آية الله السيد رحيم توكل، أستاذ الأخلاق في الحوزة العلمية / الجلسة الرابعة:

عندما يُراد أن يُعزّ بعض الناس أو يُذلّ بعضهم، فإن جزءًا كبيرًا من هذا الأمر يتحقق في ميدان الامتحان.

فالإنسان يُمتحن، ونتيجة هذا الامتحان هي التي تحدد: هل يُعامل بعزّة أم بذلّة. ولهذا فإن الامتحان سنّة إلهية ثابتة.

وخلال الامتحانات تظهر الحقائق الباطنية؛ إذ يقال: «في تقلّب الأحوال تُعرَف جواهر الرجال»،
أي إن حقيقة الإنسان تظهر في صعود الحياة وهبوطها. أما في الظروف العادية، حين يكون الإنسان صحيح البدن، وماله متوفر، وموائده عامرة، والجوّ جوّ سلام وراحة، فإن المشكلات لا تظهر كثيرًا، ولا تنكشف بواطن الناس بوضوح.

في مثل هذه الظروف تكون كثير من التصرفات ظاهرية، ويصعب تمييز الحقيقة الداخلية للأفراد. لكن حين تتغير الأحوال، فيتحول الجسد السليم إلى مريض، ويقلّ المال، وتفقد الموائد رونقها، ويتحوّل جوّ السلم إلى جوّ ضغط وصراع، عندها يتضح من هو رجل الميدان ومن يضعف. ففي الامتحانات تظهر البواطن.

وقد ورد في الروايات أيضًا أن الإنسان ينبغي أن يعرف أصدقاءه في السفر؛ لأن الناس في أوطانهم لا يُعرفون جيدًا. فإذا جاعوا في بلدهم ذهبوا إلى بيوتهم فأكلوا، وإذا تعبوا عادوا إلى منازلهم فاستراحوا؛ أي إن وسائل الراحة متوفرة.

أما في السفر فليس هناك بيت، والطعام ليس دائمًا حاضرًا، والظروف أشدّ صعوبة. وفي مثل هذه الظروف يظهر من هو الصبور ومن ليس كذلك، ومن يملك طاقة تحمّل عالية ومن هو ضعيف. ولهذا أُكِّد على معرفة الأصدقاء في السفر.

إذن فالامتحان سنّة إلهية، وجميع البشر لا بد أن يُمتحنوا.

يقول القرآن الكريم: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ». أي: هل ظننتم أنكم ستدخلون الجنة لمجرد أداء بعض العبادات؟
«وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ». أي لم يظهر بعد المجاهدون والصابرون من غيرهم. فلا بد من الامتحان ليظهر ما في داخل الإنسان.

كما ورد في الروايات المتعلقة بزمن غيبة الإمام المهدي: «لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً»
أي إن الناس سيُمحَّصون تمحيصًا شديدًا، غربلة بعد غربلة، وامتحانًا بعد امتحان، حتى يظهر ما في أعماق نفوسهم.

فإن كان في داخل الإنسان شقاء ظهر، وإن كان فيه سعادة ظهرت أيضًا. وتأتي امتحانات صعبة ليتضح من هو حقًا مع أهل البيت عليهم السلام، ومن يكتفي بالشعار؛ إذ إن الشعارات وحدها لا قيمة لها.

وفي سورة العنكبوت الآية الثانية يقول الله تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ». أي: هل يظن الناس أنهم يُتركون لمجرد قولهم: آمنا، دون أن يُمتحنوا؟

ثم يقول تعالى: «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ». أي إن الامتحانات الإلهية تهدف إلى تمييز الصادقين من الكاذبين؛ الذين يعملون بما يقولون من الذين يكتفون بالادعاء.

وكما امتحنت الأمم السابقة، فعُرف الصادق من الكاذب، فكذلك سيكون الحال في هذه الأمة.
«فَلَيَعْلَمَنَّ» أي اعلموا يقينًا أنكم ستُختبرون حتمًا.

فهذه الامتحانات إنما تقع ليظهر حقيقة الناس، لأنفسهم ولغيرهم، حتى يتبين موضع كل إنسان ومقامه.

وعلى هذا الأساس فإن الدنيا هي:
دار عمل،
ودار عزّة وذلّة،
ودار امتحان،
وميدان لظهور بواطن النفوس.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل