لماذا يُعد تأمين حياة القادة والمسؤولين “واجباً شرعياً” و”ضرورة عقلية”؟

إن حماية القادة والمسؤولين في أي نظام إسلامي وصيانتهم تتجاوز كونها امتيازاً شخصياً أو بروتوكولاً احتفالياً، بل هي أصل راسخ في النظام القيمي والسياسي الإسلامي. تتجذر هذه الضرورة في التعاليم القرآنية العميقة، والسيرة النبوية والعلوية الشريفة، والأسس العقلانية السديدة، ومنطق الفقه السياسي الشيعي الذي يؤكد على وجوبها شرعاً وعقلاً.

أولاً: تجليات الوحي الإلهي في حفظ الأمانات

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. تنهى هذه الآية صراحة عن أي عمل يؤدي إلى الهلاك والدمار. فرغم أن الشهادة والاستشهاد من المفاهيم القيمة في المصادر الدينية، فإن حماية حياة القادة والمسؤولين الذين يشكلون أعمدة الأمة تعد من أبرز مصاديق اجتناب اليأس والإحباط بل والهلاك نفسه.

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. إن الأمر بالتأهب واكتساب القدرة يشمل جميع جوانب الدفاع عن الأمة الإسلامية، ويعد تأمين حياة القادة والمسؤولين جزءاً لا يتجزأ منه. ورغم أن هذه الأهمية قد تكون قابلة للتدرج في المستويات المختلفة، فإن وجود كل من هؤلاء الأفراد في المجتمع الإسلامي له قيمته في مكانه.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. القادة والمسؤولون هم أمناء الأمة والشعب. والحفاظ على حياة هؤلاء الأمناء وأمنهم هو واجب إلهي ومن مصاديق أداء الأمانات.

ثانياً: السيرة النبوية والعلوية؛ تدبيراً لبقاء الحكم

في صدر الإسلام، أخذ النبي الأكرم (ص) في بيعة العقبة على الأنصار تعهداً: “بايعوني على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم”. هذا النهج، بالإضافة إلى الحفاظ على رأس الهرم (القائد)، يشكل الشرط الأساسي للعهود السياسية بالنسبة لباقي الممثلين والمسؤولين.

كما أن تأكيد أمير المؤمنين (ع) على ضرورة وجود الحاكم في خطبته الأربعين من نهج البلاغة: “لا بد للناس من أمير”، يشير إلى ضرورة حفظ حياة القادة والمسؤولين، لأن انتظام شؤون المجتمع لا يتحقق إلا باستقرار الحكام.

ثالثاً: المنطق العقلي؛ ضرورة “الدرع الأمني” وتقليل المواجهة غير الضرورية

من الناحية العقلية، عندما يتبنى العدو استراتيجية “ضرب رأس الهرم”، فإن التهاون في تعريض القادة والمسؤولين للخطر المباشر يعد سذاجة. يحكم العقل أن يكون المسؤولون الرئيسيون في “ملاذات آمنة” وتحت طبقات حصينة منيعة. فالوصول غير المنضبط والتواجد المستمر في الأماكن العامة دون اعتبارات وقائية، لا يدل على الشعبية بقدر ما يشكل أحياناً “إهمالاً استراتيجياً” يمكن أن يكلف المصلحة الوطنية ثمناً باهظاً لا يُحتمل بسبب انعدام الأمن والاغتيالات.

رابعاً: القواعد الأصولية؛ مقدمة الواجب واجب

في الفقه السياسي الشيعي، يُعد “حفظ النظام” أوجب الواجبات. وحيث إن حفظ النظام الإسلامي (وهو واجب) يتوقف على أمن القادة والمسؤولين واستقرارهم، فإن تأمين هذا الأمن يكتسب وجوباً شرعياً وفقاً لقاعدة “مقدمة الواجب واجب”. كما تقتضي “قاعدة نفي السبيل” منع سيطرة الكفار والأعداء أو توجيههم ضربة للهيكل الإداري للمجتمع الإسلامي من خلال الحراسة الدقيقة.

كما أنه بناءً على “قاعدة دفع الضرر المحتمل”، يجب على القادة والمسؤولين تجنب التواجد في الأماكن التي يحتمل أن تكون تحت إشراف استخباراتي وعملياتي للعدو. إن إقامة مسافة وقائية وتقليل الترددات غير الضرورية هي في الواقع إغلاق لمنافذ اختراق العدو. فالمأوى والغطاء الأمني ليسا وسيلة لعزل المسؤول، بل هما أداة لـ”استمرار الخدمة” دون القلق من التهديد.

النتيجة الختامية:

حيثما كانت حياة القادة والمسؤولين تمثل حدود أمانة الأمة وضمانة الاستقلال الوطني، فإن أي إصرار على “الوصول السهل” والتواجد دون طبقة حماية يعد لعبة في ملعب العدو. إن الحماية القصوى والتواجد في الأماكن الآمنة واجب إلهي ووطني. أمن القادة والمسؤولين هو العمود الركين لأي نظام إسلامي، وأي تقصير في إقامة هذا “الحصن الأمني” قد يلحق أضراراً لا تعوض بالحكم السياسي للإسلام، ولن يكون لنا في يوم القيامة جواب عنها.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأحكام الشرعية | نشر الكذب والأباطيل
ما تفسير قوله تعالى في سورة الدخان( وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله)
كيف يمكننا حماية أطفالنا من الأضرار النفسية للحرب؟
السؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب قبل البعثة وبعدها؟
طريق الاستعداد لشهر رمضان المبارك / آية الله العظمى المظاهري

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل