يشير مفهوم الجهاد الكبير المستوحى من الآية ٥٢ من سورة الفرقان المباركة إلى توجيه إلهي حاسم في التعامل مع الكفار والمجرمين.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢].

تفسير هذه الآية في سياق نزولها بمكة المكرمة، حيث لم يكن الجهاد المسلح قد شرع بعد، يكشف عن بعد أعمق وأشمل للجهاد، وهو الجهاد بالحجة والبرهان، وعدم الركون إلى الميول والتساهل مع أعداء الدين والإنسانية.

أبعاد الجهاد في الآية: الأصغر والأكبر والكبير

تتعدد أبعاد الجهاد في الثقافة القرآنية؛ فهناك الجهاد الأصغر (الجهاد المسلح)، والجهاد الأكبر (جهاد النفس)، وهناك الجهاد الكبير الذي هو محور هذه الآية. حينما نزلت هذه السورة في مكة، لم يكن للمسلمين دولة ولا جيش، لذا فإن الأمر الإلهي ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ لا يمكن تفسيره بالقتال، بل هو جهاد الحجة والبيان، جهاد الثبات على الموقف وعدم المداهنة أو اللين مع مطالب الكفار.

“المداهنة” المذكورة في الآية تعني المجاملة الزائفة على حساب المبادئ، والتساهل مع الباطل. والقرآن الكريم ينهى عن ذلك قطعياً، ويأمر بالجهاد الكبير الذي هو مواجهة فكرية وعقائدية، وصمود أخلاقي أمام ضغوط الأعداء.

رسالة الآية لصانعي القرار اليوم

يمكن استخلاص عدة نقاط أساسية من هذه الآية الكريمة، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة، لتكون موجهاً لصناع القرار في السياسة الخارجية:

1. التحذير من خداع العدو: الآية تأمر بعدم طاعة الكافرين وعدم الانجرار وراء رغباتهم، لأنهم لا يريدون الخير للمسلمين. فأي تساهل أو تسامح مع العدو المجرم هو نوع من الطاعة له، وهو ما نهى الله عنه.

2. التجربة التاريخية مع الاستكبار: التجارب السابقة، وخاصة مع القوى العظمى مثل أمريكا، أثبتت أن المفاوضات معها لم يحل أي مشكلة، بل كان وسيلة للالتفاف على الحقوق. التاريخ يشهد أن كل مرة جلس فيها الإيرانيون على طاولة المفاوضات مع الأمريكيين، كان الخيانة والطعن من الخلف هو النتيجة. الاعتداءات العسكرية، وفرض الخسائر الفادحة، واستشهاد الآلاف من النساء والرجال والأبرياء، وعلى رأسهم قائد الأمة وسيدها، كل ذلك دليل على عدم جدوى التفاوض مع دولة لا تلتزم بأي مواثيق دولية.

3. عدم جدوى التفاوض مع الغادرين: عندما يكون الطرف المقابل هو نظام لا يحترم الاتفاقات (كما حدث في الاتفاق النووي)، فإن الجلوس إلى طاولة الحوار معه لا معنى له إلا إذا كان الهدف هو إضاعة الوقت أو خداع الطرف الآخر. المسؤولون في السياسة الخارجية صرحوا مراراً بأنه لا يوجد أي تفاوض مع مثل هذه الأنظمة المجرمة.

خلاصة القول

إن الجهاد الكبير الذي أشارت إليه سورة الفرقان هو نهج حياة، يعني المقاومة الفكرية والسياسية والاقتصادية دون خوف أو تردد. إنه يعني عدم السماح للعدو بالتسلل إلى القرارات المصيرية للأمة. وإن أي خطوة نحو التساهل أو التطبيع مع العدو الصهيوني والأمريكي هي خطوة بعيدة عن تعاليم القرآن الكريم وتوجيهات القادة الشهداء. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] هو القانون الذي يضمن بقاء الأمة وعزتها.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل