آية الله السيد رحيم توكل / الجلسة الثامنة

عالم الدنيا هو ميدان العمل. فحين يولد الإنسان، يبدأ سباقه في هذا الميدان، وحين يموت، ينتهي السباق. فقد ورد في الرواية: “إذا مات الإنسان انقطع عمله”، فبعد الخروج من الدنيا، لا يبقى عين ترى، ولا لسان ينطق، ولا جوارح تعمل، وتتوقف كل أدوات العمل.

لهذا، حين تهجم المصاعب والبلاءات على الإنسان، لا ينبغي له أن يدعو بالموت. فالموت ليس حلاً، ولا يتحقق به تقدم، بل هو تراجع عن ساحة العمل. الواجب أن يسأل الله عمراً مديداً، بل عمراً مباركاً، ليواصل العمل وينمو في درجات الكمال. وهذه بحد ذاتها سعادة عظيمة. يقول الحديث الشريف: “طوبى لمن طال عمره وحسن عمله”؛ أي طوبى لمن أعطاه الله طول العمر مع جمال العمل.

عند مفارقة الدنيا، يدخل الإنسان عالماً آخر هو “عالم البرزخ”. وهذا العالم يختلف جوهرياً عن عالم الدنيا. فمن مظاهر حقارة الدنيا أنها العالم الوحيد الذي يعصى فيه الله، بينما سائر العوالم غارقة في طاعته. ومن مظاهر حقارتها أيضاً أن المؤمن يجاور الكافر، والتقي يخالط الفاجر.

لكن مع عبور الموت، تنتهي هذه الاختلاطات. فثمة عدالة إلهية مطلقة: “الحَمام مع الحَمام، والصقر مع الصقر”. الأبرار في مقام، والفجار في مقام آخر.

الدنيا أحقر العوالم، والبرزخ عالم عظيم، والقيامة عالم أعظم. في البرزخ جنة ونار تعرفان بـ”الجنة البرزخية” و”النار البرزخية”، كما في القيامة جنة ونار هما “الجنة الموعودة” و”النار الموعودة”. يقول الحديث: “إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران”، إشارة صريحة إلى ما ينتظر الإنسان في أول محطة بعد الموت.

وأما القيامة، فهي لحظة الحسم الأكبر. خطاب واحد فقط يصدر: “إلى الجنة” أو “إلى النار”، لا ثالث لهما. وهنا يبلغ القلق ذروته، لأن المصير يتوقف على هذه الكلمة: جنة الخلد أم نار الخزي.

الدنيا بحقارتها، تكون ثوابها وعقابها حقيرين أيضاً، كإناء صغير لا يسع إلا قليلاً. أما البرزخ، لعظمته، فجزاؤه أعظم، والقيامة للأعظمية فجزاؤها الأشد.

لنضرب مثالاً يوضح الفكرة: من ارتكب جريمة الزنا في الدنيا، ثلاث حالات:

الأولى: أن تبقى معصيته مستورة، لا محاكمة ولا حكم. فإن تاب توبة نصوحاً، وندم ندامة حقيقية، وعزم ألا يعود، محا الله تلك المعصية من صحيفته، وكأنها لم تكن.

الثانية: أن تنعقد المحاكمة ويصدر الحكم وينفذ. فإذا كان الشخص غير متزوج ونفذ عليه الحد الشرعي، تطهره هذه العقوبة من تلك المعصية وحدها، وتبقى ذنوبه الأخرى.

الثالثة: أن تعقد المحاكمة ويصدر الحكم، لكن لا ينفذ لفرار المحكوم مثلاً. فإن لم ينفذ الحد في الدنيا ودخل الشخص البرزخ، اشتد العقاب، لأن البرزخ عالم عظيم. وإن لم يطهر هناك وبلغ القيامة، ازداد العقاب شدة، لأن القيامة عالم أعظم.

لذلك، بلطف الله وكرمه، أراد أن يطهر عباده من الذنوب في هذه الدنيا الحقيرة، لئلا يصل الأمر إلى العوالم العظيمة حيث الحساب الأشد.

يقول الحديث (الكافي ج4 ص252): “إذا أراد الله بعبد خيراً عجل عقوبته في الدنيا”، لأن الدنيا عالم حقير، فيريد الله تطهيره بعقوبة خفيفة. وفي المقابل: “وإذا أراد بعبد سوءاً أمسك عليه ذنوبه حتى يوافي بها يوم القيامة”، أي أن العبد لكثرة ذنوبه وقلة مبالاته، لا يستحق التطهير بعقوبة دنيوية خفيفة، بل يترك للحساب الأكبر.

وما دام الأمر كذلك، فليعلم العبد أن الخير أو الشر الذي يقدره الله له، إنما هو انعكاس لعمل نفسه. فمن أراد لنفسه الخير، فليسرع إلى التوبة والعمل الصالح قبل أن يفوت الأوان.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل