من الضروري الإشارة إلى نقطة أساسية في منطق هيكل النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية: فبالرغم من أن جميع المؤسسات والأركان في النظام تتحرك في ظل “وحدة الهدف” و”التكامل الاستراتيجي” نحو أهداف الثورة، إلا أن لكل من هذه الهياكل وظيفة تخصصية وقناة مختلفة للعمل. فإن فصل السلطات وتقسيم المهام ليس ضعفاً هيكلياً، بل هو من متطلبات الكفاءة في الحكم.
كما أن مهمة الأمة اليقظة هي الحفاظ على التماسك الداخلي، والتصدي للتهديدات وأعمال المنافقين في الداخل وعملاء العدو في الخارج، فإن وظيفة القوات العسكرية هي تحييد التهديدات الخارجية، وخلق الردع، والرد الصارم على الدول المعادية.
لسوء الحظ، نشهد في الفضاء الخطابي للبلاد أن بعض الذين يدعون أنهم من “الخواص”، لديهم فهم اختزالي لهذه الآلية، ويتوقعون خطأً أن تتخذ جميع المؤسسات، سواء كانت عسكرية أو دبلوماسية أو ثقافية أو اقتصادية، أفعالاً موحدة ومتشابهة. هذه الفئة تظن خطأً أنه في ظروف الحرب أو التوترات الاستراتيجية، يجب على جميع مسؤولي البلاد بلا استثناء استخدام لغة هجومية وملحمية، وأن يستخدموا في كل موقف لغة التهديد بدلاً من اللغة السياسية.
هذا الفهم الخاطئ يظهر أكثر من أي مكان آخر تجاه “وزارة الخارجية”. فبعض المدعين للثورية، دون فهم الموقع الحساس والدقائق الوظيفية للجهاز الدبلوماسي، يتوقعون من وزير الخارجية وأركانه أن يتخذوا لغة عسكرية ويتحدثوا بوضوح عن التهديدات العسكرية المباشرة، بدلاً من الردود الدبلوماسية والدقيقة والقانونية. ويتوقعون منهم أن يفعلوا ذلك كما يفعل المتحدثون باسم جبهة المقاومة، كالقادة الكبار في الميدان أو المتحدثين باسم تلك الحركة. تتوقع هذه المجموعة أن يدق الجهاز الدبلوماسي طبول المواجهة العسكرية المباشرة دائماً، بدلاً من اللعب في أرض القانون الدولي، غافلة عن أن مثل هذه الأفعال لا تؤدي إلا إلى تدمير “الأغطية القانونية” للنظام في الساحة الدولية.
الحقيقة أن “الميدان” و”الدبلوماسية” هما ذراعان متكاملان، وليسا متنافسين. فمهمة وزارة الخارجية هي دفع الاتهامات الباطلة عن النظام في المحافل الدولية، واستخدام الأدوات الناعمة لتثبيت القوة، وليس المواجهة اللغوية المباشرة التي يمكن أن تحيد الإنجازات الميدانية في الساحة الدبلوماسية. لغة الدبلوماسية هي لغة “التهديد الضمني”، وليست “إعلان الحرب الصريح”.
على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى بيانات هذه الوزارة بشأن مضيق هرمز الاستراتيجي. عندما يتحدث الجهاز الدبلوماسي عن الوضع القانوني لهذا المضيق، يعرف السياسيون الناضجون أن هذا البيان ليس انفعالياً، بل هو مناورة قانونية. من منظور استراتيجي، السيطرة على هرمز هي حقيقة تم إثباتها عملياً؛ بمعنى أن الأمن والعبور فيه مرهونان بإرادة الجمهورية الإسلامية، وأن أي سفينة تخالف القوانين وتمر دون الالتزام بالضوابط تجد نفسها في موقف يفقدها مشروعية العبور. لكن التعبير عن هذه الحقيقة في قالب الأدبيات العسكرية من قبل الدبلوماسيين، لا يحل المشكلة فحسب، بل يمكن أن يكون ذريعة لبناء إجماع للأعداء ضد البلاد.
في النهاية، يجب القول إن نضج الثورة يعني أن نعرف متى نستل “سيف الميدان” ومتى نستخدم “قلم الدبلوماسية” لتعزيز مكانة النظام. فإن التوافق غير الواعي الذي يؤدي إلى تداخل المهام، سيُحمّل الجمهورية الإسلامية تكاليف دبلوماسية غير مقصودة، بدلاً من أن يساعد في تحقيق الأهداف.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل