نحو المجتمع الفاضل
إن الاعتقاد بالمنقذ من بين الموضوعات التي تشكل محل اتفاق واشتراك بين الأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية. الأزمات والمشاق التي لا تطاق والتي عرّضت وجود البشرية للخطر، وعجز الإنسان عن مواجهتها بنفسه، هي أهم سبب أدى إلى تشكل فكرة المنقذ في الأديان. إن ارتباط ظهور المنقذ بخصائص مثل نشر العدالة ومكافحة الظلم وغيرها جعل الإنسان، مهما كان دينه أو مذهبه، يتوق دائماً إلى ظهور منقذه. ومن الواضح أن درجة الاهتمام والحماس لظهور المنقذ تتأثر بعوامل مختلفة. وفي هذا السياق، تعد وسائل الإعلام من أكثر العوامل تأثيراً، حيث تلعب دوراً كبيراً في خلق هذا الحماس والاهتمام. إن وسائل الإعلام من أكثر أدوات العالم اليوم تأثيراً؛ فهي بالإضافة إلى وظيفتها المباشرة في التأثير على الأفراد، يمكنها أيضاً التأثير على الثقافة والأعراف والمعايير والمقاييس التي يبني عليها المخاطب أصول سلوكه.
لقد بدأ عالم هوليوود الإعلامي منذ عام 1990 بتغيير تدريجي لكنه ملموس في الفضاء السائد لأعماله نحو موضوعات المنجوية ونهاية الزمان.
هوليوود وخلق الشعور بالحاجة الملحة إلى المنقذ (1)
يعد خلق الشعور بالحاجة والاضطرار إلى المنقذ من بين الأمور التي اعتمدت عليها سينما هوليوود في العديد من منتجاتها حول نهاية الزمان.
فيلم “الخالق” (The Creator) الذي أنتج عام 2023 من سينما هوليوود، يحاول تصوير الصراع بين الجنس البشري والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، نرى في مشهد من هذا الفيلم أن دائرة الحاجة إلى المنقذ تتجاوز حتى نطاق البشر، حيث يُصوَّر جنس الذكاء الاصطناعي أيضاً على أنه محتاج ومشتاق للظهور.
هوليوود وخلق الشعور بالحاجة الملحة إلى المنقذ (2)
يستخدم القائمون على سينما هوليوود تقنيات مختلفة لخلق الشعور بالحاجة إلى المنقذ لدى الجماهير. من أهم هذه التقنيات خلق ثنائية الخير والشر. ففي هذه الطريقة، تكون قوى الشر في الفيلم قوية جداً لدرجة أن الانتصار عليها في الظروف العادية يبدو مستحيلاً. يستمر تصوير هذه القوة إلى درجة يقنع فيها الجمهور بأن السبيل الوحيد للخلاص من الوضع القائم هو وجود منقذ.
فيلم “حرب عالمية زد” (World War Z) الذي أنتج عام 2013، هو مثال بارز على هذا النوع من الأعمال. ففي هذا الفيلم، تستولي الزومبي كقوى شر بسرعة على الكرة الأرضية بأكملها، وتقلل الأمل في النجاة إلى الحد الأدنى. في هذه الظروف، يبدو ظهور المنقذ في القصة ضرورياً.
إن كثرة تعرض الجمهور لهذه الحيلة في منتجات سينما هوليوود تجعله يصل في حياته الواقعية أيضاً إلى استنتاج أن وجود المنقذ هو الحل الوحيد للخلاص من شرور هذا العالم.
هوليوود وخلق الشعور بالحاجة الملحة إلى المنقذ (3)
من بين التقنيات التي تستخدمها هوليوود، تصوير التضحية اللامحدودة للمنقذين الهوليووديين في سبيل إنقاذ البشرية. في هذه الطريقة، يحاول المخرج من خلال خلق مواقف درامية وعاطفية، تصوير ذروة تضحية المنقذ من أجل البشرية.
من الطبيعي أن جمهور سينما هوليوود، بسبب كثرة مواجهته لمثل هؤلاء المنقذين والأبطال، يفتتن بهم وينجذب إليهم، وسيظل دائماً في حياته الحقيقية متشوقاً لمجيء مثل هذا المنقذ.
فيلم “بين النجوم” (Interstellar) الذي أنتج عام 2014، وهو من أكثر أفلام هوليوود إتقاناً في محور المنقذ، هو مثال بارز على استخدام هذه التقنية، حيث حاول المخرج أن يُظهر للجمهور الإيثار والتضحية من خلال مشاهد متعددة.
بطل يضحي من أجل إنقاذ البشرية جمعاء، فيفارق عائلته وابنته الوحيدة بحزن وأسى كبيرين، ويضحي بالأولويات الشخصية من أجل الأولويات الاجتماعية.
الوظائفية لسينما نهاية الزمان في هوليوود
الوظيفة الأولى: محاولة تقديم أحداث نهاية الزمان بشكل منهجي
نرى في فقرات مختلفة من الكتاب المقدس لدى المسيحيين، في وصف أحداث نهاية الزمان قبل ظهور السيد المسيح (عليه السلام)، إشارات إلى أحداث وحوادث مؤسفة، يشكل كل منها تهديداً للجنس البشري.
وعلى هذا الأساس، فإن إحدى رسالات أفلام نهاية الزمان في هوليوود هي أنه من خلال تصوير الأحداث المؤلمة لنهاية الزمان، تحاول لفت انتباه الجمهور إلى أن وقوع الأحداث والحوادث المرعبة لنهاية الزمان في عملية الوصول إلى العصر الذهبي المزدهر لظهور المنقذ، هو جزء من هذه الدورة الطبيعية التي ستحدث بشكل منهجي، ولا مفر منها.
الوظيفة الثانية: اليقظة والتنبيه لمخاطر المسار الحالي للمجتمع البشري
من خلال متابعة الأعمال السينمائية عن نهاية الزمان في هوليوود، نلاحظ أن عدداً كبيراً من هذه الإنتاجات تحمل مضامين نقدية تجاه النمط الحالي للحياة البشرية. إن الأحداث المرعبة لنهاية الزمان التي تُعرض في هذا النوع من المنتجات، هي نتيجة لطريقة ونمط الحياة البشرية، ولها أسباب بشرية.
على سبيل المثال، في أفلام نهاية الزمان مثل سلسلة أفلام Terminator أو فيلم The Creator المنتج عام 2023، نرى أن الذكاء الاصطناعي الذي كان الإنسان نفسه هو خالقه، أصبح الآن تهديداً كبيراً لاستمرار حياتهم وتسبب في تدمير جزء كبير من الحضارة البشرية.
الوظيفة الثالثة: استخدام لغة الفكاهة لتقليل الخوف من أحداث نهاية الزمان
أفلام نهاية الزمان ذات الخلفية الفكاهية هي من بين تلك الإنتاجات التي ازداد عددها في السنوات الأخيرة. أفلام مثل This is the End أو The World’s End (المنتج عام 2013) هي من بين الأعمال السينمائية عن نهاية الزمان في هوليوود، حيث حاولت عرض أحداث نهاية الزمان بلغة فكاهية.
من بين وظائف استخدام لغة الفكاهة في هذا النوع من الأفلام، يمكن الإشارة إلى تقليل الخوف والتوتر من الأحداث المرعبة لنهاية الزمان. في الحقيقة، إن تكرار تعرض الجمهور لمثل هذه الصور مع إضافة الدعابة التي تضمنتها هذه الأفلام في مواجهة الأحداث المرعبة لنهاية الزمان، يجعل نظرة الناس إلى هذه الأحداث مع مرور الوقت نظرة متسامحة وفكاهية، ويقل الخوف العام تجاه هذه الأحداث.
محاولة تقديم نموذج للمنقذ الإسلامي
مسلسل “المسيح” (Messiah) الذي أنتج عام 2020، هو من أكثر الإنتاجات الدرامية إثارة للجدل في هوليوود خلال السنوات القليلة الماضية.
“مهدي دهبي” هو اسم الممثل المسلم الذي قام بدور المسيح/المسيحا في هذا المسلسل. على الرغم من أن كتاب هذه القصة، في القشرة الظاهرية للعرض، أظهروا شخصية “المسيح” بما يتجاوز المنقذ المنتمي لدين معين، وحاولوا ترك تحديد انتمائه الديني للمشاهدين، إلا أن الصورة الإسلامية لهذه الشخصية تطغى بوضوح على الأديان الأخرى.
المنقذ الذي يتم في مشاهد مختلفة نفي ألوهيته، لا ينفي خلال المسلسل أيًا من الألقاب المقدسة التي يُنادى بها؛ ألقاب مثل: المسيح، نبي، إمام، ابن الله، عيسى.
هو الذي تخرج في العلوم السياسية من ماساتشوستس الأمريكية، يتمتع بذكاء عالٍ يُمكّنه من الإفلات بذكاء من كل المضايقات التي تخلق له، ويتقدم أهدافه المخادعة واحدة تلو الأخرى. على الرغم من أنه خلال المسلسل حاولوا أولاً عدم تقديم هذه الشخصية بوضوح كمنقذ إسلامي، وثانياً عدم تصور الجمهور له صورة سلبية واضحة، إلا أنه في الطبقات الخفية من الفيلم يمكن تمييز كل من هذين الأمرين بوضوح.
العلم، المنقذ الوحيد للبشرية
في أفلام نهاية الزمان في سينما هوليوود، يتم تصوير أنواع مختلفة من المنقذين بأشكال متعددة من الخلاص.
مسلسل “مسألة الأجسام الثلاثة” (3 Body Problem) الذي عُرض موسمه الأول عام 2024، ويُعتبر من أكثر المسلسلات تكلفة على منصة Netflix، هو مثال كامل لنهاية زمان تركز على العلم. في هذا المسلسل الذي تم إنتاجه حول مسألة فيزيائية – وإن كانت مدعومة بموضوعات سياسية – من المقرر أن تصل كائنات فضائية إلى الأرض خلال 400 سنة قادمة وتدمر البشرية.
في هذه الأثناء، هناك مجموعة من البشر ينتظرون بفارغ الصبر قدوم الفضائيين، ويعتبرونهم آلهتهم، بينما تبذل مجموعة أخرى قصارى جهدها لمنع وقوع هذا الحدث المروع لنهاية الزمان بالاعتماد فقط على المعرفة والعلم البشري المتقدم (مع نفي القوى الإلهية وما وراء الطبيعة).
تجدر الإشارة إلى أن المنتجات التي تعتمد على إنقاذ العلم فقط ونفي أي خلاص إلهي، لها نماذج كثيرة في سينما الغرب.
يتبع…
إعداد: مركز المهدوية التخصصي في حوزة قم العلمية
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





