تُعدّ فترة رئاسة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي من أهم مراحل تاريخ الثورة الإسلامية. ولا شك أن المرحلة التي انتُخب فيها سماحته لقيادة النظام كانت مرحلة شديدة الأهمية والحساسية، وقد اتّضح كثير من معالمها من خلال سجل إنجازاته خلال رئاسته للجمهورية.
وأفادت وكالة أنباء حوزه أننا نتقدم بالتعزية باستشهاد الأب المفدّى للأمة وقائدها وزعيمها الكبير وولي أمر المسلمين في العالم سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي رضوان الله تعالى عليه الذي استشهد بعزة وكرامة في شهر رمضان المبارك، إلى مقام إمام العصر والزمان أرواحنا فداه وإلى الأمة الإسلامية وإلى جميع أحرار العالم وإلى المراجع والعلماء الأعلام وإلى الشعب الإيراني العظيم. وفيما يلي نستعرض بإيجاز فترة رئاسة سيد شهداء الجمهورية الإسلامية في إيران.
٣.٣ فترة رئاسة الجمهورية
الدورة الأولى: الانتخاب لرئاسة الجمهورية بنسبة 95 بالمئة من الأصوات
بعد استشهاد محمد علي رجائي ثاني رئيس للجمهورية الإسلامية في إيران اختار المجلس المركزي لحزب الجمهورية الإسلامية وكذلك جماعة مدرسي الحوزة العلمية في قم وبالإجماع ورغم معارضة سماحته ترشيحه لمنصب رئاسة الجمهورية، كما وافق الإمام الخميني الذي لم يكن سابقا مؤيدا لتولي رجال الدين منصب رئاسة الجمهورية على ترشيحه[202].
وبعد إعلان ترشيحه وتأكيد أهليته من قبل مجلس صيانة الدستور أعلنت مجموعات وشخصيات مختلفة دعمها لرئاسته. وكان من أبرز الداعمين لآية الله الخامنئي ائتلاف جماعات خط الإمام[203]. أُجريت الانتخابات في 1 تشرين الاول 1981 وفاز آية الله الخامنئي بمنصب رئيس الجمهورية بعد حصوله على الأغلبية المطلقة من الأصوات بنسبة 95.11 بالمئة[204]. وفي 8 تشرين الاول 1981 صدّق الإمام الخميني على حكم رئاسته للجمهورية[205]، وفي 12 تشرين الاول أدّى اليمين الدستورية في مجلس الشورى الإسلامي بوصفه ثالث رئيس للجمهورية الإسلامية في إيران[206].
وفي 18 تشرين الاول 1981 رشّح علي أكبر ولايتي الذي كان عضوا في المجلس المركزي لحزب الجمهورية الإسلامية ومن قوى خط الإمام لمنصب رئيس الوزراء وقدم اسمه إلى مجلس الشورى الإسلامي[207]، لكنه لم يتمكن في جلسة التصويت التي جرت في 21 تشرين الاول 1981 من الحصول على أصوات أغلبية النواب[208]. وفي 26 تشرين الاول 1981 رشّح مير حسين موسوي الذي كان عضوا في المجلس المركزي لحزب الجمهورية الإسلامية ورئيس تحرير صحيفة الجمهورية الإسلامية ووزير الخارجية في حكومات رجائي وباهنر ومهدوي كني[209] لمنصب رئيس الوزراء وقدم اسمه إلى المجلس[210]، وتمكن في 28 تشرين الاول 1981 من الحصول على أصوات أغلبية نواب المجلس[211].
بدأ آية الله الخامنئي رئاسته للجمهورية في وقت لم تكن فيه مؤسسة رئاسة الجمهورية تتمتع ببنية تنظيمية مناسبة، كما لم تكن قد تشكلت بعد فرق المستشارين ومجموعات العمل التي تساعد رئيس الجمهورية في أداء مهامه القانونية، وهو ما سبب صعوبات كثيرة في أداء الرئيس لواجباته. ومع مرور الوقت تشكّل مكتب رئاسة الجمهورية بمشاركة عدد من المستشارين ومجموعات العمل[212]. وقد ركّز آية الله الخامنئي في البداية قسما من جهوده على بناء هيكلية مكتب الرئيس ومؤسسة رئاسة الجمهورية. وفيما بعد وبسبب الغموض في تحديد صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو النقص الذي ظهر بوضوح خصوصا في العلاقة مع رئيس الوزراء خلال الدورة الأولى، تم إعداد قانون صلاحيات رئيس الجمهورية وصياغته، وصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي في 6 أيار 1986[213].
كانت أبرز عناوين برامج آية الله الخامنئي في الدورة الأولى ذات السنوات الأربع من رئاسته للجمهورية هي الاهتمام بشؤون الحرب المفروضة والسعي إلى سياسات اقتصادية تتجه نحو دعم المستضعفين والمناطق البعيدة عن المركز وتطهير جميع شؤون الحياة الإدارية والاجتماعية والسياسية للشعب الإيراني من آثار الطاغوت واكتشاف الطاقات الإنسانية وتوظيفها في مختلف الميادين من التقنية إلى الفن وتأمين الأمن الاجتماعي والإداري والقضائي لتقديم خدمة فعالة للناس وضمان الأمن والحرية لجميع الأفراد الموالين لنظام الجمهورية الإسلامية مهما كانت آراؤهم وتوجهاتهم الفكرية[214].
وفي الدورة الثانية ذات السنوات الأربع كذلك إضافة إلى مواصلة برامج الدورة الأولى التي كان في مقدمتها الحرب المفروضة كان من أهم برامج آية الله الخامنئي إعداد لائحة صلاحيات رئاسة الجمهورية وتقليل تدخل الدولة في الإدارة وإيكال كثير من الأمور إلى الناس وتعيين مسؤولين أكفاء وثوريين وفاعلين في أجهزة الدولة ومعالجة الفقر المزمن الطويل الذي كان يهيمن على المجتمع وحياة الناس وتوزيع الأراضي الزراعية على المواطنين ونقل الصناعات الحكومية إلى القطاع التعاوني وإشراك العمال في المصانع وتوسيع الصادرات غير النفطية وتنميتها وتقليل اعتماد البلاد على عائدات النفط وإشراك الناس في الشؤون الاقتصادية والثقافية للبلاد تحت إشراف الدولة وتوجيه السياسة الثقافية في البلاد نحو الاستقلال الثقافي[215].
أما في مجال السياسة والعلاقات الخارجية فقد شمل برنامجه اعتماد سياسة مستقلة ومتوازنة تجاه مختلف دول العالم واتخاذ القرارات على أساس مصالح النظام والبلاد مع الحزم والوضوح وعدم الارتهان للشرق أو الغرب[216] والاهتمام بوحدة المسلمين في العالم وبذل جهد جاد لاستعادة حقوق المسلمين من القوى العالمية ومواصلة النضال ضد كل خطوة أو حركة تهدف إلى فرض هيمنة القوى الكبرى في المنطقة والاهتمام الجاد بقضية القدس وسائر الأراضي الفلسطينية المغتصبة والاستعداد لمواجهة العدو الصهيوني مواجهة شاملة والعودة إلى الثقافة الإسلامية الأصيلة والغنية في الساحة الدولية بوصفها سدا في وجه الأعداء والناهِبين وزيادة النشاط والحضور المؤثر في الساحات الدولية[217].
الدورة الثانية لرئاسة الجمهورية
وبسبب ما واجهه خلال السنوات الأربع الأولى من مشكلات وخلافات في الرأي مع رئيس الوزراء وبعض أعضاء الحكومة لم يكن راغبا في خوض انتخابات رئاسة الجمهورية مرة ثانية، إلا أنه بعد أن اعتبر الإمام الخميني ذلك تكليفا شرعيا عليه قرر الترشح لانتخابات الدورة الرابعة لرئاسة الجمهورية وطلب من الإمام أن يكون مخيرا في اختيار رئيس الوزراء فوافق الإمام على ذلك[218].
وبعد انتخابه مرة أخرى رئيسا للجمهورية وقبيل اختيار رئيس الوزراء وعندما اتضح أن آية الله الخامنئي بسبب عدم رضاه عن كيفية إدارة البلاد من قبل رئيس الوزراء كان ينوي ترشيح شخص آخر للمنصب أبلغ بعض القادة العسكريين الإمام بأن التقدم في جبهات الحرب مرتبط بتجديد رئاسة المهندس موسوي للحكومة. فقبل الإمام الخميني هذا الرأي مراعاة لمصلحة الحرب وأصدر أمرا لآية الله الخامنئي بأن يرشح المهندس موسوي لرئاسة الوزراء. فامتثل آية الله الخامنئي لأمر الإمام ورغم معارضته الشخصية قدم اسمه إلى مجلس الشورى الإسلامي[219]. وفي الدورة الثانية لرئاسة الجمهورية استمرت الخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بل اشتدت في بعض الموارد مثل مسألة ترشيح أعضاء مجلس الوزراء.
۳.۳.۱. الأنشطة السياسية والثقافية في فترة رئاسة الجمهورية
إعادة تنظيم جهاز الثورة الثقافية
في 30 آب 1983 تولّى آية الله الخامنئي تنفيذ أول عملية إعادة تنظيم كبرى في مقر الثورة الثقافية وذلك استناداً إلى حكم الإمام الخميني. وقد صدر هذا الحكم جواباً على استفساره بمناسبة إعادة افتتاح الجامعات[220]. كما أجرى عملية إعادة التنظيم الثانية في مقر الثورة الثقافية استناداً إلى رسالة الإمام الخميني في 10 كانون الأول 1984[221]. وفي هذه العملية تغيّر اسم مقر الثورة الثقافية إلى المجلس الأعلى للثورة الثقافية وأصبح رئيس الجمهورية رئيساً لهذا المجلس[222]. وقد شغل آية الله الخامنئي هذا المنصب حتى نهاية دورته الثانية في رئاسة الجمهورية في تموز ۱۹۸۹ وخلال تلك السنوات أدّى دوراً مؤثراً في صياغة السياسات الثقافية المهمة في البلاد[223].
تفعيل جهاز السياسة الخارجية
خلال السنوات الثماني من رئاسة آية الله الخامنئي أصبحت أجهزة السياسة الخارجية والدبلوماسية الإيرانية أكثر نشاطاً. ومن أبرز مؤشرات تطور السياسة والعلاقات الخارجية قيام رئيس الجمهورية بزيارات إلى مختلف البلدان بهدف توسيع العلاقات وهو ما بدأ في الدورة الأولى من رئاسته وتوسع في الدورة الثانية[224].
ففي الدورة الأولى من رئاسة الجمهورية زار من 6إلى11 أيلول 1984 كلاً من سوريا وليبيا والجزائر. وفي الدورة الثانية قام من ۱۴ كانون الثاني إلى ۲۳ كانون الثاني ۱۹۸۶ بزيارة إلى عدد من الدول الآسيوية والأفريقية وهي باكستان وتنزانيا وزيمبابوي وأنغولا وموزمبيق. كما سافر مرة أخرى إلى زيمبابوي من 2 إلى 6 أيلول 1986للمشاركة في القمة الثامنة لدول حركة عدم الانحياز في هراري حيث ألقى خطاباً في اجتماع القادة والتقى بعدد من رؤساء دول الحركة وأجرى معهم مباحثات[225]. كما زار يوغسلافيا ورومانيا من 21 إلى 25 شباط 1989[226] ثم زار الصين وكوريا الشمالية من 9 إلى 16 أيار 1989[227].
وفي 23 أيلول 1987شارك آية الله الخامنئي في الدورة الثانية والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة حيث عرض في خطابه مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورؤيتها المبدئية أمام قادة دول العالم. وكانت هذه أول مشاركة لرئيس جمهورية إسلامية إيرانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة[228].
ومن النقاط اللافتة في هذه الزيارة الاستقبال الكبير الذي حظي به من الإيرانيين والمسلمين المقيمين في نيويورك ومن وسائل الإعلام الدولية إضافة إلى نشاطه في توضيح أوضاع الثورة الإسلامية والحرب المفروضة وسياسات الاستكبار العالمي تجاه إيران. كما كانت إمامته لصلاة الجمعة للمسلمين في نيويورك وإلقاؤه خطبة الجمعة من أبرز الأحداث المهمة في تلك الزيارة.
ومن الإجراءات الأخرى التي اتخذها آية الله الخامنئي في مجال السياسة الخارجية إقامة علاقات منظمة مع الجماعات السياسية الشيعية في أفغانستان والعراق ولبنان والعمل على إيجاد تفاهم بينها وتأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وقد أدّى ذلك إلى تحويل الخلافات بينها إلى وحدة وتعاون في مواجهة عدوها المشترك. كما يُعد تأسيس حزب الوحدة الإسلامي من الأحزاب الأفغانية الثمانية الذي أنهى تنافسها الضار وكذلك تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق من أبرز نماذج هذا التوجه. وخلال هذه الفترة توسّع نطاق دعم إيران للمجاهدين الإسلاميين في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان وأكسب دعمها للأحزاب والجماعات الإسلامية في تلك البلدان مكانة إقليمية ودولية ملحوظة.
الزيارات، اللقاءات والرحلات إلى المحافظات
كانت اللقاءات مع مختلف فئات الشعب، وزيارة المؤسسات والمنظمات المتنوعة، والمشاركة في مراسم افتتاح المشاريع، والمشاركة في المؤتمرات، وكذلك الرحلات إلى المحافظات من بين البرامج والأنشطة الأخرى لـ علي خامنئي خلال فترة رئاسته للجمهورية.
وقد كان الحفاظ على التواصل مع الناس، ولا سيما عائلات الشهداء، من الاستراتيجيات الأساسية لـآية الله خامنئي في تلك الفترة. وعلى هذا الأساس، فإن اللقاءات الشعبية ـ في مناسبات مختلفة ـ وزياراته لعائلات الشهداء، ولا سيما تفقده منازلهم، كانت تُعد من برامجه الثابتة ومبادرة لافتة في نوع العلاقة بين الحكام والشعب.
كما أن رحلات آية الله خامنئي إلى المحافظات والمناطق المختلفة من البلاد، بهدف اللقاء مع مختلف فئات الشعب، وخاصة الطبقات المحرومة، والتعرّف عن قرب على قضاياهم ومشكلاتهم، ومعالجة الخلافات بين المسؤولين المحليين، ومتابعة القضايا المتعلقة بالحرب والتعاون بين الحرس الثوري والجيش، واللقاء مع العلماء وكبار الشخصيات في المدن والقرى، ودراسة القضايا والمشكلات الاقتصادية، وما شابه ذلك؛ كانت من جملة مبادراته وأنشطته المستمرة والمؤثرة.
رسالة الإمام الخميني إلى آية الله خامنئي
في 16 دي 1366هـ ش (6 يناير 1988م)، وجّه روح الله الخميني رسالة إلى آية الله خامنئي، وذلك على خلفية تصريحاته في خطب صلاة الجمعة في طهران حول حدود صلاحيات الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه. وفي هذه الرسالة اعتبر الإمام الخميني أن الحكومة الإسلامية من الأحكام الأولية في الإسلام ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، ووصف ولاية الفقيه بأنها مطلقة.
وردّ آية الله خامنئي على رسالة الإمام معلناً متابعته النظرية والعملية لوجهة نظر الإمام. كما طرح في لقاء حضوري مع الإمام مقصوده من تصريحاته في خطبة صلاة الجمعة.
وقد أجاب الإمام الخميني في اليوم نفسه على هذه الرسالة، مشيداً بآية الله خامنئي، وكتب في جزء منها:
«لقد كانت لي علاقة وثيقة بكم منذ سنوات ما قبل الثورة، والحمد لله تعالى ما زالت تلك العلاقة قائمة حتى الآن. إنني أعدّكم أحد الأذرع القوية للجمهورية الإسلامية، وأراكم كأخٍ مطلع على المسائل الفقهية وملتزم بها، ومن المدافعين بقوة عن الأسس الفقهية المتعلقة بولاية الفقيه المطلقة. وأنتم بين الأصدقاء والملتزمين بالإسلام ومبادئه من الأشخاص النادرين الذين يضيئون كالشمس». [229]
أول رئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام
في أعقاب الخلافات بين مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور حول إقرار عدد من اللوائح، وافق الإمام الخميني في 6 شباط 1988، رداً على رسالة قادة البلاد ـ ومنهم آية الله خامنئي ـ على تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام.
وبناءً على ذلك، أصبح آية الله خامنئي أول رئيس لهذا المجمع، وبقي يتولى هذا المنصب حتى نهاية فترة رئاسته للجمهورية.
تكليف العديد من المهام من قبل الإمام
كان آية الله خامنئي خلال فترة رئاسته التي استمرت ثماني سنوات، كما في السنوات التي أعقبت انتصار الثورة، من المقربين والمستشارين والأشخاص الموثوقين لدى الإمام الخميني. ولذلك كلّفه الإمام الخميني في مناسبات متعددة بمهام تتجاوز حدود مسؤوليات رئاسة الجمهورية، كما قبل بعض مقترحاته في موضوعات مختلفة. ففي 15 فروردين 1362 (4 نيسان 1983) أوكل إليه إدارة شؤون الجيش والحرس الثوري. وفي 1 آبان 1362 (23 تشرين الأول 1983) كلّفه بمتابعة مطالبات إيران من الولايات المتحدة وسائر الدول. وفي 1 آذر من العام نفسه وافق الإمام على اقتراح آية الله خامنئي بشأن إنشاء إدارة حماية المعلومات في الجيش. وفي 9 دي 1362 (30 كانون الأول 1983) كلّفه بإعادة دراسة مشروع قانون التعزيرات. وفي 23 بهمن 1367 (12 شباط 1989) كلّف الإمام آية الله خامنئي بدعوة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء للمشاركة في اجتماع رؤساء السلطات الثلاث وطرح مشاريعهم حول تقسيم العمل من أجل إدارة أفضل لذلك المجلس، وقد وافق لاحقاً على المشروع الذي تمت مناقشته في ذلك الاجتماع. كما عيّنه في 19 اسفند 1367 (10 آذار 1989) مسؤولاً عن متابعة مشاكل العراقيين المقيمين في إيران.
الحضور في مجلس مراجعة الدستور
أصدر الإمام الخميني في 4 أرديبهشت 1368 (24 نيسان 1989) حكماً موجهاً إلى آية الله خامنئي عيّن فيه هيئة مكوّنة من عشرين شخصاً، من بينهم آية الله خامنئي، لتشكيل مجلس مراجعة الدستور بالتعاون مع خمسة من نواب مجلس الشورى الإسلامي يتم اختيارهم من قبل المجلس، وذلك بهدف تعديل ومراجعة واستكمال الدستور في خمسة موضوعات رئيسية. وبعد تشكيل المجلس تم انتخاب آية الله مشكيني رئيساً له، وانتُخب آية الله خامنئي وأكبر هاشمي رفسنجاني نائبين أول وثانٍ للرئيس. وخلال إحدى وأربعين جلسة ناقش المجلس خمسة موضوعات أساسية وهي: شروط القيادة، تركيز السلطة في الجهازين التنفيذي والقضائي، إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، كيفية إجراء مراجعة محتملة للدستور في المستقبل، وعدد أعضاء مجلس الشورى الإسلامي، وتم اتخاذ القرارات بشأنها. واستمرت هذه الاجتماعات حتى بعد وفاة الإمام الخميني.
فترة القيادة
في 14 حزيران 1989، بينما كان الشعب والمسؤولون يستعدّون لتشييع ودفن الجثمان الطاهر للإمام الخميني (رض)، تلا آية الله الخامنئي، رئيس الجمهورية آنذاك، في اجتماع حضره المسؤولون المدنيون والعسكريون، الوصية السياسية ـ الإلهية للإمام الخميني (رض).
وفي عصر اليوم نفسه عقد مجلس خبراء القيادة جلسة لاختيار قائدٍ جديد أو مجلس قيادة لنظام الجمهورية الإسلامية. وطبقًا للمادة 107 من الدستور الصادر سنة 1979، فإن اختيار القائد من اختصاص نواب مجلس الخبراء[243].
وفي النقاش حول القيادة الشورية أو الفردية، لم تصوّت أكثرية أعضاء مجلس الخبراء لصالح القيادة الشورية. وعندما طُرح البحث في مصداق القائد للتصويت وذُكر اسم آية الله الخامنئي، طلب بعض النواب ـ ممن كانت لديهم معرفة إجمالية برأي الإمام الخميني في أهلية آية الله الخامنئي لقيادة النظام بعد رحيل الإمام، وهو رأي كان قد عبّر عنه في اجتماعات متعددة بحضور رؤساء السلطات ورئيس الوزراء وحاج سيد أحمد الخميني ـ توضيح ذلك من الشهود.
فأكّد اثنان من الشهود، وكانا من أعضاء مجلس الخبراء أنفسهم، صحة نسبة هذا الرأي إلى الإمام الخميني. كما نُقل في تلك الجلسة ـ بواسطة ـ قولٌ آخر للإمام يفيد بأهلية آية الله الخامنئي للقيادة، كان قد صدر عنه خلال الزيارة الأخيرة لآية الله الخامنئي إلى الصين وكوريا الشمالية.
وعقب ذلك أُجري التصويت، فاختارَت الغالبية الساحقة من نواب مجلس الخبراء، بالنظر إلى رأي الإمام الراحل وإلى المؤهلات الدينية والعلمية والسياسية لآية الله الخامنئي، سماحته قائدًا لنظام الجمهورية الإسلامية[244].
وقد أشار آية الله الخامنئي نفسه إلى هذه المسألة، قائلاً إنه كان يمتنع عن قبول هذا المنصب ما لم يتعيّن أمر اختياره بصورة حاسمة[245].
وبعد مراجعة الدستور وإجراء الاستفتاء العام، أعاد مجلس خبراء القيادة مرةً أخرى التصويت بشأن قيادة سماحته على أساس الدستور الجديد، فاختارته الأغلبية الساحقة مجددًا قائدًا للنظام.
ومن أبرز الأسس التي استند إليها رأي الإمام الراحل في تأييد قيادة آية الله الخامنئي ما يأتي: نضاله الطويل لتحقيق الحكومة الإسلامية، وإيمانه الراسخ والواضح بالثورة الإسلامية ونظام الجمهورية الإسلامية، وأكثر من عقد من النشاطات الشاملة السياسية والتنفيذية والثقافية لترسيخ نظام الجمهورية الإسلامية، وبصيرته الدينية، وتمكنه العلمي من مباني الدين، وسلوكه الفردي والاجتماعي، وزهده وتقواه. وقد أكد الإمام الخميني (رض) في مناسبات مختلفة كفاءة آية الله الخامنئي والتزامه وخدماته في سبيل خدمة نظام الجمهورية الإسلامية.
وفي 28 حزيران 1981 قال الإمام الخميني، في جزء من رسالته بمناسبة محاولة اغتيال آية الله الخامنئي:
«إن أعداء الثورة، بمحاولتهم اغتيالكم وأنتم من سلالة رسول الله الأكرم ومن أسرة الحسين بن علي، وليس لكم جرم سوى خدمة الإسلام والبلاد الإسلامية، وأنكم جندي مضحٍ في جبهة القتال، ومعلم هادٍ في المحراب، وخطيب بليغ في صلاة الجمعة والجماعات، ومرشد مخلص في ساحة الثورة، قد سجّلوا بذلك مستوى تفكيرهم السياسي وادعاءهم نصرة الشعب ومعارضة الظالمين. لقد جرحوا بمحاولة اغتيالكم عواطف ملايين المؤمنين في أنحاء البلاد بل في العالم. إنهم محرومون إلى حدٍّ كبير من البصيرة السياسية، حتى إنهم أقدموا فورًا بعد كلماتكم في المجلس وفي صلاة الجمعة وأمام الأمة على هذه الجريمة، وحاولوا اغتيال شخصٍ يصدح صوته بالدعوة إلى الصلاح والاستقامة في أسماع المسلمين في العالم… وأنا أهنئكم أيها العزيز الخامنئي بأنكم خدمتم هذا الشعب المظلوم في جبهات القتال بلباس الجندية، وخلف الجبهات بلباس الروحانية، وأسأل الله تعالى سلامتكم لمواصلة خدمة الإسلام والمسلمين»[246].
وفي 30 آب 1986 أوصى الإمام الخميني الأشخاص والرجال السياسيين بأن يكونوا في كلامهم، بدل الانشغال الدائم بانتقاد الآخرين، مثل آية الله الخامنئي الذي يقدّم النصح للجميع دائمًا ولا يذكّر الناس بخدماته[247].
وفي 11 كانون الثاني 1988، في رده على رسالة آية الله الخامنئي بشأن الولاية المطلقة للفقيه، كتب الإمام الخميني في جزء من رسالته:
«إني منذ سنوات ما قبل الثورة على صلة وثيقة بكم، وقد استمرت هذه العلاقة بحمد الله إلى اليوم. وإني أعدّكم أحد الأذرع القوية للجمهورية الإسلامية، وأراكم كأخٍ مطلع على المسائل الفقهية وملتزم بها، وتدافعون بجدية عن المباني الفقهية المتعلقة بالولاية المطلقة للفقيه، وأنتم بين الأصدقاء الملتزمين بالإسلام ومبانيه من الأشخاص النادرين الذين يضيئون كالشمس»[248].
حجة الاسلام والمسلمین السید أحمد الخميني، أقرب المقربين إلى الإمام الخميني والذي كان مستشارًا موثوقًا له تمام الثقة، نقل أن الإمام بعد رحلة آية الله الخامنئي الخارجية قال: «حقًا، إنه يستحق القيادة»[249]. كما ذكرت زهرا مصطفوي، ابنة الإمام الخميني (رض)، أنه عندما سُئل الإمام عن القيادة المستقبلية للنظام، ذكر آية الله الخامنئي، وعندما سُئل عن مقامه العلمي، أكد الإمام اجتهاد آية الله الخامنئي[250]. ونقل أيضًا آية الله هاشمي رفسنجاني أنه عندما كان الإمام يعتزم عزل آية الله منتظري من القيادة المستقبلية، جرى اجتماع بحضور رؤساء السلطات الثلاث، ورئيس الوزراء (مي رحسين موسوي) وحاج سيد أحمد الخميني في محضر الإمام لمناقشة من سيخلف القيادة، وذكر الإمام آية الله الخامنئي كخيار لقيادة النظام المستقبلي. وأضاف رفسنجاني أنه أعرب في اجتماع خاص مع الإمام عن قلقه بشأن وضع القيادة في المستقبل، فأجاب الإمام مشيرًا إلى آية الله الخامنئي: «لن تكونوا في مأزق، فهناك شخص مثل هذا بينكم، لماذا لا تعرفون؟»[251].
وبلا شك، كانت فترة اختيار حضرة آية الله الخامنئي لقيادة النظام فترة ذات أهمية وحساسية خاصة جدًا. وكانت بعض المخاوف التي ظهرت إثر مرض الإمام الخميني قدس سره تشمل:
1- إدارة البلاد في المرحلة التي تلت رحيل الإمام الخميني [252].
2- عدم اكتمال عملية إصلاح ومراجعة الدستور.
3- القلق من احتمال شنّ العراق أو الولايات المتحدة أو منظمة المنافقين هجومًا أو إثارة تحركات عسكرية؛ وذلك في ظل خرق العراق المتكرر لوقف إطلاق النار، والدعاية الواسعة التي كان يروّج فيها لنفسه على أنه المنتصر في الحرب.
4- استمرار الأزمة الناجمة عن مؤامرة نشر كتاب «الآيات الشيطانية» في مجال السياسة الخارجية، وإصدار الإمام الخميني حكمه بارتداد مؤلفه سلمان رشدي، الأمر الذي واجه ردود فعل شديدة من الدول الغربية [253].
أما العوامل التي حوّلت هذه المخاوف كلها إلى أمل فكانت:
1- انتخاب آية الله الخامنئي لمنصب القيادة، وهو ما حدث في أقصر وقت ممكن.
2- التشييع والوداع المليوني وغير المسبوق من قبل الشعب للإمام الخميني (رض)، إذ تشكّل أكبر تشييع ووداع لقائد شعبي، وكان كعاصفة هائلة أبطلت احتمال أي مؤامرة من قبل الأعداء.
3- تأييد ومبايعة كبار مسؤولي النظام ومؤسسات الدولة المختلفة، وبيت الإمام، ومراجع التقليد والعلماء، ومنهم آيات الله العظام: الأراكي، والمرعشي النجفي، وميرزا هاشم الآملي، والگلپايگاني، والمشكيني، إضافة إلى النخب والشخصيات الحوزوية والجامعية، وعائلات الشهداء، ومختلف فئات الشعب.
4- بعد ساعات من انتخاب سماحة آية الله الخامنئي قائدًا، أرسل الحاج السيد أحمد الخميني رسالة تهنئة إليه قال فيها:
«كان سماحة الإمام يذكر اسمكم مرارًا بوصفكم مجتهدًا مسلّمًا به، وكذلك أفضل شخص لقيادة نظامنا الإسلامي. وأنا وجميع أفراد بيت الإمام نشكر بإخلاص حضرات آيات الله أعضاء مجلس الخبراء المحترمين؛ لأننا نعتقد أن روح إمامنا العزيز قد سُرَّت واطمأنت بهذا الاختيار. وأنا مرة أخرى، كأخ أصغر، أعدّ أوامر ذلك الولي الفقيه واجبة التنفيذ عليّ» [255].
5- إن المبايعة الواسعة حملت رسالة مفادها أن خليفة الإمام الخميني يؤمن إيمانًا راسخًا، نظريًا وعمليًا، بطريق الإمام وفكره، وسيواصل هذا النهج بكل قوة. وقد جرت هذه المبايعات من خلال اللقاءات المباشرة، والمشاركة في المسيرات، ونشر البيانات ورسائل التهنئة، والتوقيع على العرائض بعد ذلك [256]. كما انطلقت «قوافل العهد مع الإمام والمبايعة للقيادة» قبيل الذكرى الأربعين لرحيل الإمام الخميني من مختلف أنحاء البلاد [257]، وأُقيمت «مناورات المبايعة للقيادة» في بعض المناطق الحدودية والاستراتيجية من البلاد [258]، إضافة إلى عقد «ندوات العهد مع الإمام والمبايعة للقيادة» [259]. واستمرت المبايعة لآية الله الخامنئي أشهرًا بعد ذلك، لتثبت للعالم أن إيران، بقيادة آية الله الخامنئي، ما تزال حاملة لواء الأمة الإسلامية.
6- المواقف الصريحة والمتكررة لآية الله الخامنئي بشأن مواصلة طريق الإمام، والحفاظ على الوحدة، وإيجاد الثقة المتبادلة بين الشعب والقيادة، والإصرار على صون المبادئ الدينية والشريعة والفقه الإسلامي، والدعم غير المحدود للمستضعفين والمحرومين والطبقات الفقيرة في المجتمع، وتعزيز الوحدة والتضامن مع الشعوب المظلومة، وإعزاز الإسلام والأمم المسلمة، وعدم الخضوع لتهديدات القوى العالمية. وقد وصف آية الله الخامنئي الإمام الخميني بأنه «جذر الشجرة الطيبة للثورة»، وأعلنوا: «سنواصل طريقنا على أساس طريق الإمام (رض)» [260].
الهوامش:
[202] فارسي، ص 543–544.
[203] المصدر نفسه، الأعداد 667 و668 و669 و670 و671، ص 1 و11.
[204] المصدر نفسه، العدد 678، ص 11.
[205] صحيفة الإمام، ج 15، ص 278.
[206] محاضر مجلس الشورى الإسلامي التفصيلية، الدورة الأولى، الجلسة 224.
[207] المصدر نفسه، الجلسة 226.
[208] المصدر نفسه، الجلسة 227.
[209] حكومات إيران، ص 461 و467 و472 و482.
[210] محاضر مجلس الشورى الإسلامي التفصيلية، الدورة الأولى، الجلسة 229.
[211] المصدر نفسه، الجلسة 230.
[212] مذكّرات ثلاثة رؤساء جمهورية، ص 7.
[213] محاضر مجلس الشورى الإسلامي التفصيلية، الدورة الثانية، الجلسة 268.
[214] حاج سيد جوادي، ص 103–104.
[215] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 1799، ص 10–11.
[216] نوازني، ج 1، ص 298 و300 و339 و392.
[217] علي بابائي، ج 6، ص 130.
[218] هاشمي رفسنجاني، الأمل والقلق، ص 22–23؛ جرعة من كوثر، ص 237.
[219] هاشمي رفسنجاني، الأمل والقلق، ص 22–23.
[220] صحيفة الإمام، ج 18، ص 83–84.
[221] المصدر نفسه، ج 19، ص 110–111.
[222] عشرون عامًا من الجهود، ص 7–8.
[223] المصدر نفسه، ج 21، ص 148 و343؛ ج 19، ص 171 و316؛ وانظر: عشرون عامًا من الجهود، في معظم الصفحات.
[224] أرشيف مركز البحوث والوثائق في رئاسة الجمهورية، ملفات فترة رئاسة آية الله الخامنئي.
[225] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 1921، ص 12.
[226] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2826، ص 12؛ والمصدر نفسه، العدد 2827، ص 11.
[227] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2886، ص 12؛ والمصدر نفسه، العدد 2889، ص 2.
[228] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2413، ص 10.
[229] صحيفة الإمام، ج 20، ص 452 و455.
[230] صحيفة الإمام، ج 20، ص 463–465.
[231] حوار مع هاشمي رفسنجاني، ص 52.
[232] المصدر نفسه، ص 68–69.
[233] صحيفة الإمام، ج 17، ص 397.
[234] المصدر نفسه، ج 18، ص 188.
[235] المصدر نفسه، ج 18، ص 228.
[236] المصدر نفسه، ج 18، ص 272.
[237] المصدر نفسه، ج 21، ص 258.
[238] المصدر نفسه، ج 21، ص 264.
[239] المصدر نفسه، ج 21، ص 315.
[240] المصدر نفسه، ج 21، ص 363–364.
[241] المحاضر التفصيلية لمجلس مراجعة الدستور، ج 1، ص 1–29.
[242] المصدر نفسه، ج 1–4، في معظم الصفحات.
[243] دستور جمهورية إيران الإسلامية، ص 92.
[244] كيفية انتخاب القائد في الاجتماع الاستثنائي لمجلس الخبراء، ص 18؛ هاشمي رفسنجاني، إعادة البناء والإعمار، ص 149–151.
[245] حديث الولاية، ج 1، ص 182–183.
[246] صحيفة الإمام، ج 14، ص 504.
[247] صحيفة الإمام، ج 20، ص 127.
[248] صحيفة الإمام، ج 20، ص 455.
[249] جرعة من كوثر، ص 265.
[250] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 5352، 2 آذر 1376، ص 2.
[251] مرجعية آية الله الخامنئي من وجهة نظر الفقهاء والعلماء، ص 70.
[252] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2905، 20 خرداد 1368، ص 14–15.
[253] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2852، 9 فروردين 1368.
[254] حديث الولاية، ج 1، في معظم الصفحات.
[255] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2924، 16 خرداد 1368، ص 3.
[256] صحيفة كيهان، العدد 13631، 18 خرداد 1368.
[257] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2929، 19 تير 1368.
[258] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2972، 12 شهريور 1368.
[259] صحيفة الجمهورية الإسلامية، العدد 2979، 20 شهريور 1368.
[260] حديث الولاية، ج 1، ص 3–5 و95؛ والمصدر نفسه، ص 314.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





