يقول الإمام علي (عليه السلام) في الحكمة ١١٣ من نهج البلاغة في عبارة: «لَا قَرِینَ کَحُسْنِ الْخُلُقِ» إن حسن الخلق يتحول من مجرد فضيلة أخلاقية إلى «رفيق دائم» في مسيرة الحياة.
وبحسب وكالة حوزة للأنباء، فإن شهر رمضان المبارك هو فرصة للتعرف على كنز فريد من الحكمة والبصيرة العلوية. في الملف الخاص بـ «ضيافة علوي» سنرافقكم مع مقتطفات من حكم نهج البلاغة، مع بيان حجة الاسلام والمسلمين جواد محدثي، خبير نهج البلاغة.
الحكمة المائة والثالثة عشر من نهج البلاغة
تحتوي هذه الحكمة العظيمة على نقاط عميقة يمكن تأملها في جزأين:
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
«لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَ لَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَ لَا عَقْلَ كَالْتَّدْبِيرِ، وَ لَا كَرَمَ كَالتَّقْوَى، وَ لَا قَرِینَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَ …»
معنى الحكمة:
لا يوجد مال أو ثروة أكثر ربحًا وفائدة من العقل. كلمة «أَعْوَدُ» مأخوذة من جذور العائدات، أي المنفعة التي يحصل عليها الإنسان من خلال التفكير والتدبر واستخدام العقل، وهي أعظم كثيرًا من المنافع المادية التي تُكتسب بالمال وحده.
نحن نستثمر ونجني فوائد، لكن ما يمنحه العقل للإنسان – أي الحياة العقلانية وتوظيف الفكر في اتخاذ القرارات وأساليب العيش – أكثر ربحًا وفائدة من أي مكاسب أخرى. لذا يجب أن يكون العيش بعقلانية محور حياتنا.
وفي الجزء الآخر من الحكمة يقول الإمام (عليه السلام): «وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ»
أي لا يوجد وحدة أو شعور بالوحشة أشد رعبًا وأصعب من الغرور (العجب).
شرح العجب:
«العجب» يعني الغرور أو حب الذات، أي أن يرى الإنسان نفسه كاملًا، بلا عيب، وأفضل من الآخرين. هذه الذاتية تؤدي بالإنسان إلى شعور بالوحشة والعزلة.
في الروايات، تعني «الوحشة» الشعور بالوحدة. ويؤكد القرآن والأحاديث أنه في طريق الهداية لا يجب أن نشعر بالوحدة بسبب قلة الأصحاب والمؤمنين.
من يقع في فخ العجب لا يعطي الآخرين قيمة؛ يرى الجميع بلا فضل أو استحقاق، ويجمع كل الفضائل في نفسه. طبيعي أن مثل هؤلاء الأشخاص سيبقون وحيدين.
لنعكس الأمر على أنفسنا: لا نحب الأشخاص الذين يبالغون في مدح أنفسهم ويرون أنفسهم أفضل من الجميع، فنبتعد عنهم ولا نرغب في صداقة معهم. إذا وقع الإنسان نفسه في هذه الصفة وابتلي بالغرور، فمصيره الوحدة.
ولا عقل مثل التدبير.
فـ«التدبير» يعني أن يكون الإنسان بصيرًا بالمستقبل، مخططًا لأعماله، يقوم بالأمور على أساس الحساب والاعتبار، لا بحسب المزاج والهوى. يجب على الإنسان أن يضع خطة لمستقبله: مستقبل معيشته، مستقبل أبنائه، مستقبل علمه ومعرفته، مستقبل عمله وحرفته. وإذا نظرنا بعيدًا أكثر، يجب أن يكون تدبيرنا امتدادًا لمستقبل آخرتنا أيضًا.نحن سنعيش لعشرات السنوات، وربما لمئة سنة أخرى. فهل فكرنا في مراحل حياتنا المقبلة؟ هل لدينا خطة أم أننا وقعنا في روتين يومي؟ أولئك الذين يمرون كل يوم على هذا النحو، يفكرون فقط في إنهاء يومهم ولا يضعون خططًا لمستقبلهم، حتى يأتوا فجأة فيدركون أن أعمارهم وفرصهم قد انتهت ولم ينجزوا شيئًا يُذكر.
إذن، لا عقل ولا حكمة أعظم من التدبير والمستقبلية. وإذا مددنا النظر إلى المستقبل حتى آخرتنا، فهي أيضًا جزء من مستقبلنا ويجب أن نخطط لها.
أما بالنسبة للجزء الثاني:
وَلَا كَرَمَ كَالْتَّقْوَى
فلا كرم ولا عظمة ولا شرف يعلو على التقوى. والتقوى تعني أن يكون الإنسان مسيطرًا على أفعاله وشهواته ورغبات قلبه، أن يعرف الخطوط الحمراء ولا يتجاوز حدود الله، أن يكون مراقبًا لنفسه حتى لا يتجاوز الحدود التي رسمها الله. لا شرف ولا كرامة تصل إلى علو التقوى.
وَلَا قَرِینَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ
ولا صديق ولا رفيق أفضل من حسن الخلق.
فمن كان حسن الخلق يلقى المحبة ويجذب الجميع، ويستمتع الجميع بمجالسته. أما من كان سيء الخلق، فالناس يبتعدون عنه وينفرون منه. لذلك، أفضل رفيق ورفيق دائم للإنسان هو حسن الخلق.
هذه الحكمة تحتوي على فقرات أخرى سأقدّمها لكم في القسم التالي مع شروح إضافية حول باقي الفضائل.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





