شهر رمضان المبارك فرصة للتعرّف إلى كنزٍ فريد من الحكمة والبصيرة العلوية. وفي الملفّ الخاص «الضيافة العلوية» نكون معكم على موائد إفطاركم، أيها النخب، مع مقاطع من خطب ، ببيان حجة الإسلام والمسلمين محمود لطيفي، الخبير في نهج البلاغة.
إن الفارق الجوهري بين السياسة الأموية والسياسة العلوية، أو بين السياسة الإسلامية (الإلهية) والسياسة غير الإلهية (الشيطانية)، هو أن الحاكمية في السياسة الإلهية وُجدت لكي يصل الناس إلى حقوقهم. فالحاكم لا يراعي مصالح الناس فحسب، بل يبذل من نفسه لأجلهم. ولهذا قرن القرآن الكريم الصلاة بالزكاة في أكثر من عشرين موضعًا:
«أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ»، «أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ».
وهذا يشير إلى أنه بعد العبودية ومعرفة الله، ينبغي أن يعتاد الناس أن يبذلوا من أنفسهم، وأن يتحمّلوا الكلفة في سبيل الله. فحضور الله تبارك وتعالى في الحياة يحتاج إلى كلفة وبذل؛ سواء كانت الزكاة الخاصة المذكورة في الفقه، أو الإنفاق والصدقات، أو ما ورد في مباحث الأخلاق من أن من كان لديه علم فعليه أن يبذل من علمه، ومن كان لديه عقل أو وجاهة فعليه أن يبذل من وجاهته. إن الإيثار من المحاور الأساسية في الإدارة السياسية في الإسلام؛ وعلى المدير أن يكون مؤثرًا.
يجب على المدير أن يكرّس نفسه للناس وينفق من ذاته لأجلهم. وسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) شاهدة على ذلك؛ ومن ذلك ما جرى لأمير المؤمنين (سلام الله عليه) في قصة سورة «هل أتى»، حين جاء اليتيم والأسير والمسكين إلى بيته، فتصدّق هو وأهل بيته بإفطارهم وأثروا غيرهم على أنفسهم. ولدينا في التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل.
إن الإيثار والتضحية بالنفس يتجليان في إطار السياسة العلوية، في مقابل المطالبة بالحصة. فبعضهم يشارك في الثورة، ويدخل ميدان السياسة، ويحضر في الجهاد ويتحمّل المشقة، لكنه بعد الرجوع يطالب بحصته، ويصرّ على أن تُعطى له كاملة. بل قد يبلغ به الإصرار حدّ اتهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعدم مراعاة العدالة، كما وقع في واقعة حُنين.
إذًا فالإيثار في جهة، والمطالبة بالحصة في جهة أخرى. وفي الرسالة الخامسة والأربعين التي كتبها أمير المؤمنين (سلام الله عليه) إلى عثمان بن حنيف، أشار إلى هذه الحقيقة:
«بلى كانت في أيدينا فدك…»
أي إن فدك كانت بأيدينا، وقد أعطاها لنا النبي.
«بلى كانت في أيدينا فدك، فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين»
فبعضهم طمع فيها، وبعضهم جاد بها وبذلها في سبيل الله.
فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلها علي بن أبي طالب، ففي السنوات العشر التي أقام فيها النبي في المدينة، خطّط لما يقارب ثمانين معركة وأدارها وشارك فيها. وفي معركة أُحد قاتل ليلًا ونهارًا حتى قيل إنه أصيب بسبعين جراحة. وكان جسده المبارك ممزقًا، حتى إن من جاء لمعالجته كان يقول: «كلما خاط موضعًا من جهة انفتح من الجهة الأخرى».
ثم بعد فتح خيبر، وهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله جزءًا من فدك، وهي قرية خضراء، إلى فاطمة الزهراء (سلام الله عليها).
وأشير هنا إلى عبارة جميلة عن الإمام الرضا (عليه السلام) تتعلق بأن الإيثار في جهة والمطالبة بالحصة في جهة أخرى.
فقد سُئل الإمام الرضا (عليه السلام): عندما تولّى أمير المؤمنين الخلافة وصارت السلطة بيده، لماذا لم يُعد فدك إلى ذرية فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)؟ لماذا لم يسترجعها مع أن الحكم كان في يده؟
فأجاب الإمام الرضا (عليه السلام):
«لأنّا أهل بيت إذا ولّينا الله عزّ وجلّ لا نأخذ حقوقنا ممّن ظلمنا إلا هو»:
نحن أهل بيت إذا منحنا الله ولاية المجتمع وإدارته، فإن الذي يستوفي حقوقنا ممن ظلمنا هو الله وحده. وحتى نحن إذا وصلنا إلى السلطة لا نسعى إلى الانتقام ممن ظلمونا أو استرجاع حقوقنا بالقوة. لا نفعل ذلك.
«ونحن أولياء المؤمنين»:
وهذه عبارة لافتة: «نحن أولياء المؤمنين». نريد أن نكون أولياء للمؤمنين، مشرفين عليهم، مملوئين بالمودة لهم.
«إنما نحكم لهم»
جئنا لنحكم لصالحهم، لنؤثرهم على أنفسنا، ولنضحّي بحياتنا لأجلهم، ولنمنحهم كل شيء في حياتنا.
«ونأخذ لهم حقوقهم ممن يظلمهم ولا نأخذ لأنفسنا»
نحن نستوفي حقوق الناس من الظالمين، ولا نسعى إلى أخذ حقوقنا لأنفسنا. لم نأتِ لكي إذا وصلنا إلى السلطة نطالب بكل ما ضُيّع من حقوقنا في الماضي، وفق التعبير الدارج اليوم: «نطالب بحصتنا. ما هي حصتنا؟ لقد تعبنا كل هذه المدة، فأين نصيبنا؟»
وهذا محور آخر من محاور الاختلاف بين السياسة العلوية والسياسة الأموية، أو قل بين السياسة الإلهية والسياسة الشيطانية. ومن خلال هذا الفارق يمكننا تمييز الأشخاص: هل هو مؤثر يبذل من نفسه، أم طالب حصة يسعى وراء نصيبه؟
فأسر الشهداء من جهة تبذل وتضحي وتدفع كل ما لديها، حتى أرواحها. لديها شاب واحد فتقدّمه، وتقول: «لو كان لدي مئة لقدّمتهم في سبيل الإسلام. كل وجودي فداء للإسلام.»
وفي الجهة المقابلة قد تجد من لم يفعل شيئًا وقت الحرب، ثم يبدّل وجهه لاحقًا ويسعى للمطالبة بحصته.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل