أجرت وكالة الحوزة الإخبارية حواراً مع حجة الإسلام والمسلمين محمد وحيدي، الخبير السياسي، حول تحليل مستقبل الحرب ودور الشعب في استمرار الضغط على العدو. وفي ما يلي نص هذا الحوار الذي نشاركه معكم أيها القراء الكرام.
كيف يمكن لحضور الشعب في الميدان أن يعزز الضغط على العدو ويمنعه من تحقيق أهدافه النهائية؟
كما أن نطاق وحدود الدفاع يتم تحديده من قبل القائد العام للقوات المسلحة، فإن قرار إنهاء الحرب أيضاً من صلاحيات ولي الفقيه وحده، ولا دور للسلطات الثلاث الأخرى في هذا الشأن. ورغم أن القوات المسلحة يمكنها أن تلعب دوراً استشارياً، إلا أن صاحب القرار النهائي في هذا المجال هو قائد الثورة والقائد العام للقوات المسلحة.
عندما تكون البلاد في موقع قوة، فإنها تقاوم بطبيعة الحال ولا تقبل بوقف إطلاق النار إلا بعد تحقيق المطالب، وتعويض الأضرار، والوصول إلى الأهداف المحددة، ومعاقبة المعتدي. لذلك، نحن أمام نهجين بشأن إنهاء الحرب، وتوقيت قبول كل منهما يعكس وضعنا ووضع العدو.
النقطة الثانية في هذا الشأن هي أن هذا الإجراء يمكن اختياره في عدة مواقف، وهو ما يعكس وضع الدولة المهاجمة والدولة المستهدفة. فإذا كانت الدولة المستهدفة في موضع ضعف، فإنها تقبل بوقف إطلاق النار في أي ظرف. فعلى مر تاريخ إيران، كان الملوك غير الأكفاء يقومون بفصل جزء من أراضينا عن إيران، حتى تحت عنوان وقف إطلاق النار وذريعة كسب رضا الدولة المهاجمة. وكان هذا الإجراء يهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار وإنهاء الاشتباكات، لكنه في الواقع كان يعبر عن عجزهم وعدم كفاءتهم في المجالات العسكرية وإدارة البلاد، وعدم معرفتهم الصحيحة بالقدرات الوطنية.
عادةً ما تقبل الدول التي تكون في موضع ضعف بأدنى اقتراح من الدولة المهاجمة لوقف إطلاق النار. أما عندما تكون البلاد في موقع قوة واقتدار، فإنها تقاوم ولا تقبل بوقف إطلاق النار إلا بعد تحقيق المطالب، واستلام التعويضات، والوصول إلى الأهداف المحددة، ومعاقبة المعتدي.
لذلك، فإن دراسة هذين النهجين في قبول وقف إطلاق النار تقدم معياراً مناسباً لقياس وضعنا ومكانة العدو.
تأثير حضور الشعب على توازن القوة والردع في البلاد
لقد مررنا على مر التاريخ، سواء قبل الثورة أو بعدها، بالعديد من الصعود والهبوط، وكان من أهم محاورها مسألة قبول وقف إطلاق النار، والتمييز بين موقع الضعف والقوة، وأحياناً التظاهر بهذه المفاهيم. في فترة الدفاع المقدس والحرب المفروضة الثماني سنوات، كانت هناك صعود وهبوط يحتاج إلى تحليلات خاصة به.
تكرار التاريخ: التنازل المبكر وإضاعة الفرص في الأحداث الماضية
تكرر هذا النهج في الأحداث الأخيرة أيضاً، بما في ذلك في الحرب الاثنتي عشرة يوماً التي سبقت الحرب الحالية. بعد أن تلقينا الضربة الأولى، وتمكنا خلال أيام قليلة من تنظيم قواتنا وتوجيه رد مناسب للعدو، الذي كان إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة التي شاركت في الحرب بشكل مباشر، شاهدنا دلائل تشير إلى أن العدو كان في موضع ضعف، ووفقاً لتحليل الخبراء، كنا نركز على قاعدة قوة ونضغط على العدو بشكل هادف ومدروس. لكن الإنجاز المحقق لم يكن بالدرجة التي يمكن اعتبارها رداً رادعاً ومناسباً يصرف العدو عن الهجمات اللاحقة.
ورغم التوجيهات التي أطلقها قائد الثورة المعظم، إلا أن تلك المرحلة مضت، ووصلت الحرب إلى وضعها الحالي. لحسن الحظ، نحن الآن في موقع جيد جداً، لأن سماحة القائد والإمام الشهيد لدينا، والقادة العسكريون ذوو الخبرة، استفادوا من دروس الحرب الاثنتي عشرة يوماً، ووضعوا الهيكل العسكري وحتى إدارة البلاد لإدارة الأزمة بطريقة جعلتنا نمتلك استعداداً عالياً جداً. على سبيل المثال، في الحرب الاثنتي عشرة يوماً الماضية، استغرقنا حوالي أربع وعشرين ساعة حتى نتمكن من إطلاق الطلقات الأولى، وكان ذلك بشكل غير محدد وبأعداد كبيرة. أما في هذه الحرب، فقد بدأ ردنا بعد ساعة واحدة فقط من الهجوم.
في الحرب السابقة، كان ظاهر الأمر أن الكيان الصهيوني فقط هو المتورط بشكل مباشر في الحرب، ثم التحقت به أمريكا في النهاية. أما في الحرب الحالية، فقد هاجمنا كلا البلدين منذ البداية بالتعاون مع بعضهما وبشكل مباشر وعلني، وتسببا في أضرار لنا.
كان أهم هذه الإجراءات هو اغتيال قائدنا العزيز، وهي مصيبة كبيرة للمجتمع الشيعي والإيراني.
وأيضاً المجزرة التي ارتكبت بحق طلاب مدرسة “الشجرة الطيبة” في ميناب، حيث تم استشهاد حوالي 180 طفلاً من أطفالنا، وكان ذلك مخططاً له ومتعمداً وهادفاً بشكل واضح.
ورغم تلقينا مثل هذه الخسائر، تمكنا ولله الحمد من تقديم رد مناسب، حيث استهدفنا ودمرنا جميع القواعد الأمريكية النشطة في المنطقة التي كانت تعمل ضدنا، بما في ذلك البنى التحتية والمجمعات الدفاعية والرادارات التابعة لها. كما أوقعنا أضراراً جسيمة جداً وخسائر فادحة بإسرائيل. نحن في موقع قوة، ومضيق هرمز تحت سيطرتنا، ومجموع هذه العوامل يشير إلى قوتنا.
الردع غير الكافي وخطر وقف إطلاق النار: فرصة للعدو لتجديد قواه؟
رغم أننا الآن في موضع قوة، إلا أن الضربات التي وجهناها لم تخلق ردعاً بعد. هناك حديث عن استنفاد الأسلحة ونقص واحتياجات دفاعية تحتاج إلى إعادة تفعيل.
كما تُسمع أصداء عن الاستعداد لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، ويبدو أنه يجب أن يكون ذلك بإشراف وإشارة ولي الفقيه. في الرسالة التي ألقاها إمامنا العزيز، الإمام السيد مجتبى الخامنئي (دامت بركاته)، أشار إلى أننا لم نصل بعد إلى الأهداف المحددة لهذه الحرب، وسنستمر إن شاء الله. لذلك يجب أن نكون يقظين تجاه هذه الأصوات.
إذا لم يتم تحقيق الردع، فإن قبول وقف إطلاق النار يعني إعطاء فرصة جديدة للعدو لتجديد قواه، ليعود بعد بضعة أشهر بقائمة جديدة من الأهداف ويتسبب في أضرار أخرى. في كل مرة يقترب فيها العدو من أهدافه الأولية، ورغم أنه لم يصل إلى أهدافه النهائية مثل إسقاط النظام، وتغيير النظام، وخلق حرب أهلية، ودفع الشعب لإكمال أحجية أهدافه، إلا أنهم للأسف نجحوا في برنامجهم المتمثل في القضاء على الشخصيات الكبيرة والمؤثرة في البلاد، وكان قائدنا العزيز أهم أهدافهم. يجب على البلاد أن تقدم رداً مناسباً على الدولة المعتدية.
كان القضاء على الشخصيات الكبيرة من بين الأهداف الرئيسية لهذه المخططات. كانت هذه المخططات تسعى لضرب القيادة وإزالة مصدر الفكر والتماسك الفكري في المجتمع لإغراق البلاد في الفوضى. ومع ذلك، فإن إدارة القائد الشهيد ولطف الإمام الزمان (عليه السلام) بتدابيره الدقيقة والمتوازنة، جعلت الهياكل الرئيسية للبلاد تعمل بشكل صحيح حتى بدون وجود القائد وقبل تشكيل مجلس القيادة.
حتى بعض القادة العسكريين كانوا يعرفون ما هي مهمتهم وكانوا يؤدون عملهم بشكل صحيح. هذه الإدارة الفعالة حالت دون تعرض البلاد للضرر أو الارتباك في هذه الفترة الحرجة.
في تحليل أحد الخبراء الغربيين حول إدارة القائد الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، قيل: بعد استشهاد سماحته، لم تتفكك البلاد. فقد تم الحفاظ على النظام والقوام الذي يجب أن يكون، وتم تقديم رد مناسب على الدول المعتدية.
المطالبة الشعبية: القوة المحركة للنصر في الميدان والتاريخ
إلى جانب النقاط السابقة، هناك نقطة أخرى يجب أن أطرحها وهي مهمة ويمكن أن تساعد في فهم أفضل لهذه القضية، وهي مطالبة الشعب. كانت هذه المسألة واضحة في أقوال القادة وفي كلمات قائدنا على مر السنين، خاصة في مسألة الانتقام. قال سماحة القائد، السيد علي الإمام الشهيد: “إن مطالبة الشعب هي التي تشحن الصواريخ التي تصيب العدو”.
والآن أيضاً، أشار قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري إلى نفس المضمون وقال: “الشوارع معكم، والميدان معنا، والجو والفضاء معنا”.
هذه الأقوال تدل على أهمية حضور الشعب عبر التاريخ بالنسبة لنا. لقد جرب المجتمع الشيعي أضراراً جسيمة نتيجة عدم الحضور في الميدان.
إذا نظرنا إلى اللحظات التي أعقبت وفاة النبي الأكرم (ص)، نجد أن أمير المؤمنين والصديقة الزهراء (س) كانا يذهبان إلى منازل الصحابة ويطالبانهم بأن يدخل الذين شهدوا غدير خم إلى الميدان ويشكلوا تجمعاً. في تلك المرحلة، كان أمير المؤمنين (ع) يقول: إذا اجتمعتم ولو أربعين شخصاً، سأبدأ العمل وسأتولى المطالبة.
للأسف، بسبب عدم حضور صحابة النبي (ص) الذين كانوا شاهدين على الأحداث، هيمنت قصة السقيفة على المجتمع الإسلامي، مما تسبب في انحرافات وصعوبات في تاريخ الإسلام.
أهمية الحضور في الميدان وتبعات الانسحاب
في مرحلة أخرى، وفي قصة مسلم بن عقيل، مع علمنا بأن مجموعة من المسلمين الذين كانوا شيعة من الناحية السياسية والعقائدية، تخلوا عن مسلم بن عقيل، مما أدى إلى استشهاده ومن ثم استشهاد الإمام الحسين (ع).
إن انعدام الدعم والمساندة في هذا الطريق ترك تأثيرات عميقة على مسار الأحداث، وأدى إلى إضعاف المطالب وتلاشي الحضور في الميادين المهمة. فاستشهاد الإمام الحسين (ع)، واعتزال أمير المؤمنين (ع) في بيته، واستشهاد الصديقة الزهراء (س)، كلها نماذج على عواقب عدم الحضور وتخلية الساحة.
الآن، الناس الثوريون، بحضورهم في الشوارع والأزقة والمشاركة في التجمعات المخطط لها، يتولون ميدان المطالبة. مثال على ذلك، حضور الناس في الشوارع وهتافهم في تحديد القائد، والذي أدى بحمد الله إلى إزاحة شبهات الانقلابات، وتبع ذلك، واعتماداً على هذه المطالبة، تم تقديم القائد الجديد.
هذا الدرس التاريخي يساعدنا على الحضور في الميدان. لذلك، يجب أن نعلن دعمنا بأننا سنبقى في الميدان حتى اللحظة الأخيرة، ولن نسمح بتكرار تلك الأحداث المؤلمة التي وقعت في الماضي، حتى في تاريخ ثورتنا حيث كنا أقل حضوراً في بعض المراحل.
حالياً، تتعرض القوات العسكرية وميدان الحرب لضغوط من بعض السياسيين؛ سياسيين إما متأثرين بالغرب أو متعلقين بوعودهم. هؤلاء يظنون أنه بإلحاق أضرار محدودة بقواعد العدو، يكونوا قد أدوا واجبهم، وعلى القوات العسكرية أن تكتفي بذلك. بينما القوات الثورية الحاضرة في الميدان لديها مطالبات أكبر، ولا ينبغي السماح للضغوط السياسية بتعقيد عمل القادة العسكريين.
يجب أن نعلن أننا سنبقى في الميدان حتى اللحظة الأخيرة، ولن نسمح بتكرار الأحداث المؤلمة التي وقعت في التاريخ الماضي وحتى في تاريخ ثورتنا؛ أحداث كان حضورنا فيها ضعيفاً. بعض هؤلاء الأشخاص، الذين لا يمكن وصفهم صراحة بالخيانة، لكنهم متأثرون بالغرب أو قلقون، لا يزالون موجودين بين السياسيين، ويعتقدون أن أمريكا بضغط بسيط يمكنها نزع سلاحنا. هذه الضغوط تضر بالقوات العسكرية، وهي ليست في صالح البلاد.
الصمود الوطني في مواجهة مؤامرات العدو، مفتاح النصر في ساحة المعركة
النقطة المهمة هي أن جبهة المقاومة دخلت الميدان لصالحنا؛ فقد دخلت قوات المقاومة في العراق ولبنان إلى العمل بشكل مباشر، وأعلن اليمن استعداده. لقد شاهدنا سابقاً وفاءهم وحضورهم في ساحة المعركة.
لكن النقطة التي يجب أن ننتبه إليها بدقة هي أن العدو بدأ نشاطاً يتضمن الهجمات على خزانات الوقود ومنشآتنا. الهدف من هذه الإجراءات هو خلق مشاكل في الحياة اليومية للناس، بما في ذلك تأمين البنزين وتنقلاتهم. كما تم تصميم هجمات على مستودعات الحليب المجفف والمواد الغذائية، لإحداث مشاكل للناس في تأمين معيشتهم وغذائهم. استراتيجية العدو هي تحويل الناس من الهتافات الثورية إلى المطالبة من الحكومة، ليطلبوا من الحكومة وقف الحرب.
إذا أظهر الناس، بحضورهم في الميدان، صموداً وعدم تعب أمام هذه الضغوط، فبفضل الله سيكون وعد النصر الإلهي حتمياً. ونسأل الله التوفيق لإيران الإسلامية.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





