إذا كان رمضان هو شهر ضيافة الله، فلماذا نحرم من نعمه كالأكل والشرب؟

في المعارف الإسلامية، يُعرف شهر رمضان بـ «شَهْرُ اللَّهِ»، شهر الله، شهر الرحمة والمغفرة، وقد ورد في خطبة شعبانية: شهر ضيافة الله: «هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَی ضِیَافَةِ اللَّهِ…». ومن هنا يبرز سؤال طبيعي: إذا كان هذا الشهر «ضيافة»، فلماذا الصوم أي الامتناع عن الطعام والشراب؟ إذا كان رمضان «شهر ضيافة الله»، فالضيافة تعني التناول والاستفادة، فلماذا إذن يُرمز إليها بالصوم؟ لماذا قد تُجمع المائدة وتُفرغ؟

الإجابة على هذا السؤال تتجلى عبر عدة نقاط:

1- إعادة تعريف «ضيافة الله»

إن فهمنا الشائع للضيافة عادةً ما يرتبط بالطعام والشراب، لأننا نرى اللذة بشكل أكبر في تلبية الحاجات الجسدية، لكن «ضيافة الله» ليست من هذا النوع المادي البحت؛ لفهمها، يجب أن نعرف من هو الضيف الرئيس في رمضان: هل الجسد أم الروح؟

الإنسان ليس ذا بُعد واحد، بل له بُعدان:

  • الجسد: يقوى بالغذاء والماء والراحة.
  • الروح: تنمو بالوعي، الإرادة، الأخلاق، والتقرب إلى الله.

الروح هي هويته الأصيلة، وفلسفة الدين الأساسية هي إيصال الإنسان إلى كمال روحه. كمال الإنسان ليس في مجرد أن يأكل ويشرب جيدًا؛ لو كان كذلك، لكان العديد من الحيوانات أكثر كمالًا منا. كمال الإنسان يكمن في تفتح قوة إرادته وارتقاء روحه. عندها يمكننا فهم معنى «ضيافة الله» بشكل أعمق.

في أحد عشر شهرًا من السنة، غالبًا ما يكون اهتمامنا الأكبر بالجسد، ويصبح صوت الروح ضعيفًا بين العادات والاحتياجات المادية. الصوم، من خلال تقليل الانشغال بالجسد مؤقتًا، يمنح الروح فرصة للنمو؛ لذلك فإن «الحرمان الظاهر» هو في الحقيقة وسيلة لتمهيد مائدة أخرى، مائدة النمو الروحي. والله الغني الحكيم، يقدّم ضيافته على مستوى أرفع يتناسب مع الكمال الحقيقي للإنسان، أي تطور روحه، لا مجرد شبع جسده.

بعبارة أبسط، رمضان هو ضيافة، لكنها ضيافة يريد فيها المضيف رفع ضيفه إلى مستويات أعلى، لا مجرد إشباعه.

2- هدف الصوم: التقوى وضبط النفس

القرآن يوضح هدف الصوم بجلاء: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (سورة البقرة، آية 183)، أي أن الصوم وسيلة للوصول إلى التقوى. ولنبسط المعنى، فالتقوى هي القوة الداخلية للسيطرة على النفس وإدارتها؛ أن لا يكون الإنسان أسيرًا للشهوات والعادات. في هذه الضيافة الإلهية، لا يريد الله منا الأذى، بل يسعى لتهيئة القدرة على استقبال نعم أكبر: الطمأنينة الداخلية، قوة الإرادة، طهارة القلب، والتقرب إليه. وشهر رمضان هو البيئة التدريبية المثلى للحصول على هذه النعم، ورفع مستوى الروح.

3- هذه القيود مؤقتة وحكيمة وليست إنكارًا للنعم

ومن النقاط الأخرى أن الصوم ليس حرمانًا دائمًا، بل له توقيت محدد: من أذان الفجر حتى غروب الشمس. ويؤكد القرآن أن الأكل والشرب حلال ليلاً، ويحدد بدقة حدود بداية الصوم. أي أن الدين لا يقول «النعم شر»، بل يدعو إلى تعديل العلاقة مع النعم لفترة قصيرة.

العقل يُخبرنا أنه في كثير من الأحيان للوصول إلى خير أعظم، يجب التخلي مؤقتًا عن متعة أقل. هذا ليس إنكارًا للنعم، بل تنظيم سليم لاستهلاكها.

تخيل رياضيًا دُعي إلى مخيم خاص يهدف لرفعه إلى مستوى أعلى. يقول له المدرب: لا تأكل الحلوى والأطعمة الدسمة لعدة أسابيع، نظم نومك وطعامك، وقم بتمارين شاقة.

قد يبدو هذا «حرمانًا» من الخارج، لكن الحقيقة هي «ضيافة احترافية»: المدرب يقوي جسده وإرادته ليبلغ متعة أعظم: البطولة.

وشهر رمضان مشابه لذلك: يريد الله للإنسان أن يصل إلى البطولة الأخلاقية والروحية، وهذا لا يتحقق بدون تدريب على ضبط الشهوات. فرمضان هو «ضيافة تربوية»: الله لا ينكر النعم المادية، بل يدير استهلاكها لفترة قصيرة، ليتمكن الإنسان من تذوق النعم الأعمق: الوعي، طهارة القلب، ضبط النفس، التقرب إلى الله، وفهم أعمق لمعنى الحياة.

4- التدريب الحقيقي

قد يتساءل البعض: لماذا يتم تحديد النعم المباحة تحديدًا؟ في الصوم، يمتنع الإنسان عن أشياء هي في الأصل حلال ونعم (مثل الطعام والشراب…). لماذا؟ لكي يكون التدريب حقيقيًا. إذا كان المطلوب فقط اجتناب المحرمات، فهذا واجب في كل أيام السنة. لكن رمضان يخلق “ناديًا خاصًا”: حين تتجاوز حتى الحلال المحبوب لديك من أجل هدف أسمى، تقوى إرادتك، وتصبح أكثر صلابة أمام الإغراءات الأكبر (الكذب، الظلم، الشهوات غير المضبوطة، الإسراف…).

وهذا ربما يكون من معاني الحديث: «الصوم جُنّة»، أي درع يحمي الإنسان من السقوط الأخلاقي وهيمنة الشهوة.

لذلك، الصوم ليس حرمانًا، بل هو قيد مؤقت وهادف للوصول إلى النمو و«الضيافة على مستوى أرقى»، ليتمكن الإنسان من بلوغ النعم والكمالات الأكبر: التقوى، ضبط النفس، طهارة القلب، الروحانية، والتقرب الأعظم إلى الله.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: كيف نتعامل مع الأطفال الذين يأخذون المال خِفية؟
السؤال: كيف نجمع بين هاتين الروايتين: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم، وأزوجكم إلا فاطمة فإن تزويجها نزل من السماء. والرواية الثانية: عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : وإن الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة من علي (عليهما السلام) ؟
هل أن اولاد غير المسلمين غیر شرعیین؟
سبب خفاء قبر أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)
السؤال: ما مبرّرات استمرار الحاجة إلى الدين في ظل تطوّر العلوم الحديثة؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل