السؤال: هل يتنافى الصومُ مع حُرّيّة الإنسان؟
والإجابة عن هذا السؤال تتوقّف ابتداءً على تحديد معنى الحريّة. فلنمضِ في بيان ذلك بيانًا منطقيًّا، خطوةً خطوة.
1. ما المقصود بالحريّة؟
على الرغم من تعدّد التعريفات التي طُرحت للحريّة في مختلف العلوم، إلّا أنّ محلّ البحث هنا يدور حول تصوّرَين أساسيَّين، يتّضح بهما وجهُ الجواب:
أ. الحريّة المطلقة غير المقيّدة: «أفعل ما أشاء»
هذا اللون من الحريّة—أي أن يفعل الإنسان كلَّ ما يهوى بلا قيد—لا وجودَ له في واقع الحياة الإنسانيّة؛ إذ إنّ الجسد، والقانون، والأخلاق، والمسؤوليّات الاجتماعيّة، وغيرها، تضع حدودًا لا مناص منها. ووفق هذا التعريف، يصبح كلُّ قانونٍ وكلُّ التزامٍ عدوًّا للحريّة:
كقوانين السير والمرور، والالتزامات الوظيفيّة، والأنظمة الغذائيّة، والسعي في طلب العلم، بل حتّى الوعد الذي يقطعه الإنسان لصديقه.
ومن ثمّ، فإنّ هذا التعريف للحريّة تعريفٌ غيرُ معقولٍ في نفسه، وبطلانه بيّنٌ لا يحتاج إلى إقامة برهان؛ لأنّ الحياة الإنسانيّة لا يمكن أن تقوم بلا أيّ قيدٍ أو نظام، ولم يتحقّق في تاريخ البشر—ولن يتحقّق—نمطُ حياةٍ منزّهٌ عن كلِّ ضابطٍ وحدّ.
ب) الحريّة العقلانيّة الهادفة: «التحكُّم بالنفس»
أمّا الحريّة بمعناها العقلاني، فهي: القدرة على الاختيار الواعي، والقدرة على ضبط النفس؛ أي أن يكون الإنسان قادرًا على إدارة رغباته الآنيّة، ليبلغ أهدافًا أسمى وأبعد مدى. فالحريّة هي أن لا يكون أسيرَ العادات، ولا عبدًا للغضب والشهوة والنزوات الفوريّة، بل قادرًا على تفضيل الغاية البعيدة على اللذّة القريبة.
وفي الرؤية الدينيّة والعقلانيّة، يرتبط «النموّ» و«الكمال» بهذا المعنى الثاني للحريّة؛ إذ لا يقترب الإنسان من كماله إلّا حين تكون إرادته هي الآمرة الناهية، لا أهواؤه وشهواته.
وعلى هذا الأساس، يتّضح أنّ الصوم ليس خصمًا للحريّة، بل هو مدرسةٌ لتزكيتها، وتمرينٌ عمليٌّ على الحريّة الباطنيّة؛ حيث يقول الإنسان بملء إرادته: أستطيع أن آكل، ولكنّي أختار أن لا آكل.
2. كلُّ إنسانٍ يسعى إلى سعادته
الحقيقةُ أنّ كلَّ إنسانٍ يطلب سعادته ويسعى إليها، وإن أخطأ أحيانًا في تشخيص مصداقها وتعيين طريقها. فإذا توصّل المرءُ—بعد البحث والنظر—إلى أنّ:
- الله موجودٌ حكيم، وأنّ أوامره صادرةٌ عن مصالح حقيقيّة، ضامنةٍ لسعادة الإنسان،
- وأنّ النبيّ ﷺ معصوم، وقد جاء بالبرنامج الكامل لهداية البشر، وهو الإسلام، وأنّ الصوم أحدُ أوامره الإلهيّة؛
فحينئذٍ هو بنفسه—لا غيرُه—الذي يختار امتثال هذه الأوامر طلبًا لسعادته. وهذا بعينه منطقُ الاختيار الحرّ: أن يختار الإنسان الطريق عن وعيٍ، ثم يلتزم بلوازمه التزامًا اختياريًّا. فتنفيذ أوامر الإسلام (كالصوم) هو «اختيارٌ عقلانيٌّ لبلوغ السعادة»، وثمرةُ اختيارٍ سابقٍ حرٍّ واعٍ.
مثالٌ جليّ:
من تحقّق بعد البحث من اختصاص ومهارة طبيبٍ ما، فإنّه إذا عمل بوصفته لم يكن مُكرَهًا، بل مختارًا لما فيه صحّتُه، ملتزمًا بالتعليمات عن إرادةٍ وقصد.
وكذلك من اختار دراسة الطبّ عن رغبةٍ وشغف، فإنّه يتحمّل مشقّة الدروس الصعبة لاحقًا، لا لأنّ قوّةً قاهرةً تُلزمه، بل لأنّ له هدفًا يسعى إليه، فيبذل كلَّ ما يلزم لبلوغ النجاح في تخصّصه، فلا يشعر بالإكراه ولا بالضيق، بل يتقدّم بدافعٍ وعزم.
والصوم على هذا النمط:
فمن اعتقد حقّانيّة الدين، فإنّه يصوم طلبًا لسعادته، لا خضوعًا لرقٍّ أو استعباد. إنّه يرى «واجبات» الدين عينَ كماله وسعادته التي يطلبها عن محبّةٍ وشوق، لا عن قسرٍ وإلزام. وهذه الحقيقة جاريةٌ في سائر شؤون الحياة؛ إذ كثيرٌ من الأمور فيها «ينبغي» و«يجب» دون أن تكون «إكراهًا»، كقولنا:
- ينبغي الصدق.
- ينبغي صيانة حقوق الناس.
- ينبغي الوفاء بالوعد.
فهذه تكاليفُ وواجباتٌ تُنمّي الإنسان وترقّيه، وليس من الصحيح وصفُها بأنّها إكراهٌ أو مناقضةٌ للحريّة.
3. أمثلةٌ يوميّة على الحريّة العقلانيّة
١. أيُّهما أكثر حرّية: من يلتزم حِميةً غذائيّةً فيترك الحلوى، أم من لا يقدر على مقاومتها؟
٢. أيُّهما أتمّ حرّيّةً: من يعزم على النوم مبكّرًا فيضع هاتفه جانبًا، أم من يقول: «الأمر خارج عن إرادتي»؟
٣. أيُّهما أعتق نفسًا: من يقلع عن الإدمان ويضحّي باللذّة الآنيّة لأجل مستقبله، أم من يبقى أسيرًا له؟
والصوم من هذا القبيل بعينه:
إنّه تدريبٌ على قول «لا» للرغبة العاجلة، ابتغاءَ بلوغ «السعادة» الحقيقية.
وعليه، فإذا كان الإنسان قد قبل الإسلام باختياره، فإنّ امتثال أوامره—كالصوم—إنّما هو امتدادٌ لتلك الحريّة الأولى التي مارسها. فهو قد اختار عن وعيٍ أن يتخلّى مدّةً محدودةً عن بعض اللذائذ المادّيّة، طلبًا للسعادة الأبديّة وصحّة الروح. فالصوم إذن ليس «تقييدًا قهريًّا»، بل هو «انضباطٌ اختياريٌّ عقلانيّ»، يرتقي بالإنسان نحو ذُرى الإنسانيّة العليا.
ترجمة مركز الإسلام الأصيل