أحيانًا في مسار الدفاع عن الحق تهب أعاصير تُعتم البصر وتغشي الأفق. أيام تُنقل فيها الأخبار المرة عن القصف الجائر، واغتيال القادة، وفقدان القادة الشجعان بشكل متتابع. في مثل هذه الظروف، يُفعّل خصم الحرب النفسية كل أدواته لإنتاج كلمات مفتاحية مثل “الهزيمة”، و”الإجماع العالمي ضدكم”، و”قوة العدو المطلقة”، لإعاقات الإرادات.

لكن، هل هذه المرة الأولى التي تواجه فيها جبهة الحق مثل هذا الطوفان؟

إن النظر إلى تاريخ الإسلام، وخاصة أحداث الحرب القاسية والمميتة في غزوة أحد، يظهر أن القرآن الكريم وضع لخطة إدارة الأزمة، وللتغلب على الصدمة وتحقيق النصر النهائي، خارطة طريق دقيقة من أربع مراحل، قائمة على علم نفس المؤمن. خارطة الطريق هذه اليوم أيضًا هي السبيل الوحيد لخلاصنا.

الخطوة الأولى: كبح الصدمة وتثبيت مرسى العقيدة

الهدف الأول للعدو في اغتيال القادة هو خلق انقطاع، وإحباط، وإيقاف المسار. في غزوة أحد، عندما انتشر شائعة وفاة النبي الأكرم (ص) في ساحة المعركة، وقع زلزال في صفوف جيش الإسلام. ترك بعضهم السلاح، وهرب آخرون، وفكر بعضهم في طلب الأمان من أبي سفيان.

في هذه اللحظة بالذات، يقدّم القرآن، بنبرة تأنيب تنبه وتوقظ، آية لكبح هذه الصدمة النفسية: “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ” (آل عمران/144).

يذكر الله المؤمنين بأن التوحيد لا يقوم على شخص. نوح بعد تسع قرون رحل، ويوسف لم يدم، وإبراهيم محطم الأصنام انتقل إلى الملكوت. سر بقاء مدرسة الحق هو أن راية الحق لا تسقط مع ذهاب حاملها.

اليوم أيضًا، إذا رحل قائد عزيز، يجب على المجتمع الإسلامي أن يعلم أن الله سيواصل الطريق. كما أن علي (ع) دافع عن النبي كالفراشة الملهمة، وكان أصحابه الأوفياء يصرخون على الفارين: “إذا قُتل محمد، فإن إله محمد حي!”. وفي عصر الغيبة، الحجة على الأرض موجودة، والمؤمنون المتوكلون على الولاية لا يفكرون للحظة في التراجع.

الخطوة الثانية: تغيير النموذج من “الفقدان” إلى “الحياة الفاعلة”

بعد تثبيت الخطوات في الميدان، يحين وقت التئام جراح الفقدان. النظرة المادية تعتبر الموت نهاية، والشهادة تعني “فقدان رأس المال”. لكن القرآن في هذه المرحلة يغير عدستنا الحسابية: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران/169).

كان قائد الثورة الشهيد يفسر هذا المعنى بتعبير فريد: “الموت التاجر”. حياة الإنسان في الدنيا ككتلة جليدية تذوب تدريجيًا سواء أحببنا أم لا. في هذا الإطار، الشهادة هي بيع هذا الرأس مال الآيل للزوال بأعلى سعر وأفضل مشتري (الله).

يؤكد القرآن أن الشهداء ليسوا موتى، بل في عالم البرزخ لهم دور فعال وحيوي أكثر من قبل. هم فرحون بمكافأة الله، وبدل أن نحزن لفقدانهم، هم يبشّروننا (وَيَسْتَبْشِرُونَ).

الرسالة الواضحة لدماء الشهداء لمن بقوا في الميدان: “لا تخافوا، فليس في الطريق خوف ولا حزن.” (آل عمران/170) فهم هذا الحق يحول الجو النفسي للمجتمع من الانفعال والخسارة إلى الفرح والأمل والرضا.

الخطوة الثالثة: استعادة الكبرياء وفهم اليد العليا

عندما فهم المؤمنون أن المسار لا يتوقف وأن الشهداء يدعمونهم، يحين وقت ضخ الروح الحماسية. مع كل الضربات التي أصابنا بها العدو، هل انهزمنا؟

الله سبحانه يجيب بآية واضحة: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ” (آل عمران/139).

قد يبدو للوهلة الأولى أن تدمير البنية التحتية أو استشهاد عناصرنا علامة هزيمة. لكن القرآن يكشف عن سنة إلهية: “إِنْ یَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ”.
إذا جرحتم، فإن العدو أيضًا قد أصابه جروح وتكبّد خسائر كبيرة.

هذه الصعوبات مصممة من الله لتطهير جبهة الحق وكشف نفاق الأعداء. هذه المحن ليست غضبًا من الله على المؤمنين، بل “مسار طبيعي وحتمي لهلاك الكفار” (وَيَمْحَقَ الْكافِرِینَ). لذا، لا يحق للمؤمنين أن يفقدوا روحهم لمجرد رؤية عدوانية عدو سبق التاريخ فأباد أقوى منه.

الخطوة الرابعة: العمل الميداني؛ الدرع الدفاعي “حسبنا الله”.

في المرحلة الأخيرة، يلجأ العدو الفاشل في الميدان العسكري إلى سلاح “الخوف”. بعد غزوة أحد، سعى المنافقون ووسائل إعلام العدو لتفريغ قلوب المسلمين الجريحة: “تجمع الناس لإنهاء مهمتكم، خافوا!”.

وهذا تمامًا ما يحدث اليوم من خلال كلمات مثل “التحشيد العالمي” و”عقوبات غير مسبوقة”، لإعاقة الإرادات قبل أي خطوة.

الرد والدفاع القرآني ضد هذه الحرب النفسية: الترديد الاستراتيجي “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِیلُ”.

لكن المهم هنا أن هذا الذكر ليس تهويدة في عزلة، بل هو إعلان قوة في الميدان! الله سبحانه لن يكفي من لا يجاهد. “حسبنا الله” يعني أن الفنان، الرياضي، الإعلامي النشط، والمسؤول الحكومي، رغم كل الضغوط والعقوبات والتهديدات، يدخل ميدان العمل ويضبط حساباته على قوة الله المطلقة، لا على قوة العدو الوهمية.

هذا هو الإيمان الذي أنجز أعجوبة طوفان طبس، وحرّر خرمشهر بيدين فارغتين، وأثبت زينب الكبرى (ع) في عصر عاشوراء بقوة ضد طغيان يزيد، حيث قالت: “لم أرَ سوى الجميل.”

الخلاصة

مسار عبور العواصف واضح. المجتمع المؤمن اليوم، بالاعتماد على هذه الأربع آيات، لا يتوقف بموت قادته، ولا يعيق فقدان الأحباء نشاطه، ولا يشعر بالضعف أمام جرائم العدو، ولا يرهبه النفوذ النفسي للقوى العظمى.

نحن واقفون في الميدان، نعمل ما يلزم، ونصرخ بكل قوتنا: الله لنا كافٍ.

بقلم: حجة الإسلام والمسلمين السيد محمدرضا هاشمي، أستاذ المستويات العليا في الحوزة العلمية في قم.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل