، أم حدثت تحولات كانت كبيرة جداً لدرجة أنها أدت إلى ظهور دين جديد، فجاءت المسيحية واليهودية والإسلام؟ إن هؤلاء جاءوا لتغيير “القضايا الخارجية” لا “القضايا الحقيقية”. فإذا كان ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو من القضايا الحقيقية، فهو سيان سواء في المسيحية أو اليهودية أو الإسلام؛ غاية الأمر أن بعضها ضعيف وبعضها غني وبعضها قوي، لكنها في هذا السياق نفسه. لقد جاء الإسلام بالأكمل منها، لكن الأصل هو في هذا المسير ذاته».
وفي جانب آخر من رسالته، قال سماحته:
«نظام “الإمامة والأمة” ليس للتعليم فحسب؛ فالعلم موجود في الحوزات والجامعات. العلم هو لـ “إزالة الجهل” وهو ما يصدر عن الحوزة والجامعة، والحسينيات والمساجد والمراكز التبليغية هي لـ “إزالة الجهالة”؛ أما ما يضطلع به نظام الإمامة والأمة وهو وظيفته، فهو في الوقت الذي يقود فيه عملية إزالة الجهل في الحوزات والجامعات، ويقود إزالة الجهالة في المساجد والمراكز والحسينيات والهيئات المذهبية، وفي حين يقود العلم والعقل وإزالة الجهل وإزالة الجهالة، فإن الوظيفة الأساسية لنظام الإمامة والأمة هي “إزالة الجاهلية”.
وبيّن سماحته أن العالم الغربي اليوم مبتلى بجانب من الجاهلية، قائلاً:
نحن الآن نرى جانباً من جوانب الجاهلية في الغرب. إن ما يرتكبونه في قضية غزة وأمثال غزة لا يُحل بالعلم، ولا يُحل بإزالة الجهالة، بل يُحل بـ “إزالة الجاهلية”. إن نظام الإمامة والأمة ركيزته الأساسية ووسامه الأصلي وعطاؤه الأكبر هو إزالة الجاهلية؛ لذا يجب تقوية مسؤولي النظام والدعاء لهم، وتقوية المجتمع الإسلامي والدعاء له، والابتهال إلى الذات الإلهية المقدسة والتضرع إليها لكي تمنّ علينا بـ “إزالة الجاهلية” كما منّت علينا بـ “إزالة الجهل” و”إزالة الجهالة”.





