يحضر التاريخ أحياناً بمشاهد تجعل التقويم يتجاوز كونه مجرد أوراق، وتحوّل الأيام إلى رموز. الأيام الأخيرة من شهر رمضان هذا العام هي من هذا القبيل؛ فمن جهة، شهر ضيافة الله يقترب من نهايته، وليلة هي “خير من ألف شهر”، ومن جهة أخرى، أنغام الحرب تدوي في الفضاء. هذا الاقتران يثير في قلب كل مؤمن سؤالاً: كيف يمكن الوقوف في محراب العبادة مناجياً، والاستعداد في ميدان الجهاد للقتال في آن واحد؟
رمضان؛ شهر نزول القرآن وميدان مسابقة العباد
شهر رمضان في نظر القرآن هو شهر فريد لا يُضاهى. يقول الله تعالى في سورة البقرة:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]
هذه الآية تعرّف رمضان بأنه شهر الهداية والتمييز بين الحق والباطل. في الأيام التي تفرض فيها الحرب، يزداد أهمية تمييز الحق من الباطل. كما نزل القرآن في شهر رمضان ليفصل بين الحق والباطل، كذلك يجب على المؤمنين في هذا الشهر أن يظلوا متمسكين بحدودهم تجاه الأعداء.
وصف الإمام الحسن (عليه السلام) شهر رمضان في حديث نوراني فقال:
“إنَّ اللّهَ جَعَلَ شَهرَ رَمَضانَ مِضمارا لِخَلقِهِ فَيَستَبِقونَ فيهِ بِطاعَتِهِ إلی مَرضاتِهِ” [تحف العقول: 236]
شبهت هذه الرواية شهر رمضان بميدان سباق، يتسابق فيه العباد بالعبادة والطاعة نحو رضوان الله. وما أجمل أن يرتبط هذا الميدان أحياناً بميدان الجهاد الحقيقي أيضاً.
ليلة القدر وتقدير الحرب
في الروايات الإسلامية، ليلة الثالث والعشرين من رمضان لها مكانة خاصة. ينقل الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه:
“كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام لا يَنامُ ثلاثَ ليالٍ: لَيلةَ ثلاثٍ وعِشرينَ مِن شَهرِ رمضانَ، ولَيلةَ الفطرِ، ولَيلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، وفيها تُقسَمُ الأرزاقُ والآجالُ وما يَكونُ في السَّنَةِ” [بحار الأنوار: 97/88/15]
في هذه الليلة من القدر، يُقدّر ما سيكون في العام. في السنوات التي تفرض فيها الحرب، يُقدّر مصير الأمم في ليلة القدر، ويستلم المؤمنون مصيرهم وأمتهم بالدعاء والمناجاة.
الجهاد في وجه العدو؛ استمرار للجهاد مع النفس
يرسم القرآن الكريم في سورة الأحزاب مشاهد من الحرب والمواجهة مع العدو. في غزوة الأحزاب التي حاصر فيها المشركون والمنافقون المدينة، يذكر الله تعالى مجموعة نقضت العهد:
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 15]
الثبات في وجه العدو ليس مجرد واجب عسكري، بل هو وفاء بعهد الله. في الأيام الأخيرة من رمضان، المؤمنون الذين روّضوا أنفسهم شهراً كاملاً، هم أكثر الناس استعداداً للثبات في وجه العدو.
يبيّن الإمام الحسين (عليه السلام) مراتب الجهاد في قوله:
“إنَّ الْجِهَادَ أَرْبَعَةٌ … فَأَمَّا الْوَاجِبُ مِنَ الْجِهَادِ فَجِهَادُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَ هُوَ أَکْبَرُ الْجِهَادِ” [تحف العقول: 243، مشکاة الأنوار: 431/1442]
يكشف هذا الحديث النوراني عن الارتباط العميق بين رمضان والجهاد. رمضان هو شهر جهاد النفس، وجهاد النفس هو مقدمة وجهاد العدو. من غلب نفسه في شهر رمضان، سيثبت في ميدان الحرب أيضاً.
ليالي القدر في ظل الأئمة الأطهار (ع)
في الأيام الأخيرة من رمضان 1447هـ، يستقبل المؤمنون ليلة القدر وقد اختلطت بأنغام الحرب. كما أعلن الناطق باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي: “نُفذت عملية الوعد الصادق 4 بالرمز المبارك “يا قمر بني هاشم” و”يا أبا عبد الله الحسين (ع)” و”يا علي بن موسى الرضا (ع)”.”
هذا الاقتران يذكّرنا بأن المؤمنين عبر التاريخ، كانوا مع عبادتهم، مستعدين للجهاد دائماً. ليلة القدر، الليلة التي يستجاب فيها الدعاء، هي أفضل وقت لطلب النصر على الأعداء.
رمضان المنصرم، جهاد مستمر
يوم عيد الفطر، يوم نهاية شهر رمضان، هو من وجهة نظر الإمام الرضا (ع) يوم مميز:
“إِنَّمَا جُعِلَ يَوْمُ الْفِطْرِ الْعِيدَ لِيَکُونَ لِلْمُسْلِمِینَ مُجْتَمَعاً یَجْتَمِعُونَ فِیهِ وَ یَبْرُزُونَ لِلَّهِ” [من لا يحضره الفقيه: 522]
هذا التجمع العظيم للمسلمين في عيد الفطر يمكن أن يكون مظهراً للوحدة والتضامن في وجه الأعداء. كما جاء مقاتلو الإسلام في العمليات الأخيرة إلى الميدان بشعارات عاشورائية، ففي عيد الفطر أيضاً ستظهر الأمة الإسلامية وحدتها بشعار “الله أكبر”.
إذاً، اقتران الأيام الأخيرة من شهر رمضان بأنغام الحرب ليس مصادفة عابرة. هذا الاقتران يحمل في طياته رسالة عميقة: رمضان، شهر جهاد النفس، هو مقدمة لجهاد العدو. المؤمنون الذين شاركوا في ميدان سباق العبادة شهراً كاملاً، هم اليوم أكثر الناس استعداداً للثبات في وجه المعتدين.
ليلة القدر هذا العام ليلة مختلفة؛ فهي ليلة نزول القرآن وتقدير العام، وليلة يتذوق فيها الأعداء طعم مقاومة الشعب الإيراني. الذين يظنون أنهم يستطيعون بالحرب إرغام شعب كان شهراً في محضر القرآن على الركوع، هم في وهم كبير.
رمضان ينتهي، لكن المقاومة تستمر. كما أن القرآن باقٍ إلى قيام الساعة وهادياً، كذلك الجهاد مستمر لدفع شر الأعداء. لقد مضى شهر رمضان، لكن ثمرته، أي التقوى والثبات، تبقى في قلوب المؤمنين، وهكذا يُسجل “رمضان المقاومة” في التاريخ.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





