يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة العاشرة من نهج البلاغة:

«أَلاَ وإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ، وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي: مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَلاَ لُبِّسَ عَلَيَّ».

إن طريق السياسة طريق شديد الزلق؛ فالشيطان يقف فيه بوساوسه المتعددة وشعاراته المغرية، فيخدع الإنسان بعناوين من قبيل السلطة والاختيار والقيادة وما شابه ذلك، غير أنه لا يبيّن له أن هذه الأمور وسائل وأدوات، وأنها أمانة وابتلاء في الوقت نفسه.

وهو يلوّث الأجواء بسيل من الشعارات والانشغالات حتى ينفق الإنسان هذه النعم في مسار يورثه الندم.
وفجأة يجد الإنسان نفسه قد اختار السراب بدل السعادة لنفسه ولمجتمعه، واستعمل السلطة في طريق التمرد على القانون الإلهي والحق، ثم يرى أنه — وهو في ذروة القدرة والاختيار — قد أوقع بنفسه أعظم الظلم. وكما يقال: «من جنى على نفسه فلا تدبير له.»

وهذه هي حفرة المذلة التي يحفرها أصحاب السلطة لأنفسهم وهم في قمة الاختيار والحرية.

فما العمل إذن؟


ينبغي للإنسان أن يرسّخ في نفسه هذا الأصل: إنّ امتلاك حقّ الاختيار كرامة عظيمة، غير أنّ كلّ اختيار ليس اختيارًا كريمًا بالضرورة. فالإنسان قد يضطر إلى ممارسة السلطة واستعمال القدرة، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ كلّ ما يبلغه من سلطان أو يناله من قدرة هو حقّ وصواب. ومن هنا لا ينبغي له أن يبدّد بسهولة ورقة الامتياز التي وهبه الله إيّاها، أعني القدرة والحرية.

ولهذا يقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:
إنّي لا أنفق ورقة الاختيار هذه مغمض العينين؛ بل أفتح عين بصيرتي، حتى لا يلتبس عليّ شيء من الحقائق، وحتى لا تنقلب ورقة الربح إلى نتيجة خسران.

وهذا المقطع يرتبط بحادثة حرب الجمل، وفيه إشارة إلى أنّ الشيطان قد ظهر في لباس الناكثين، فجمع كلّ ما يملك من إمكانات، وحشد قواه وأدواته.

غير أنّ عليًّا عليه السلام ليس ممّن يتصرّف بردّ فعلٍ غير محسوب، ولا ممّن يُقدم على الأمر بغير روية. فقد أخرجوا كل أوراقهم إلى الميدان ليجرّوه إلى موقف متعجّل، أو ليدفعوه إلى عملٍ يخالف تكليفه الشرعي، أو ليسلك مسارًا خاطئًا، أو ليتأثّر بالشائعات وآراء الناس فيقع في خطأ القرار.

ومن ثم فإنّ عليًّا عليه السلام أجلّ من أن يقع في شيء من ذلك وأشباهه؛ إذ يقول: «إنّ معي لبصيرتي»، وهي تلك البصيرة التي اكتسبها في حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتحت هدايته، كما يشير إليه قوله تعالى:
«قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي».

فالإنسان ينبغي له أوّلًا أن يكون في مأمن من خداع نفسه ومن انحراف فهمها، حتى لا يجد خداع الآخرين سبيلًا إلى قلبه.

ومن هنا قوله عليه السلام:
«ما لَبَّسْتُ على نفسي ولا لُبِّس عليّ».
أي إنّي لا أخلط الأمور على نفسي فأُخدع بظواهرها أو بميول النفس وأهوائها، كما أنّ الآخرين لا يستطيعون أن يوقعوني في الاشتباه. ولعلّ في ذلك إشارة إلى أنّه لم يكن يومئذٍ في ريبٍ من أمره، كما أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يوقعه في لبسٍ أو شبهة فيما أخبر به من قبل.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل