في عالم اليوم المتسارع، أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والشاشات اللمسية جزءًا لا يتجزأ من الحياة؛ إلى حدٍّ أن التنفّس في الفضاء الافتراضي يغدو أحيانًا مقدّمًا على التنفّس في العالم الواقعي. وتُظهر أبحاث علمية معتبرة أن الاستخدام غير الهادف والإدماني لهذه المنصّات قد يؤدي إلى زيادة القلق الاجتماعي، وتراجع جودة النوم وتقدير الذات، بل وحتى ظهور الاكتئاب[1]. لكن في المقابل، يأتي شهر رمضان برسالته الإلهية حاملاً وصفة شافية لهذا المرض المُرهِق نفسيًا. فالقرآن الكريم يبيّن فلسفة الصيام بقوله:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[2]؛ أي: يا أهل الإيمان، فُرض عليكم الصيام كما فُرض على من قبلكم لعلكم تتقون. والتقوى تعني قوة ضبط النفس والرقابة الداخلية. ويسعى هذا المقال إلى استكشاف الصلة بين هذين العالمين، مبيّنًا كيف يمكن للصيام أن يكون أفضل فرصة لـ«ديتوكس رقمي» عميق ومستدام.

قلق داخل الإطار؛ ماذا يقول العلم عن أضرار الفضاء الافتراضي؟

قبل البحث عن العلاج، ينبغي معرفة الجرح. فالأمواج الكهرومغناطيسية والإشعارات التي لا تنتهي تستهدف نفس الإنسان المعاصر.

أظهرت دراسات متعددة علاقةً ذات دلالة مقلقة بين إدمان الإنترنت والاضطرابات النفسية. فقد بيّنت دراسة أُجريت على طلاب العلوم الطبية في مشهد وجود ارتباط إيجابي معنوي بين درجات إدمان الإنترنت والاكتئاب (r=0.518)، أي كلما زادت التبعية للإنترنت ارتفع مستوى الاكتئاب[3]. وهذه الإحصائية جرس إنذار للجيل الرقمي.

لكن المشكلة لا تقتصر على الاكتئاب. فبحوث أخرى تشير إلى أن الإفراط والاستخدام غير الهادف لوسائل التواصل قد يؤديان إلى زيادة القلق الاجتماعي وتراجع جودة النوم[4]. فالعيون التي تحدّق في شاشة الهاتف حتى منتصف الليل تستيقظ صباحًا مرهقة قلقة. وهذه الحلقة المعيبة تستنزف الطاقة النفسية للإنسان وتمنعه من العيش في اللحظة الحاضرة. ورغم أن بعض الدراسات الأحدث تؤكد تعقيد هذه العلاقة ولا ترى الزمن وحده عاملًا مباشرًا، فإنها تقرّ بأن المراهقين الذين يعانون القلق قد يلجؤون إلى هذه الفضاءات طلبًا للطمأنينة؛ ملجأً يزيد نار القلق اشتعالًا[5].

في الجانب الآخر، يأتي رمضان ببرنامج شامل لتعزيز «القائد الداخلي» للإنسان. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل ورشة لإعادة بناء الإرادة.

الخطوة الأولى هي التدريب المستمر على قول «لا». فالإنسان الذي يقاوم الجوع والعطش ثلاثين يومًا متتالية من الفجر إلى المغرب، تقوى تدريجيًا «عضلة الإرادة» لديه. ويقول قائد الثورة في تفسير قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» إن التقوى تعني «الاحتراس» و«المراعاة»؛ فكما يراعي السائق منعطفات طريقٍ خطر، يراعي المتقي ربَّه فلا ينحرف عن الصراط[6]. وهذه القدرة على المراعاة هي نفسها القوة التي تمكّن الإنسان من مقاومة إغراء «تمريرٍ واحد بلا هدف».

والثمرة الثانية لرمضان هي «الإرادة الكاسرة للانسداد». فقد وعد القرآن:
«وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا»[7]؛ أي من يتقِ الله يجعل له مخرجًا. وإدمان الإنترنت نوع من الانسداد النفسي؛ فالإنسان يعلم أن هذا التضييع للوقت عبث، لكنه يعجز عن التوقف. والتقوى التي تتقوّى في رمضان هي ذلك «المخرج» الذي يحرّرنا من هذا المأزق. فالصيام يعلّمنا أننا قادرون على السيطرة على عاداتنا الغريزية؛ فإذا استطعنا قهر الجوع والعطش استطعنا كذلك قهر عادة تفقد الهاتف باستمرار[8].

برنامج ثلاثون يومًا؛ من العادة إلى العبادة خطوة بخطوة مع رمضان

حان وقت التطبيق. هذا البرنامج الثلاثيني مزيج من الأسس الدينية والحلول النفسية العملية، يساعدك على الخروج من هذا الشهر بروح أنقى وإرادة أقوى[9].

الأسبوع الأول: الوعي وتقليل التعلّق (أيام 1–7 رمضان)

كن مجرد مراقب لعاداتك. فعِّل تطبيقات مثل «Digital Wellbeing» في أندرويد أو «Screen Time» في آيفون، وراجع كل ليلة تقرير الاستخدام. أوقف الإشعارات غير الضرورية. هذا أسبوع الفهم لا القطع. اعرف أين يذهب وقتك الذهبي في رمضان. فالوعي أول خطوة للعلاج. وتذكّر أن رمضان شهر «تزكية» وتنقية[10].

الأسبوعان الثاني والثالث: بناء قيود ذكية (أيام 8–21 رمضان)

بعد معرفة العدو حان وقت ضبطه. استخدم تطبيقات إدارة الوقت مثل «StayFree» و«Opal» و«QualityTime» لوضع حدٍّ يومي لكل تطبيق مُضيّع للوقت[11]. مثلًا: حدِّد إنستغرام بـ30 دقيقة يوميًا. وحدّد فترتين فقط لاستخدام الهاتف: مثل 20 دقيقة بعد الإفطار و20 دقيقة قبل السحور. وضع الهاتف في غرفة أخرى بقية الوقت. واملأ الفراغ بالقرآن والدعاء والمشي والحديث العائلي. وكما ورد في الروايات، فإن عملية «الالتهام الذاتي» (Autophagy) التي تنشط مع الجوع تنظّف خلايا الجسد المريضة[12]؛ فلنجعل هذا التنظيف يشمل النفس والعادات الرقمية أيضًا.

الأسبوع الرابع: التثبيت وتجاوز حدّ التعلّق (أيام 22–30 رمضان)

اختبر قوتك الجديدة. حاول قضاء يوم كامل في «وضع الطائرة»، واستعمل الإنترنت للضرورات فقط. استبدل العالم الافتراضي بأنشطة عباديّة واجتماعية. وفي ليالي القدر — ذروة الاتصال بالله — أطفئ الهاتف وتفرّغ للدعاء[13]. وبعد ثلاثين يومًا من التدريب ستصل إلى مرحلة يتحول فيها الهاتف من «إدمان لا إرادي» إلى «أداة اختيارية». وهذا هو «الفلاح» الذي وعد الله به المتقين[14].


الهوامش

[1] دراسة تأثير شبكات التواصل على الصحة النفسية للمراهقين، المؤتمر الوطني للدراسات الحديثة في الإدارة وريادة الأعمال، 1404هـ ش.
[2] القرآن الكريم، البقرة: 183.
[3] سرودي، ستاره؛ مصطفى‌بور، سمانه؛ علومي، شبنم. أثر استخدام الشبكات الاجتماعية على اكتئاب طلاب كلية العلوم المساعدة الطبية بمشهد. مجلة آفاق تطوير تعليم العلوم الطبية، 1400هـ ش.
[4] المصدر نفسه.
[5] «دراسة حديثة تتحدى الخوف من زمن الشاشة»، يورونيوز فارسي، 16 يناير 2026.
[6] موقع مكتب حفظ ونشر آثار آية الله العظمى الخامنئي، فهارس مرتبطة بالبقرة:183.
[7] القرآن الكريم، الطلاق: 2.
[8] «رمضان تدريب ضبط النفس»، ورش مؤتمر 60، 16 بهمن 1404هـ ش.
[9] «كيف نقلل استخدام الهاتف أثناء الصيام؟» نادي الصحفيين الشباب.
[10] المصدر نفسه.
[11] «أفضل تطبيقات تحديد استخدام الهاتف»، زوميت.
[12] «رمضان تدريب ضبط النفس»، المصدر نفسه.
[13] «كيف نقلل استخدام الهاتف أثناء الصيام؟» المصدر نفسه.
[14] أشار القرآن إلى فلاح المتقين في آيات عديدة؛ منها البقرة: 189: «وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل