في زمنٍ انتقلت فيه ساحات المعركة من الخنادق الترابية إلى الشاشات المضيئة في أيدينا، لم تعد الحروب تدار بالسلاح وحده، بل أصبحت تُخاض أيضاً بالكلمة والصورة والرواية. لقد تغيّرت طبيعة الصراع في العالم المعاصر، وأصبحت حرب السرديات إحدى أخطر ميادينه؛ إذ يمكن لشائعة صغيرة، أو خبر مضلل، أن يفعل في النفوس ما لا تفعله المدافع في الميدان.

في هذا السياق، لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل تحول – شاء صاحبه أم أبى – إلى منصة إعلامية صغيرة، وإلى موقع متقدم في معركة الوعي.

ومن هنا تنشأ مسؤولية جديدة على عاتق الأفراد في مواجهة سيل الشائعات وحملات التضليل التي تستهدف المجتمعات.

الكاميرا سلاح جديد

في الماضي، كان الدفاع عن الأوطان يستدعي الوقوف في ساحات القتال، وحمل السلاح في خطوط المواجهة. أما اليوم، فقد توسعت حدود المعركة، وأصبحت تمتد إلى العقول والقلوب. فالحرب المعرفية لا تهدف إلى احتلال الأرض بقدر ما تهدف إلى احتلال الوعي.

وسائل الإعلام الكبرى، ومعها شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت أدوات مركزية في تشكيل الرأي العام. وفي هذا الفضاء، يمكن لقوة إعلامية منظمة أن تقلب الحقائق، فتجعل المعتدي ضحية، والضحية معتدياً، وتعيد رسم صورة الأحداث في أذهان الناس بطريقة تخدم مصالحها.

لذلك فإن اللامبالاة في هذا المجال ليست حياداً، بل قد تتحول – من حيث لا يشعر الإنسان – إلى مساهمة غير مباشرة في نشر الروايات المضللة. فكل مشاركة أو تعليق أو إعادة نشر قد تكون خطوة في نشر الحقيقة، أو حلقة في سلسلة تضخيم الشائعات.

الميثاق الأخلاقي للإعلام الفردي

قبل قرون طويلة من ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وضع القرآن الكريم قاعدة أخلاقية دقيقة للتعامل مع الأخبار. يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

هذه الآية ترسم مبدأً أساسياً في التعامل مع المعلومات: التحقق قبل النشر. وهو المبدأ الذي يشكل اليوم أساس ما يسمى في الدراسات الحديثة بـ”محو الأمية الإعلامية”.
وقد عبّر النبي الأكرم ﷺ عن هذا المعنى بعبارة شديدة الوضوح حين قال:
“كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”.

فليس كل ما يصل إلى الإنسان يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يُقال صحيحاً. إن التسرع في نقل الأخبار قد يحوّل الإنسان – من غير قصد – إلى أداة لنشر الكذب.

ويؤكد أمير المؤمنين علي عليه السلام هذا المعنى بقوله:
“لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ”.

إن هذه القاعدة تمثل أخلاق الإعلام المسؤول؛ حيث يصبح الصدق والدقة وضبط النفس أساس الحضور في الفضاء الرقمي.

حرب اليأس

من أخطر الأساليب المستخدمة في الحروب الإعلامية المعاصرة بثّ روح اليأس في المجتمعات. فبعض الحملات الإعلامية لا تهدف فقط إلى نقل الأخبار، بل إلى خلق حالة نفسية عامة تقوم على الإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل.
ويتحقق ذلك عبر تضخيم نقاط الضعف، وإهمال الإنجازات، وتكرار الأخبار السلبية بصورة مستمرة، حتى يتشكل في ذهن المتلقي تصور بأن كل شيء يسير نحو الأسوأ.

المجتمع الذي يفقد الأمل يصبح أكثر قابلية للاستسلام، وأقل استعداداً للمقاومة أو العمل. ولهذا فإن نشر اليأس قد يكون في بعض الأحيان أخطر من الهجوم العسكري.

جهاد التبيين

في مواجهة هذه الحرب الناعمة، يبرز مفهوم “جهاد التبيين”، أي العمل الواعي على كشف الحقائق وتوضيحها، ومواجهة التضليل بالحجة والبيان.

لا يعني هذا الانخراط في جدالات عقيمة أو نشر الدعاية، بل يعني ببساطة أن يكون الإنسان ناشراً للوعي لا للشائعات، وأن يسهم في إظهار الحقائق والإنجازات والجهود الإيجابية داخل المجتمع.

حين يتحول الأفراد إلى رواة للحقائق، ويحرصون على الدقة والصدق في ما ينشرونه، فإنهم يضعفون كثيراً من تأثير الحملات الإعلامية المضللة.

فالكلمة الصادقة، وإن بدت صغيرة، قد تكون قادرة على إبطال أثر آلاف الرسائل الموجهة.

مسؤولية صغيرة… وأثر كبير

قد يبدو ما يكتبه الفرد في صفحته الشخصية أمراً بسيطاً، لكن مجموع هذه الأصوات الفردية يشكل في النهاية المشهد العام للرواية الاجتماعية.

إن المجتمع الذي يمتلك وعياً إعلامياً، ويعرف كيف يميز بين الخبر والتحريض، وبين المعلومة والشائعة، يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه من التلاعب النفسي والإعلامي.
وفي هذا العصر، لم يعد الدفاع عن الحقيقة مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل أصبح أيضاً مسؤولية الأفراد.

فكل كلمة واعية، وكل تصحيح لمعلومة خاطئة، وكل موقف يرفض نشر الشائعة، هو مساهمة صغيرة في حماية الوعي العام.

وهكذا يصبح الهاتف المحمول – الذي نحمله جميعاً – ليس مجرد أداة تواصل، بل ثغراً من ثغور الدفاع عن الحقيقة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل